رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

»يوم الدين« 600 كيلومتر »ذهاب وعودة« لقطع تذكرة جديدة للحياة


أحد مشاهد الفيلم

أحد مشاهد الفيلم

محمد حسن
11/10/2018 1:58:30 PM

علي ظهر عربة »كارو»‬ يجرها حمار هزيل، ينطلق »‬بشاي»، الرجل المسيحي المعافي من مرض الجذام في رحلته للبحث عن أهله، وعلي سطح جرار قطار يعود مرة أخري من حيث بدأ، لكنه يعود سعيدًا نافضًا عن كاهله القصير حملًا ثقيلًا.. إنها رحلة طويلة لما يمكن أن نسميه »‬علاج الكرامة المجروحة»، خاضها بطل فيلم »‬يوم الدين» من أجل قطع تذكرة جديدة للحياة.
أوباما وحمار و»‬ووكمان» رفاق الرحلة.. وفضح أمراض المجتمع في الطريق
تفتح الشاشة علي »‬بشاي» مقرفصًا فوق أرض تغطيها القمامة، إنه رجل يعيش علي جمع ما يصلح منها وبيعه بأي جنيهات، يلتقط الرجل الأربعيني من بين ما جمعه مُشغِّل أغاني قديم »‬ووكمان»، يتفحصه ويحاول تشغيله فيعانده ويصدر غلوشة صوتية لكنه يحتفظ به ولا يبيعه، وفي مستعمرة الجذام يحاول أن يشغِّله مرة أخري ليهوِّن علي زوجته المريضة، لكنه يعانده مرة أخري، حتي تجئ اللحظة التي تنفلت فيها الموسيقي من »‬الووكمان» وينفلت »‬بشاي» هوالآخر من عالم مستعمرة الجذام.
تموت الزوجة، ويستقبل الرجل ضئيل الجسد الخبر بالصمت والأسي. هذا الرحيل الذي كان متوقعًا يفتح عيني »‬بشاي» علي شيء كان مدفونًا في داخله عندما تجئ أم زوجته ويراها لأول مرة في حياته إثر تليغراف قصير أرسلته المصحة النفسية لها. تجئ السيدة ثم تذهب نادمة علي أنها أهملت ابنتها طوال حياتها وتذكرتها فقط عندما ماتت، تجئ وتذهب سريعًا لكنها تأخذ معها راحة بال »‬بشاي».
إنه لأول مرة يفكر جديًا في أن كل فرد في المستعمرة له أهل، يجب عيهم أن يسألوا عنه، أوربما يجب عليه هو أن يسأل عنهم، فيقرر خوض رحلة طويلة مجهولة بطول ما يزيد عن 600 كيلومتر للبحث عن عائلته، وخصوصًا أبيه الذي تركه علي باب المستعمرة طفلًا، ولم ينفذ وعده بأن يأتي ليأخذه عندما يتعافي.
»‬بشاي» رجل بسيط لم يعرف طوال حياته إلا مستعمرة الجذام، أصدقاؤه هم حارسها وسكانها.. والطفل النوبي اليتيم »‬أوباما»، وهذا أقربهم له. يحب »‬بشاي» صديقه الصغير رغم قسوته الظاهرة عليه وهويناديه »‬يا جاموسة»، ونجده مهمومًا بأحواله ويعنِّفه بحنوِّ خفي عن إهماله المدرسة أوتركه الصلاة في يوم الجمعة.
في الرحلة رفقة »‬أوباما»، يواجه »‬بشاي» صعوبات كثيرة، مرة بالكوميديا وأخري بالألم والضعف كأي إنسان. نجده يُقاد عبثًا إلي حجز قسم شرطة ويُلقي به بجوار مسجون »‬متشدد» ينفر منه ومن شكله، وعندما يجمعهما الهرب يضطر المسيحي الأربعيني إلي أن يكذب ويقول إن اسمه »‬محمد» تفاديًا لأي تهور محتمل.
وفي المستوصف الطبي الفقير، الذي أخذ »‬أوباما» إليه ليعالجه، يواجَّه هناك بنظرات استهجان ونفور من المرضي والممرضات، ثم بعدوانية سيدة كانت تحمِّم بهيمة في النيل بينما تزعق غاضبة علي »‬بشاي» أن يخرج حتي لا »‬يلوث» المياه بمرضه، وبعدوانية الشحاذ العاجز عندما اضطر الرجل للتسول ليطعم »‬أوباما»، بعد أن ضاعت أمواله.
في مقابل كل هذا، يبدو»‬بشاي» طيبًا صادقًا متسامحًا مع الجميع. نجده في القطار بعد وفاة »‬حربي» يستمع بسلام إلي مديح رجل صعيدي للنبي محمد، أويساعد رجلًا علي الطريق ويأخذه معه علي الكارو، إنه شخصية تبدوغير ملوثة بأمراض المجتمع الذي ينفر منه لـ»‬تلوثه» بآثار مرض شلُفي منه.
أغنية الـ»‬4 m» تتغزل في البطل.. والعودة لمستعمرة الجذام بروح جديدة
بالتوازي مع القصة، يتمتع الفيلم بصورة جذابة لافتة، وهناك عدة مشاهد رائعة تشكل لوحات فنية، مثل مشهد »‬بشاي» وهويتفرج علي مركب في النيل تنبعث منها أغنية شعبية صاخبة، بينما يقف هوصامتًا وتمر المركب من أمام عينيه مثل »‬دودة من الضوء» تتهادي علي سطح الماء.
لدينا أيضا مشهد للرفيقين وهما يستريحان بين جذوع النخيل العالية، التي شكلت حولهما سياجًا يؤمِّنهما أويسجنهما، فيما تميل نخلتان علي يمين الصورة فوقهما، في لقطة قد تجسد حال »‬بشاي» و»‬أوباما».
علي مستوي آخر، هناك مشاهد بليغة فنيًا، أوصل بها المخرج أبوبكر شوقي ما يريد قوله بنعومة. في الطريق و»‬بشاي» علي الكارو يستحث حماره البطئ أن يسرع، يمر بجوار امرأة تبدوأنها من سيدة الأعمال. عربة السيدة متعطلة والسائق يغير الإطار، بينما هي تهاتف أحدًا علي الهاتف وتشكو تأخرها لدقائق،. نجد »‬بشاي» يتفرج في صمت بليغ، إذ أن مشوارًا كالذي بدأه منذ قليل تأخر لأكثر من ثلاثين سنة وليس لدقائق!
ثمة مشهدان رئيسيان في الفيلم بخلاف مشهد المواجهة مع الأب. في استراحة لهما علي جانب الطريق، يصنع »‬أوباما» لـ»‬بشاي» شيئًا بسيطا يغطي به وجهه أمام الناس، ثم يشغل »‬الووكمان» ويرقص فتتفجَّر الشاشة بالبهجة.
اختار أبوبكر شوقي أغنية »‬الولا إيه» لفرقة الـ»‬4 m» ذائعة الصيت في الثمانينيات، ليتغزل في بطله، وكأنه في الوقت الذي ينفر الجميع من »‬بشاي» نجد المخرج يمسح بحنان علي وجهه المشوه بآثار المرض: »‬الولا ده الولا ده.. الحلوده الحلوده.. الولا ده لما بيمشي.. الدنيا تقوم ولا تقعدشي.. الولا ده مرسوم رسمة.. وشفايفه دايمًا مبتسمة».
في المقابل، يبدوالفيلم في أضعف لحظاته عندما يقرر مخرجه أن يفصح عن رسالته بشكل »‬مباشر» وغير ضروري. يقول القزم الذي تعرّف عليه الرجل المجذوم في رحلته: »‬إحنا منبوذين يا بشاي، إحنا ضحايا أشكالنا»، بل إنه يواصل فيشرح اسم الفيلم بأن المساواة الحقيقية ستحقق يوم القيامة فقط.
كان بإمكان المخرج حذف هذا المشهد تمامًا، ليترك المشاهد يفهم بمفرده، وليفتح آفاقًا علي عنوان الفيلم الذي كان من الممكن أن يُفهم منه – لولا هذا المشهد- أن رحلة »‬بشاي» كانت حتمية لاقتناص هذه العدالة في الدنيا قبل الآخرة، لذلك فإن الفيلم قد يصدّر للمشاهدين إحساسًا سلبيًا بالتعامل مع هذا الواقع وعدم السعي لتغييره رغم رحلة بطله النبيلة.
هناك مآخذ أخري في بعض التفاصيل، مثل الحوار الذي لم يكن موفقًا في بعض المشاهد، وفي اللهجة القاهرية لكل الشخصيات حتي أهل »‬بشاي» الصعايدة، حتي لوكان هذا بغرض »‬تميميز» لهجة البطل.
علي مستوي الموسيقي التصويرية، فإنها ترافق الأحداث بشكل مناسب في الأغلب، رغم أن دخولها علي المشاهد يبدومفاجئًا بعض الشئ، لكنها رائعة وتتنوع للتعبير عن المواقف الكوميدية والدرامية الحزينة.
يصل »‬بشاي» إلي أهله أخيرًا، يقابل أخيه، ثم أبيه الذي يطلب من ابنه العائد أن يسامحه. ويتردد صوت الأب وهويعتذر لـ»‬بشاي» منفردًا بلا موسيقي تصويرية، بينما يستعرض المخرج في مشاهد مختلفة حياة الرجل الذي بدا أنه وجد الخلاص.
هل نتوقع أن يبقي »‬بشاي» وسط أهله بعد هذه الرحلة الطويلة؟ لا، إنه يعود من حيث أتي، إلي عالم المستعمرة، سعيدًا مداويًا جرحه الكبير، وأسرع مما جاء، وأيضا رفقة الطفل »‬أوباما»، كما لوأنها رحلة واحدة ومصير واحد للرجل القبطي الطيب والطفل المسلم المُفعم بالحيوية والأمل.
تبدوأهمية »‬يوم الدين» في أنه استثنائي من جوانب عديدة: القصة والممثلون وجرأة المخرج، وهذه الاستثنائية التي جلبت له الجوائز والحفاوة، تحمل بداخلها أيضا العيوب الفنية، لكن هذا لا يقلل من تميز العمل، ولا من الاتجاه الذي يمثله مخرجه الذي يبدوأن دخوله صناعة السينما الروائية خطوة مهمة، ليس له فقط، لكن للسينما نفسها.. وللإنسان عمومًا.