رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

سامية جمال صنيعة الذئاب الكاسرة


محمد الحجيري
12/14/2018 1:26:57 PM

 لم »تحظ»‬ الراقصة سامية جمال بمقالة سعيدية (نسبة إلي إدوارد سعيد)، ولم تكن موضع اهتمام بارز من المثقفين والكتّاب، وإن وصف الروائي خيري شلبي رقصها بـ»‬أدب الرقص»(1). في المقابل كانت نجمة أغلفة المجلات بامتياز، خصوصاً مجلة »‬الكواكب»، وكُتب عنها مجموعة من الكتب، لكنها لم تكن في المستوي المراد، ودلفت عليها مجموعة ألقاب بعضها في محله وبعضها الآخر أشبه بمفرقعات لفظية. فمجلة »‬صباح الخير» عنونت »‬سامية جمال رقصها كان فلسفة»، والعبارة الهلامية مستلّة من مقابلة مع محمد طعيمة صاحب كتاب »‬عفريتة هانم»(2) عن سامية جمال، وحجة التوصيف بالفلسفة أنه »‬وجد في رقصها فلسفة بعيدة عن معاني الابتذال ووجد في ابتسامتها سر جمالها ونجاحها»(3)، ربما يكون معني الفلسفة لدي المؤلف مثل لقب عفريتة الشبحي والتراثي، وسامية أبعد من ذلك، فهي تجيد »‬رقص الخيول» وتلقب بـ»‬راقصة القصور» و»‬الفراشة» و»‬راقصة مصر الأولي»، و»‬حافية القدمين»، ومثلت في فيلم أجنبي فأصبحت »‬مرجانة هوليوود»(4)، لكنها بقيت حتي بعد وفاتها نجمة أغلفة مجلات بامتياز، ونجمة شائعات من الدرجة الأولي، مازال الجمهور منشغلاً بعلاقتها بالملك فاروق ورشدي أباظة وفريد الأطرش.
وحين أرادت الكاتبة ناهد صلاح أن تصدر كتابها “سامية جمال الفراشة”(5)، بررت مضمونه بأنها لم تهتم بطلاقة سامية جمال في الرقص أو حضورها علي شاشة السينما ولا التأويل من الأساس لـ”تكنيك” ما يخصها في الرقص أو الأثر الذي تركته في تاريخ الرقص أو التمثيل، فلا هي تحية كاريوكا الراقصة والمناضلة السياسية التي أغوت مفكراً مثل إدوارد سعيد ليكتب عنها كأسطورة من أساطير شبابه، ولا هي غريتا غاربو التي استفزت الفرنسي رولان بارت ليقدم مقاله “وجه غريتا غاربو”، ولم تمتلك حظ بريجيت باردو لتؤلف عنها الكاتبة الوجودية سيمون دي بوفوار كتاباً يستعرضها كظاهرة نفسية وعاطفية استحوذت علي المجتمع لأسباب اقتصادية واجتماعية. لكني توقفت عند صورة سامية جمال التي تنعكس في مرايا الحياة والفن وتبدو أنها متعددة الأبعاد يمكن النظر إليها من أي زاوية، فيما رأيتها تثبت علي بعد محوري واحد مسرف في غموضه ورمادية لونه؛ فخلف ابتسامتها العريضة التي تخرج من شفتيها الممتلئتين؛ يسكن اللغز وتتمدد خيوط النفس الحزينة”(6). وتعطي ناهد صلاح تفسيراً لشغف سامية جمال بفن الرقص الذي كان “أداة لتحدي ماضيها والتحرر من خوفها، والفرار من عالم جارح أراد معاقبة جسد فضَّل الخروج علي النص الذي كتبه المجتمع التقليدي”. وساعدها علي هذا التحرر كونها تحمل سمات امرأة غير نمطية، انسجمت تطلعاتها مع قدراتها النفسية. وتشير ناهد صلاح في كتابها “سامية جمال الفراشة” إلي طرافة تضارب التواريخ العديدة سامية جمال، بعض النقاد الفنيين أرجعوا ميلادها للعام 1921، فيما يخمنه البعض الآخر أنه عام 1924، لترجح سامية نفسها كفة الفريق الثاني، كأن من الطبيعي أن يحيط الغموض بكل ما يتعلق بهذه الفنانة التي عاشت في ظروف قاسية، حتي تاريخ مولدها.
ومن كان يراقب الفراشة في أيام عزها  في دور “الجنية” مع فريد الأطرش، و”الجارية” مع أنور وجدي. كان من يراها يظنّ أنها عاشت حياة عائلية مترفة، هادئة وأرستقراطية، نظراً إلي جسدها الطاغي والهادئ والساحر كالتنويم المغناطيسي. لكن خلف إغواء الرقص الشرقي وحركاته. كان ثمة الإنسانة المعذّبة صاحبة الروح التي تنتقم من العذاب بالجسد والرقص وحب الحياة.
عاشت سامية جمال (زينب خليل إبراهيم محفوظ) العذاب الأسري والاجتماعي قبل الرقص الشرقي والمجد والحب، وقبل أن يطلق عليها لقب “حافية القدمين” الذي اقتبس منه نزار قباني قصيدته الشهيرة التي غنّاها كاظم الساهر، وقبل أن يُطلق علي أدائها تسمية “رقص الخيول”، وقبل أن تكون معشوقة الملوك ونجوم الشاشة والجمهور. بدأت من نقطة الفقر المدقع، وهي روت في أكثر من حديث عن شعورها الدائم بالجوع، وانتمائها إلي عائلة مشرّدة، انفصل فيها الأب عن الأم وتزوج امرأة أخري، فلاقت سامية الذل علي يد زوجة أبيها، ما حدا بها إلي الهرب مرتين، وخصوصاً عندما حاولوا تزويجها بالقوّة. كانت زوجة أبيها تعاملها كخادمة، لكن كان يعوّضها ويسعدها الاستماع إلي الراديو من المقاهي المنتشرة في المكان.
انتقلت سامية من بيت والدها إلي بيت أختها فاطمة في السيدة زينب، وهناك تأثرت بإنشاد المداحين والصوفيين، وكانت حجرتها تطل علي قهوة بلدي، فصادف أن استمعت من مذياع المقهي إلي صوت فريد، وكان يغني "باحب من غير أمل وقلبي راضي وسعيد"، فأحبت الأغنية وعشقت الصوت من دون أن تراه، وكانت تلك اللحظة بداية لعلاقة مليئة بالأوهام والأحلام، علاقة هي في ذاتها سيناريو لفيلم لم يُكتب بعد.
كانت خطوات سامية الأولي مع فرقة بديعة مصابني، فأعطتها اسم سامية بدل زينب، وعملت راقصة وشاركت في التابلوهات الراقصة، وحين اختارتها بديعة لتؤدي رقصة منفردة في إحدي الحفلات تعثرت بسبب الكعب العالي فتعالت صيحات السكاري مستنكرة. تحكي سامية أنها كانت خائفة للغاية فجاءت الرقصة سيئة، ولم تستطع أن تتقدم خطوة واحدة علي المسرح للتأدية، لأنها، علي ما ذكرت، لم تر في الصالة سوي "ذئاب كاسرة" تلتهم نظراتهم جسدها، وتهمّ بافتراسها، فأعادتها بديعة إلي مكانها. لكنها لم تستسلم بل ألحّت علي بديعة لتمنحها فرصة أخري للرقص أمام الجمهور ولكن من دون مدرب رقص فوافقت بديعة. هكذا غادرها ارتباكها في الليلة الثانية فخلعت حذاءها ورقصت عارية القدمين، بكل جوارحها، مما حدا بجمهور الصالة إلي التصفيق طويلاً لها.
نجحت سامية واجتازت خطوتها الأولي لتكون نجمة بارزة في مصر والعالم العربي. شكلت مع تحية كاريوكا مدرستين مختلفتين في تعليم الرقص الشرقي وأدائه. وعلي رغم أن الاثنتين بدأتا في الفرقة نفسها، إلا أن كلاًّ منهما كان لها أسلوب مميز ومختلف في الرقص. كانت تحيّة تفضل الطابع القديم التقليدي للرقص الشرقي الذي أضافت إليه الكثير من التطوير. واشتهرت سامية جمال بالمزج بين الرقص الشرقي بزيّه وإحساسه والرقص الغربي ببعض حركاته، وضاعف براعتها في الرقص، جمالها الهادئ، وروحها المرحة، وأناقتها، هي التي كانت تحرص علي رشاقة جسدها. ثمّة من قال إن الراقصة البارعة هي التي تستطيع أن ترقص في متر مربّع فيسمّي أداؤها "رقصة الهوانم"، في حين أن "رقص الخيول" سمة أداء سامية جمال، إذ كانت تكتسح المسرح من أوله إلي آخره، كأنها تطير، وهذا ما تسميه تحية كاريوكا بـ"التفشيخ".
علي الشاشة
بعدما دخلت سامية جمال مجال الرقص والفن تطلعت نحو السينما، وكان أول فيلم ظهرت فيه هو الفيلم الأول في حياة فريد الأطرش وشقيقته أسمهان، "انتصار الشباب"، وفيه استعان مصمم الرقص إيدي فارس بسامية جمال لتكون ضمن مجموعة الراقصات في استعراض "ليالي الأنس في فيينا" وظلت سامية طوال فترة التصوير تطارد فريد لكنه كان يتهرب منها. فقد كان، علي ما يروي الصحفي حسين عثمان، يعيش قصة حب مع فتاة من عائلة أرستقراطية ومن اللواتي كان يطلق عليهن "بنات الذوات" وكانت تغار عليه. طلبت منه أن يتزوجها لكنه اعتذر، فجعلته يهجر معظم النساء اللواتي يطاردنه، ومن بينهن سامية جمال التي أخذت تتردد علي مكاتب شركات السينما لتحظي بدور في أي فيلم، ولكن لم يكن من نصيبها سوي بعض أدوار الكومبارس في أفلام "ممنوع الحب" مع محمد عبد الوهاب، و"مسرح الحياة"، و"رصاصة في القلب".
غادرت سامية جمال الكومبارس للمرة الأولي لتؤدي رقصة منفردة، فبدأت علاقتها بفريد في إحدي السهرات حين اختلف مع عشيقته بسببها وبسبب الغيرة، وكانت السهرة تلك نقطة بداية العلاقة بينهما. بدأت دعوات فريد التي يوجهها لسامية جمال لتناول الغداء إلي مائدته تتكرر كل يوم. وثمة رواية أخري تقول كان اللقاء الأول بين فريد وسامية في كازينو بديعة حيث جلست تتأمل صورته المنشورة في إحدي المجلات وكان يجلس معها الموسيقي أحمد الشريف وابنه الذي وجدها تطيل النظر في إحدي الصور فسألها: "صورة مين دي؟ لأه مش حقولّك. وإذا بيد توضع علي كتفها وشخص يقول: "أنا أقولك... دي تبقي صورتي أنا!". في ذلك اللقاء كما روت هي بنفسها للصحفي محمد السيد شوشة في كتاب أصدره عن قصة حياتها بعنوان "سامية جمال الراقصة الحافية"، قالت إن فريد غازلها وأبدي إعجابه بها وأعطاها رقم هاتفه. وحين اتصلت به وإذا به يجيب ويقول إنه غير موجود مما اضطرها لأن تطارده حتي رد عليها وتوطدت الأواصر بينهما، هي التي كان غاية مناها أن تري فريد لمجرد الرؤية عندما كانت في قريتها.
 علي أن التعاون الفني بينهما بدأ عام 1946 في تكوين شركة لإنتاج الأفلام فأسند إليها دوراً في باكورة أعماله "حبيب العمر"، فصعد نجم فريد بأغانيه ونجحت سامية في الرقص، الأمر الذي دفع المطرب إلي إنتاج مزيد من الأفلام التي تشاركه هي بطولتها وكانت كلها أفلاماً استعراضية غنائية مثل "أحبك إنت"، و"عفريتة هانم"، و"ما تقولش لحد"، و"آخر كدبة" حتي كان آخر أفلامهما معاً "تعالي سلم" 1950. وبات لسامية جمهورها العريض، وفي هذا الإطار تروي وندي بونافنتورا(7) أنه حين أشرف أحد الملاهي الليلية في القاهرة علي الإفلاس، قرر صاحبه أن تظهر سامية جمال في علبته الليليّة كفنانة ضيفة ليلة الاثنين. وهي الليلة الهادئة تقليدياً. وفي تلك الليلة أمّ الملهي "طوفان" من الزبائن الكبار والصغار. ومنذ ذلك الحين أصبحت كل ليلة اثنين موعداً ثابتاً وحيزاً متعاظم التفاعل. ولمّا راحت العلبة الليلية تعج بالحاضرين صرّح المالك بأنّه يفكر في غلقها باقي أيام الأسبوع. وقد غزت الراقصات الأفلام المصرية لأسباب كثيرة، منها ارتفاع عدد المشاهدين المراهقين والشيوخ والشبّان الذين وجدوا في الراقصات نوعاً من التعويض الوجداني والحسّي عن كبت مقيم وفرصة للبصبصة. فكانت هذه سمة من السمات الباعثة علي الربح الوافر والآخذ في الاتساع والانتشار. هذا إلي جانب شهرة الملاهي بالراقصات، التي أصبحت حيزاً لتدافع عدد غير قليل من نساء الأحياء الشعبية إلي العمل راقصات، وخصوصاً الجميلات منهن واللواتي يتمتعن بمواهب ومفاتن قادرة علي كسب رضا الناظرين المتلهفين، وذلك من خلال التمثيل وأداء الحركات المثيرة في المرابع والكباريهات. ولا شك أن سامية جمال من أبرز الراقصات الشرقيات اللاتي تمتعن بجسد مثالي وساقين جميلتين ممشوقتين حرصت علي إبراز جمالهما مع كل إطلالة جديدة لها، مما جعلها ترفع شعار "هما وحشين علشان أداريهم". آمنت سامية بأن الرقص علم ينبغي أن تدرسه علي قواعده وأصوله، فاستعانت بمدرب الرقص في الفرقة ومصمم الرقصات إيزاك ديكسون، كذلك تعلمت رقص الصالونات مثل السامبا، الرومبا، الروك أندرول، الشارلستون، التانجو، والفالس، غير أنها لم تقتنع بهذا كله، وأرادت الاتجاه إلي رقص الباليه، فدرست هذا الفن علي يد المدرّبة الأجنبيّة سونيا إيفانونا ومن ثم عادت إلي الرقص كراقصة أولي، تبهر الجمهور برقصاتها الشرقية والغربية، وأصبحت بعد ذلك راقصة متمكنة من فنها الشرقي والغربي، وتؤدي الرقص البلدي والفرعوني والهندي. كانت أول راقصة شرقية ترقص في أميريكا، هي التي أعطت الرقص مذاقاً جديداً ودمجته بالرقص الغربي الأوروبي. أصبحت سامية جمال "الراقصة الأولي"، فبهرت الجمهور برقصة "النار" التي كانت تؤديها مرتدية بذلة حمراء في خطوات سريعة وهي تضرب بالدف، في وسط ديكور تندلع منه ألسنة النيران.  
كانت سامية جمال تعتبر الثوب جزءاً من الأداء الراقص من دون أن تربط ذلك بشرط أن يكون ثوباً عارياً. واعتبرت علي الدوام ولية عهد تحية كاريوكا، وأول راقصة شرقية كبيرة تلفت اهتمام الأوساط الغربية، منذ اكتشف الغرب أفلامها الأولي التي ظهرت فيها راقصة، وكان معظمها من بطولة فريد الأطرش. وشاركت في دور “مرجانة” في الفيلم  الفرنسي “علي بابا والأربعين حرامي” للمخرج جاك بيكر مع الممثل الفرنسي فرنانديل، وظهرت علي غلاف مجلة noir et blanc الفرنسية، في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1950، وكتب علي غلاف المجلة، سامية جمال أجمل راقصة شرقية تستمتع برحلتها في فرنسا.
وكانت »‬هَلوَدة»(نسبة إلي هوليوود) الرقص الشّرْقيّ مسئولة عن تغيير مهم في شكل الرقص في مصر. خصوصاً في مجال زي الراقصات، فالملابس الأساس التي ترتديها الراقصات في المهرجانات العالمية كانت صدرة فوق تنورة طويلة، لم يكن المشهد غريباً بما يكفي، لذا أضافت عروض الكباريه الخرز والترترة والبرق والطرحة لإشباع فانتازيا غريبة عن روعة الشّرْقيّين وانحطاطهم. ثمة جدل أُثير حول الكيفية التي جيء فيها بزي القطعتين حمالة الصدر الخرزية والتنورة الطويلة مع فتحة علي الجانبين. تقول ويندي بونافنتورا إن هذا الزي طور في الكباريهات الغربية ومن ثم جُلب إلي مصر عبر الأفلام الأميريكية التي مارست نفوذاً كبيراً في السينما المصرية، ومن ثم رشح هذا الزي ليسكن الجماهير التي تبنّته واستخدّمته. لكن الكاتبة سارة غرهم – براون تعتقد أن الزي جاء من أزياء رقص هندية جلبها البريطانيون إلي مصر وشقت طريقها بعد ذلك إلي الغرب. في أي من الحالتين، ما تشترك به الروايتان هو جدال يتصل بحمالة الصدر والتنورة اللتين أعدتا كزي للراقصات في مصر تطور عبر الحوارات الثقافية العابرة للأمم الحدود التي دارت في بعض الأحيان بين نهاية القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين.  
 بين الملك والأمير
علي أن اللافت في سيرة سامية جمال ليس رقصها فحسب، بل وقوعها في علاقات حب محورية، تجلّت شهرتها في علاقتها مع فريد الأطرش، الأمير الآتي من منطقة السويداء السورية، وقصتها مع الملك فاروق حاكم مصر في مرحلة ما قبل الناصرية، وزواجها من الدون جوان رشدي أباظة. بين هذه الأسماء، أحياناً ضاع جوهر الرقص الشرقي لمصلحة الشائعات والحكايات. في هذا الإطار، تذكر سهير حلمي في كتابها “فاروق ظالماً ومظلوماً”، قائمة طويلة بنساء أطلقت عليهن تسمية “نساء فاروق” من بينهن: الأميرة مهوش طوسون، فاطمة طوسون، ليليان كوهين، الممثلة كاميليا، الراقصة سامية جمال، الأميرة باتريشيا، المغنية الفرنسية آني بيريه، ناهد رشاد، ميمي ميدرت، وهيلين موصيري زوجة ولي عهد إحدي الدول الأوروبية. من بين هذه الأسماء تبدو سامية جمال الأكثر شهرة والتباساً في علاقتها بالملك، فهي التي نفت هذه العلاقة خلال مقابلة تلفزيونية، لكن معظم الكتب تصر علي تأكيدها، تحلف سامية جمال “علي المصحف” في حوار لأنيس منصور أنها لم يكن لها علاقة بالملك، لكن الصفحات التالية من كتاب ناهد تحمل قصة أزمة سياسية بين حكومة الوفد، والقصر، بسبب إصرار فاروق علي سفر سامية إلي دوفيل، لكن حكومة الوفد رفضت، ونصح البعض سامية أن تلجأ إلي مجلس الدولة تطالب فيه بإلغاء قرار وزير الداخلية محمد فؤاد سراج الدين بمنع الراقصات من السفر، سامية نفسها كانت تفتخر بأن اسمها يأتي في ألقاب الملك فاروق، وأنه كان ملك مصر والسودان، وسامية جمال.
يقال إن الملك فاروق لم يكن يحب سامية، بل لم يكن حتي يستلطفها وكان يطلق عليها أمام حاشيته اسم “سمجة جمال”، لكن الغيرة التي اشتهر بها تجاه الجميلات جعلته يختارها لتكون الراقصة الرسمية للقصر الملكي، لا لشيء إلا لمجرد الشعور بالانتصار علي فريد الأطرش! هذا جانب من الحكاية أو المسلسل الذي لا ينتهي ويشبه في جوهره قصص “ألف ليلة وليلة”. ذات مرة سألت الكاتبة إيريس نظمي فريد الأطرش: هل أحببت سامية جمال؟ فأجاب: نعم. تابعت: ولماذا لم تتزوجها؟ فردّ: كنت أغار عليها من الملك! هو صراع الملك والأمير مطرب الوحشة الأرستقراطي، علي الراقصة “الفلاحة” الآتية من الشقاء.
  لماذا لم يتزوجا؟
وثمة سؤال دائم في الوسط الفني: لماذا لم يتزوج فريد سامية؟ كانت سامية مسيطرة علي الصحافة الفنية في نهايات الأربعينيات وخصوصاً أن كل الظواهر كانت تؤكد أنهما لا يفترقان البتة، حتي إن فريد الأطرش سافر في أواخر العام 1949 في جولة فنية لشمال أفريقيا واصطحب معه سامية، وبعد عودتهما كتب أحد الصحافيين مقالاً جاء فيه أن فريد الأطرش رفض الزواج من سامية لأنه سليل عائلة كبيرة في جبل الدروز. بكت سامية يوم نشر هذا الكلام، وتقول “الشائعات” إن قلبها كان يميل نحو فريد الأطرش الذي أحبها ورفض أن يتزوجها، وبعدما يئست منه أرادت أن تنسي هذا الحب فتزوجت من مليونير أميريكي اصطحبها معه إلي بلده أميركا، حيث عاشت عامين ونصف العام، ثم عادت إلي مصر بعد حصولها علي الطلاق. عند رجوعها إلي مصر، كانت “ثورة يوليو” وقد سألتها مجلة “الكواكب” عن حقيقة علاقتها بالملك فاروق فأجابت: “سامحهم الله أولئك الذين يغرمون باختراع الروايات. كل ما في الأمر أنني رقصت مرة في قصر عابدين كأية فنانة تدعي إلي حفلات القصر، ويكفي أن تعلم كي تدرك مدي سعة خيال الناس أنني لم أسترع انتباه الملك في رقصتي. حتي إنني لم ألحظ أنه صفق لي ولو من باب التحية والتشجيع. لقد علمتني الحياة الواقعية في أميريكا ألا أعبأ إلا بالحقائق. ولم يكن أمامي وقت لأمضيه في الرد والتكذيب، فاكتفيت بأن أقول سامح الله الجميع”. لسامية أيضا قصتها الطويلة مع الدون جوان رشدي أباظة وقد تزوجت منه في أواخر الخمسينيات.
 أدب الرقص
من بين القلّة التي كتبت شعراً في سامية جمال، الشاعر المصري إبراهيم ناجي الذي عاش حياته باحثاً عن المرأة الملهمة التي تُخرج ما في داخله من قصائد، وكانت أبواب قلبه مفتوحة لملهماته ليلاً نهاراً. وقد تعرف إلي سامية جمال التي طلبت منه أن يصفها فصاغ قصيدته “بالله ما لي وما لك”، يقول فيها:
يا من تمنيت شعراً/ يكون كفء جمالك
وليس في الكون شعر/ أراه كفئاً لذلك
عفو القوافي وعذراً/ إن قصرت في سؤالك
حاولت وصفك لما/ رأيت نور هلالك
فحررت ما قلت شيئاً/ يليق باستقبالك
يا فتنة فوق ظني/ بالله ما لي وما لك”.
والروائي الراحل خيري شلبي يري أن رقص سامية جمال نوع من الأدب، أو ما يسميه “أدب الرقص”. إذ إن رقصاتها: “ليست مجموعة حركات إيقاعية تحفظها وتؤديها، بل إن الراقصة هنا ـ سامية جمال ضد كل ما هو محفوظ من الحركات، لأنها ليست كالمطرب الذي يغني بصوت مستعار، كما أنها لا تعتمد فتنة الجسد، بل إن الجسد نفسه قد لا يكون فاتنا في ذاته، إنما هي تعتمد علي الإبداع الصرف”. فالجسد هو الذي يتكلم في صوت ليقول كل شيء”، و”هو نوع من أدب الرقص لأنه بعيد تماماً عن الابتذال، وليس ثمة من حركة واحدة تستهدف الإثارة الجنسية علي هذا النحو الفج الذي نراه عند معظم راقصاتنا الحاليات”... فقد انحدر الرقص الشرقي بداية من سبعينيات القرن العشرين، ومالت اللواتي سُمين “راقصات” إلي أداء جنسي، نسيت راقصات الجنس اليد والكتف. نسين القدم أيضاً، ليركزن علي الفخذ المكشوفة والبطون المكشوفة والنهود الرجاجة، وصولا إلي استعمال الملابس الفاضحة، “نسيت مدّعيات الرقص القدم، وهي التي كانت بداية سامية جمال” بحسب الكاتب أحمد مغربي.
(1) خيري شلبي، “بورتريهات” دار العين.
(2) محمد إبراهيم طعيمة، عفريتة هانم، دار جزيرة الورد.
(3) مي الوزير، سامية جمال رقصة كان فلسفة، مجلة صباح الخير 24 مارس/ آذار 2015.
(4) أحمد مغربي، مرجانة هوليوود الحافية، السفير 18/ 4/ 2014.
(5)ناهد صلاح، “سامية جمال فراشة”، دار مصر العربية للنشر.
(6)مقدمة كتاب “سامية جمالة فراشة” لناهد صلاح، دار مصر العربية للنشر.
(7)ويندي بونافنتورا، المرأة الجوهر، مجلة أبواب 1995.