رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

»كفر ناحوم« لنادين لبكي .. عبوس الحياة


مشهد من الفيلم

مشهد من الفيلم

د. سميّة عزّام
12/14/2018 1:22:54 PM

بدأ عرض فيلم »كفر ناحوم»‬ في الصالات اللبنانيّة في أيلول 2018، بعد عودته من »‬مهرجان كان السينمائي» حائزًا جائزة لجنة التحكيم في دورته الحادية والسّبعين.والثابت أنّ الفيلم، كما حصد جوائز من عالم نخبويّ قد لا يعرف مدي اضطراب مناطق أخري لا يرتادها، حصدت مشاهده دموع المتفرّجين.

لبنان (10452 كلم2) بلد التناقضات الصّارخة بامتياز؛ حيث يتجاور الغني وتوسّط الحال والفقر والبؤس، ولا تفصل العائلات المنتمية إلي هذه الطبقات متفاوتة الدّخل سوي بضعة أزقّة أو شارع وحسب. عين السّائح لا تري غير ما هو باهر في المدن، وجميل في الحياة الرّيفيّة. إنّما من يريد أن يتعرّف إلي مدينة، فليسر علي قدميه متجوّلًا في أزقّتها، وفي خلفيّة مبانيها الفاخرة، أو فليكتفِ بعدسة مخرج بارع في التقاط المهمّش، وما يقبع في الزوايا والخفايا من صور يشيح  العابر بوجهه عنها، ويُعرض عن النظر إلي كلّ ما يوجد فيها من قبح.
ذكر أحد الروائيين الهنود أنّ »‬دلهي» منشطرة إلي مدينتين، إحداهما يقطنها الأثرياء، وأخري يجوبها البؤساء، وتفصل ما بين القسمين أكوام قمامة تشكّل جدارًا منيعًا يرمز إلي الطبقيّة الحادّة والمتجذّرة في النفوس. وفي لبنان، بلد »‬الهدايا بالعلب»، و»‬قطعة سما»، وبلد السياحات الطبيعيّة والطّبيّة والفكريّة والجنسيّة، غدت تلال النفايات المتجمّعة علي أطراف الأحياء في وقت ليس ببعيد عاملًا يجمع اللبنانيّين المنتمين إلي تيّارات سياسيّة متباينة ومذاهب دينيّة متعدّدة. في »‬كفرناحوم» لا تناول لقضية التمييز الطائفي، أو الصراع المذهبيّ- السياسيّ، بل طرح أسئلة تتجاوز المحلّي إلي العالمي، وتتخطّي زمكانيّة  الحدث الدرامي. إنّها »‬فوضي عارمة» بتوصيف مخرجة الفيلم نادين لبكي. و »‬الكاوس» من تجلّيات ما بعد الحداثة ومفاهيمها، حيث لا إجابات، بل محاولات وطرق إلي إجابات ممكنة عبر مشهديّة تلامس الروح.
القضيّة المحوريّة التي يصوّرها الفيلم هي قضيّة الأطفال مكتومي القيد؛ تتناسل منها إشكاليّات تسائل الضمير الإنسانيّ أمام الطفولة المتروكة، وزواج القاصرات، والشيخوخة المهملة، وبيئة السجون اللاإنسانيّة، وعمالة الأجانب.لو أردنا وصفًا آخر له، لوضعنا عنوان »‬الغياب» وسط الحضور المكثّف للأسئلة الضمنيّة، في اقتصاد كلام وثراء مشاهد معبّرة. تغيب ثنائيّة الممثل والإنسان؛ فشخصيّات الفيلم الرئيسة من المحرومين والمنسيّين والمشرّدين المنتمين إلي  الواقع المرجعي؛ إذ كيف يكون صدي الصرخة حين يغدو الطفل »‬زين» (زين الرافعي وهو لاجئ سوري في لبنان) الذي يشعر بأنّه مقذوف في هذا العالم، وموجود بمصادفة ليس إلّا، بغير أوراق قانونيّة تثبت وجوده، ممثّلًا، في دور محوريّ، يحكي قصته؟!
تقاطعت مصائر الشخصيّات، لتصبح المعين الوحيد بعضها لبعضها الآخر. لا صوت سوي صوت الفقراء »‬ملح الأرض»، أو ساعد إلا سواعدهم في محاولة يائسة لانتشالهم من مآزقهم، كأنّهم لا ينتمون إلّا إلي ذواتهم بعد أن طاردتهم الأمكنة. يُفتتح المشهد علي جلسة قضائيّة تظهر »‬زين» ابن الثانية عشرة يحاجج القاضي الذي استدعاه من سجن الأحداث لأنّه طعن »‬أسعد» زوج أخته »‬سحر» (11 عامًا) بسكين المطبخ، بعد علمه بموتها إثر تعرّضها لنزيف حادّ أثناء حملها. غير أنّه أجاب عن سبب حضوره إلي المحكمة بأنّه يريد أن يرفع دعوي علي والديه لأنهما أنجباه. إجابة صادمة من طفل في مثل سنّه لا تخلو من الافتعال، لكنّنا حين نعلم أنّ الشكوي المرفوعة جاءت بتحريض من محامية الدّفاع عنه، نستردّ شعورنا بتلقائيّة الحوارات. وبتقنيّة الفلاش باك تعود المشاهد إلي الحي الذي يقطنه »‬زين»، والمسكن الذي يتقاسمه مع إخوته وأخواته السبعة، وهو أكبرهم، ووالديه اللذين لا يجيدان سوي كيل الشتائم، وإنجاب المزيد من الأطفال. وسط غياب مظاهر العيش الكريم لهذه العائلة، والجهالة المطبقة، يظهر وعي طفل كبّرته القسوة؛ فيعطف علي شقيقته »‬سحر» التي تقزّمت أحلامها إلي كيس »‬أندومي» وحبات سوس يمنحها إيّاها »‬أسعد» الدكنجي يوميًّا. ويخشي »‬زين» عليها من أن يزوّجوها إليه حين اكتشف أنّها حاضت، فيملي عليها بعض الدروس لتخفي الأمر عن والديها، لكنّ الحيل لم تنفع، ويحدث ما كان حدس به. يغادر مدينته غاضبًا متشرّدًا، فيلتقي بالعاملة الأثيوبيّة »‬رحيل» التي تعطف عليه، وتؤويه معها في غرفة ضيّقة من صفيح، ليجد نفسه يعتني برضيعها »‬يوناس» الذي بسببه تخلّت عنها كفيلتها، ولم يعترف به والده »‬الناطور»، حارس المبني.وفي محاولة يائسة من الأثيوبيّة لتجديد أوراق عملها، تتولّد تمثيليّة داخل الفيلم، ترسم ابتسامة مرّة، بطلاها عجوزان: »‬صرصور مان»  وبائعة سكاكر، يعملان في مدينة الملاهي، حيث يدّعيان انتقال الكفالة من السيّدة إلي السّيد الأرمني الجذور؛ ذلك بمشورة »‬أسبرو» المزوّر والمهرّب والمتاجر بالبشر. تصل الأحداث إلي خواتيمها، حين تتوقّف »‬رحيل» قيد الترحيل، ويضطر »‬زين» إلي تسليم »‬يوناس» الذي بقي في رعايته إلي »‬أسبرو» مقابل خمسمائة دولار، تكاليف تهريبه إلي السويد مع لاجئين سوريين. إنّما حاجته إلي أوراق ثبوتية أعادته إلي حيّه ووالديه ليكتشف خبر موت أخته، فيطعن »‬أسعد» ويدخل »‬سجن رومية» محشورًا مع العشرات، فتلمحه »‬رحيل» مناديةً بصوت يستصرخ كل ما في الأرض من أمومة: »‬وين يوناس، شو عملت فيه؟».
 الغائب الأكبر هو العطف الأبوي، والحنان الأموميّ؛ وما تعرية »‬زين» لصدر تمثال عروسة الملاهي العملاقة، ليغدو مشرّعًا في وجه الأطفال إلّا دليل علي الفقد والحرمان. يحيل هذا المشهد إلي التماثيل الأموميّة التي تحرس المدن في العالم.ووفق مقولة »‬فاقد الشيء لا يعطيه»، نسمع محاجّة والد »‬زين» للقاضي بأنّه وُلد هكذا، »‬جينا هيك، وكل عمرنا عايشين هيك»، كأنّ الذلّ يورّث. الّلاهويّة بغياب أوراق ثبوتيّة، والعيش خارج إطار النظام المدني يجلّل المشاهد. هي حكاية أفراد في وجه العالم؛ حيث تذوب التناقضات، فنري الشخصيّات مذنبة وضحايا في آن، ولا تعدو طعنة »‬زين» لأسعد كونها »‬ولدنة» بعُرف الأم، وكما حرمها الله ابنتها، قد أعطاها فرصة إنجاب مولود آخر تضيفه إلي من تكدّس فيما يشبه المسكن. فهل للحكومة شأن في كل هذا؟ سؤال يطرحه الفيلم. يحضر الجهاز الأمني ليمسك بشبكة التهريب، ويعتقل »‬أسبرو»، ويعيد »‬يوناس» إلي »‬رحيل» المرحّلة إلي بلادها، ما يزيح الانقباض عن صدر المشاهد، وسط ذلك العبوس علي مدي ساعتين، لينغلق المشهد علي ابتسامة »‬زين»، العابس أبدًا، أمام عدسة كاميرا تلتقط له صورة لبطاقة هويّة تثبت انتماءه إلي مجتمع مدنيّ، إلي وطن.