رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (77 ) سوف نسافر الآن..


محمود الورداني [email protected]
11/10/2018 2:06:19 PM

لم أكن أتوقع مطلقا شيئا كهذا، ولما كنتُ بعيدا في أقصي الصحراء، لم أعلم بأي إشارات حول بدء حركة اعتقالات أو ماشابه، إلي جانب أن نشاطي كان قد توقف تماما منذ قرابة العام ولم أعد أظهر في أي مكان، ثم أن قرار النقل إلي المنفي هم الذين أصدروه.. لكل ذلك كنت مفاجأ إلي أقصي حد، ولم أكن أعرف حدود الموضوع وسبب إلقاء القبض عليّ، وفي الوقت نفسه كنت خائفا طبعا أو مخضوضا، ولكن عليّ أن أظهر عكس ذلك، وكيف سوف تتصرف عائشة في مواجهة ذلك..
 كان العقيد عبد المجيد مفتش مباحث أمن الدولة رجلا دمثا ومهذبا، ولم يضع قيدا في يدي وكان يريد إنهاء شغله بسرعة وبلا ضجيج. اصطحبني في سيارة كانت واقفة أمام المديرية وأجلسني بجانبه. وصلنا بعد دقائق قليلة إلي مبني صغير من طابق واحد، شأنه شأن مبان حكومية عديدة في المنطقة.
  ومن هناك اصطحبني رائد يرتدي ملابسه المدنية إلي سيارة جيب قادها بنفسه ومعنا اثنان من المخبرين في السيارة. كان فظا وفرحا تقريبا بأنه وجد شغلا بعد بطالة طالت فيما يبدو. وكان يلتفت لي بين الحين والآخر يتفحصني ويمصمص شفتيه قائلا:» شيوعي.. هنا في الوادي شيوعي..!»‬ تجاهلته ولم أرد عليه. ثم سألني عن العنوان، فقلت لنفسي إنهم لايعرفون أي شئ!. تلك مسخرة حقيقية كدت انفجر ضاحكا، لكن هذا الرائد يبدو غبيا ولابد من تجنبه.
  اتجهت السيارة إلي البيت. وعندما وصلنا نحن الأربعة الذين ترجلنا من السيارة، طلب مني الرائد أن أفتح الباب بالمفتاح، واندفع إلي الداخل بفظاظة. بدا كأنه يبحث عن سبب للهياج، لكنه وجد أقل مايمكن من أسباب الحياة، وراح يعبث بالأوراق الموجودة، فوجد قسيمة الزواج مثلا فتركها، لكنه انقض علي بعض الرسائل المتبادلة بيننا أثناء ابتعاد كل منا عن الآخر قبل أن تلحق بي... وبعد تردد لملم كل الأوراق التي وجدها في طريقه مثل خطابات الشغل وأوراق أخري بها ملاحظات تخص الشغل أيضا، لكنني كنت قد قررت تجنبه ولم أعلق.
 واصل هياجه مندفعا إلي الحجرة الأخري الخالية إلا من الديك والأرنب، وهنا فقط شعرتُ بالقلق من المصير الذي ينتظرهما، ورحت أفكر في هذا الأمر، فأنا لا أعرف أيضا إلام سينتهي مصير عائشة.
  أنهي الرائد شُغله وخرج معي، فاستأذنته بأقصي مايمكن من اللطف أن أخبط علي هذا الباب وأشرت له عليه فقد كان ملاصقا لبابنا. قلت له أنني سأترك المفتاح عند جيراننا. وافق بهزة من رأسه، وفتحت لي جارتنا أم ليلي. ناولتها المفتاح وقلت لها بسرعة أن تأخذ الأرنب والديك. لم تكن تعرف أي شئ عما جري، لكنها كانت ذكية، واكتفت بأن نظرت للرائد ومخبريه، ونظرت لي بتعاطف وفهم، واستدرتُ بسرعة متجها مع الرائد إلي  السيارة.
  لم نتبادل الكلام أنا والرائد أثناء عودتنا، لكنني وجدت عائشة أيضا بالداخل. الحقيقة أنها كانت ثابتة وجدعة مما قضي تقريبا علي توتري . وجدنا العقيد هناك. ووجه الرجل كلامه لنا معا وقال مامعناه أنه مندهش جدا لأنه لم يشعر بوجودنا مطلقا، وأن أحدا لم يبلغه من القاهرة أننا عنده هنا في الوادي. كان يبدو مندهشا بالفعل بل وضرب كفا بكف وهو يتحدث مضيفا  إنه لم يشعر حتي بوجودنا.. وأنهي كلامه بما يشبه اللطف قائلا إننا سوف نسافر الآن.. ووجدتني أقاطعه ..نسافر؟ كنت أتصور حتي الآن أنني وحدي من  سٌيقبض عليّ.. واصل كلامه دون أن يعلّق علي مقاطعتي. سألته عن وجهتنا فقال إننا سنعرف عندما نصل..جري ذلك في الواقع وليس في إحدي روايات كافكا الذي كنت قد قرأته من قبل ووقعت في غرامه!
  أواصل الأسبوع القادم إذا امتد الأجل..