رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

أيام القليوبي (٧٤ ) كامب ديفيد في الواحات

كتابة


محمود الورداني [email protected]
10/13/2018 10:54:50 AM

لم ألحظ أي اهتمام للناس بالسياسة. كان هناك مثلا شاب ملتح مرح قيل لي إنه مسئول عن الجماعة الإسلامية ، ولفت نظري حرصه علي العلاقة الودية التي تربطه بالمسئولين عن الكنيسة، أما باقي الناس فهم وافدون جاءوا لأهداف محددة مثل من يتعجلون الحصول علي الإعارة من المدرسين، أو من يتطلعون للترقي السريع في سلك الحكومة، أو من يبحثون عن مكان يتفق ومواردهم المحدودة بسبب رخص الأسعار، والباقون من أهل الواحات الطيبين الذين لاتشغلهم السياسة من قريب أوبعيد. وعندما ترددت علي قصر الثقافة لأري ماتحتويه مكتبتها لم ألحظ إلا نشاطا بسيطا يتفق مع هوجة »السلام»‬ التي كانت قد اجتاحت مصر آنذاك في أعقاب زيارة السادات لإسرائيل وما أعقبها.
  ومن بين ما أتذكره جيدا ماجري في صباح أحد الأيام، عندما فوجئت بوشيش وضجيج  وأصوات مضطربة عالية مزعجة تملأ سماء مدينة الخارجة التي كنت أقيم فيها. نزلت بسرعة من استراحة المعلمين لأستطلع الأمر. كانت الأصوات تنبعث كما لاحظت من ميكروفونات معلقة علي أعمدة الإنارة في الشوارع، والمثير للدهشة أنه لم يكن ممكنا تمييز أي كلمة من ذلك النقيق والخرفشة المزعجة. أظن أنني أمضيت مايقرب من ساعتين أعتبرهما من أسوأ الساعات التي مرّت عليّ .والأكثر إثارة للدهشة أن الكثيرين الذين سألتهم ، لم يجبني أحد منهم عن حقيقة مايجري .
  لم أعلم حقيقة الأمر إلا عندما توجهت إلي مقر عملي في مديرية التربية والتعليم . كانت الحكاية تتلخص في أن بيجين والسادات وكارتر كانوا يحضرون مراسم التوقيع علي معاهدة كامب ديفيد، ورأت مديرية الإعلام في الوادي الجديد أن تثبت كفاءتها ونشاطها الموفور، فنقلت ماكانت الإذاعة المصرية تبثه علي الهواء من كامب ديفيد في الصباح المبكر دون أن تراعي فروق التوقيت، والمشكلة أن تلك الميكروفونات المعلقة علي أعمدة الإنارة  كان قد تم تركيبها قبل حرب 1973 بسنوات، لتستخدم لتنبيه الناس في حالة حدوث غارات إسرائيلية، ولم يهتم أحد بصيانتها مطلقا، ففسدت جميعها وأطلقت تلك الأصوات المزعجة بدلا من أن تذيع مراسم التوقيع علي الإتفاقية إياها !!
  علي أي حال أتذكر أنني استسلمت للعزلة المفروضة، ولم أفكر في الكتابة مطلقا، ولم يكن أمامي إلا القراءة والمزيد من التقليب في مكتبات المدارس من خلال زملائي من أمناء مكتبات المدارس، واكتفيتُ بزيارة كل شهر، أري خلالها عائشة، وربما أنجح في مقابلة أحد زملائي، وتوقفت تقريبا علاقتي بما يمكن تسميته بالمجتمع الأدبي.
 وهنا أود التذكير مجددا إلي أن أغلب الكتاب والفنانين من أبناء الستينيات والسبعينيات كانوا قد قاطعوا النشر في المجلات والصحف الرسمية أو دار نشرالدولة، وهي مقاطعة تلقائية واسعة دون إملاءات من أي طرف، بل كان هناك إحساس عام بالقرف وربما الاحتقار لتلك الأدوات بسبب التردي والمستوي المخزي الذي كانت الثقافة قد انحطت إليه، واستبدلنا كل ذلك بالمجلات والنشرات المطبوعة بطريقة الماستر كما سبقت الإشارة من قبل.
  في تلك الفترة كانت الحكومة ماتزال ملتزمة بتعيين جميع الخريجين دون استثناء في وزاراتها وأجهزتها ومصالحها، وملتزمة أيضا بصرف مرتبات هزيلة للجميع . والمهم هنا أن عائشة جاءها خطاب من القوي العاملة يفيد بتعيينها في وزارة التربية والتعليم في سوهاج، مما جعلنا نعيد النظر في أوضاعنا. كانت هي تفضل أن تحاول نقل تعيينها إلي الوادي الجديد لنواجه الحياة معا، بينما كنت أنا مشفقا عليها من التجربة القاسية في الصحراء..
  استكمل في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل....