رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

في سيرة العلامة حسين نصار «التحدث بنعمة الله»

العتبات النصية وبناء الدلالة


د.سامي سليمان أحمد
2/2/2019 11:47:53 AM

تنتمي سيرة »التحدث بنعمة الله: سيرة علمية»‬(2017) للعلامة الراحل حسين نصار (1925-2017)إلي نمط السيرة العلمية وهو نمط من السير الذاتية الحديثة والمعاصرة لكنه ذو صلة راسخة بأنماط من السير الغيرية والذاتية في التراث العربي الوسيط، كما أن هذا النمط خاصةً يتقاطع بقوة مع نمط آخر من أنماط السيرة الذاتية الحديثة وهو نمط السيرة الفكرية. ويمكن لنا قراءة هذا النص من منظور العتبات النصية المختلفة وأدوارها في بناء دلالة متن هذه السيرة؛ إذ يمكن للقارئ ملاحظة تنوع العتبات النصية المتجلية في هذه السيرة وكونها ذات أدوار متنوعة في بناء الدلالات التي سعي العلامة بتقديم سيرته إلي ترسيخها في وجدان المتلقي وعقله.      

(1) العتبات النصية
للقارئ أن يستنبط – بدايةً – بروز نوعين أساسيين من العتبات النصية في »‬التحدث بنعمة الله: سيرة علمية»؛ فثمة عتبات كبري تؤدي أدوارا محورية في صناعة الدلالات الرئيسية والثانوية التي تصنعها وقائع هذه السيرة، علي حين أن ثمة مجموعة أخري من العتبات النصية التي يمكن وصفها بأنها عتبات صغري تقوم بأدوار صغري أو جزئية في بناء الدلالة في هذه السيرة، لكن تلك العتبات الصغري ليس بإمكانها أن تكون فاعلة ومؤثرة إلا من منظور جدلها مع العتبات الكبري.
ويعد العنوان »‬التحدث بنعمة الله: سيرة علمية» عتبة من العتبات الكبري في هذه السيرة وذلك لما يؤديه من وظائف متنوعة سواء في علاقته بمتن السيرة  أو في علاقته ببعض النصوص الأخري التي تتناص معها تلك السيرة؛ فهذا العنوان يعد في ظاهره نوعا من الإحالة علي سيرة جلال الدين السيوطي(849-911ه/1444-1505م) العالم الموسوعي المصري صاحب مجموعة من الإسهامات المعروفة في مجموعة من العلوم والمجالات في الثقافة العربية الإسلامية لاسيما في مرحلتها المتأخرة. ويلتقي العلامة حسين نصار به في الانتماء إلي مصر، والسيوطي هو مدفون في أسيوط ويُنسب إليها في اللقب علي الرغم من أنه لم يكن من أبنائها، أما حسين نصار فهو أحد أبناء أسيوط وُلد بها وظل مع أسرته بها إلي أن انتقل إلي القاهرة للدراسة بجامعة فؤاد الأول. كما أن سمة الموسوعية في الإنتاج العلمي سمة مشتركة بين العلامة حسين نصار والعالم جلال الدين السيوطي. ولعل الحس النقدي البارز في عرض العلامة  لعدد من الأشخاص والوقائع يشير إلي تحقق وجه آخر من وجوه العلاقة بسيرة السيوطي؛ وهو وجه الافتراق عن سيرة السيوطي.
     وتعد عبارة »‬سيرة علمية» العنوان الفرعي عتبة كبري من حيث شمول آثارها في متن السيرة؛ فهذه العتبة هي التي تحدد الجانب الذي يركز عليه صاحب السيرة وهو مسيرته في العلم. وإذا كانت هذه العتبة تصل متن العلامة بباب من أبرز أبواب السيرة الغيرية، وأحيانا الذاتية، في التراث العربي حيث تقدم كتبُ الطبقات في مختلف العلوم والمجالات في الحضارة العربية الإسلامية سيرا موجزة للعاملين في هذا العلم أو ميدانه، فإن هذه العتبة تحيل إلي منحي حسين نصار في كتابة سيرته الذاتية؛ فقد سبق له أن قدم سيرته الذاتية المختزلة في صيغة السيرة العلمية أيضا؛ وذلك في مجلة الهلال(عدد مايو، 1999)، حيث ركز حديثه فيها علي العلاقة بالكتاب وتأثيره في حياته بوصفه كاتبا. وتكشف هاتان السيرتان عن نزوع العلامة حسين نصار إلي تقليص العناصر الذاتية أو الفردية أو الشخصية في سيرته وكذا تحجيم الحديث عن الجوانب العائلية أو الأسرية والاكتفاء بالحدود الدنيا وبالغة الإيجاز منها لتظل سيرته إبانةً عن عناصر من تكوينه العلمي وبيانا لعدد من إسهاماته العلمية والثقافية التي يراها قادرةً علي نقل  خبراته للأجيال التالية له، وجديرة للكشف عن خصوصية عمله العلمي ونشاطه الثقافي. ويشعر قارئ سيرة العلامة بكون وضعيتها في إطار نمط السيرة العلمية وضعية دقيقة لكون عديد من العتبات وما ارتبط بها من دلالات كانت وسائل معينة علي تحقيق هوية مفهوم السيرة العلمية.  
وتبدو المقدمة واحدة من العتبات الكبري التي تتألف من عدد من العتبات الصغري. وسُبقت المقدمة بصفحة شبه بيضاء لم تتضمن سوي الآية الكريمة  (وأمَّا بنعمة ربِّك فحدِّثْ)(سورة الضحي/الآية 11). وإذا كانت هذه الآية تحمل بقوة دلالةَ النظر إلي الحديث عن نعم الله علي الفرد بوصفه- ذلك الحديث- تحديثا يكشف، من جانب، عن شعور صاحب السيرة – الذي هو صاحب الوقائع وراويها ومُمْليها في آن- بكونه مَدينا لخالقه بما أفاءه عليه من نعم، ولذا فتحديثه القراء أو المتلقين بها إن هو إلا نوع من شكر الله علي نعمائه. ومن جانب آخر يبتغي صاحب السيرة وراويها أن يجعل من تحديثه ذاك وسيلةً لتعليم القراء وبثِّ عدد من القيم الأخلاقية في نفوسهم.
وتتبدي المقدمة - بوصفها عتبة كبري- قائمة علي عدد ملحوظ من العتبات التي توجِّه القارئَ نحو بعض الجوانب ذات الدلالات »‬الخاصة» التي يود صاحب السيرة لفتَ انتباه المتلقي لها أو يتوخي إبرازها لذلك المتلقي، وهي جوانب أو دلالات كثيرة، منها: النعمة الكبري والنعمة الصغري؛ فصاحب السيرة يبين معني النعمة في بيئة الصعيد التي وُلد بها كما عاش بها فترة حياته الأولي حتي التحاقه بالجامعة، وتحيل تلك الدلالة إلي سياقها الاجتماعي الخاص. ويتلو صاحب السيرة ذلك ببيان بالغ الإيجاز للنعم الكبري التي حباه الله بها، ومنها: طموح أبيه مما مكَّن للعلامة من مواصلة مسيرة تعليمه، وعزمه علي الالتحاق بكلية الطب لكنه اضطر للالتحاق بكلية الآداب، واختيار أحد أساتذته له للعمل- بعد تخرجه- بالإذاعة المصرية، واختياره – بعد ذلك بفترة طويلة- للعمل عدة سنوات بأكاديمية الفنون. وأما النعم الفرعية فيري أنها لا تُحصي وذلك ما صعَّب عليه تتبُّعَها.
ولعل من العلامات الرئيسية المرتبطة بالعتبات في السيرة الذاتية علي اختلاف أنماطها ولاسيما نمطي السيرة العلمية والسيرة الفكرية هو ذلك الحضور البارز للقارئ أو المتلقي؛ إذ لا تكاد صورتُه تغيب عن ذهن صاحب السيرة وراويها في غالبية اللحظات التي يقوم فيها – ذلك الراوي- بسرد وقائع حياته أو بعضها. ويتبدي هذا الحضور منذ مقدمة السيرة إذ يحرص العلَّامة- بعد بيانه بعضَ النعم الكبري وإشارته إلي صعوبة إحصاء النعم الفردية التي حظِي بها- علي أن يقرر: (لا يعني ذلك أنني لم أحقق أشياء كنتُ أتمناها، ولكني أعني أنني لم أُحبَط للفشل، وأنني وجدتُ اللهَ – جل وعلا- حَبَاني نعمًا تفوق ما ضاع منِّي، وإنني أنصحُ بالعمل بدلَ الإحباط، وبالتفاؤل والعزم والإصرار)(ص8) . وسواء في مقدمة السيرة أو في متنها الرئيسي كان حرص صاحب السيرة علي استحضار ذلك القارئ أو المروي إليه دالا علي قوة حضوره في وعي صاحب السيرة الذي عمِل علي توجيه ذلك القارئ سواء بطرق مباشرة أو بطرق غير مباشرة.
وتتضمن المقدمة – بوصفها عتبة كبري- عدة عتبات صغري، وهي: تقديم صاحب السيرة صورتَه من منظوره الشخصي ملِّخصا إياها في تسع نقاط موجزة منها وصفهُ نفسه بأنه محبٌّ للبشر كافة، مصريُّ الحب عربيُّ النزعة، محبٌّ للعدل وحريصٌ علي تكافؤ الفرص، ذو عقل علمي لم يتخل عنه البتة، هادئ الطبع يميل للصمت وأقرب إلي الانطواء (ص – ص 8-9). وتؤدي تلك العتبة أكثر من وظيفة؛ منها أنها تتيح للقارئ تمثلَ شخصية صاحب السيرة كما حددها هو نفسه ليكتشف – ذلك القارئُ- من مجموعة من المواقف الكاشفة التي قدمها العلامة الأبعادَ الذاتية فيه بوصفه  صاحب السيرة ومحورها ومُمليها في آن. وعلي الرغم من كون تلك المواقف قليلة في سيرة حسين نصار؛ فإن هذا الوضع لا ينفي إمكانية أن تكون صورة صاحب السيرة كما صاغها هو وسيلة تمكِّن القارئ من مقارنة تلك الصورة بما تكشف عنه السيرة ذاتها. كما أن القراء الذين اتصلوا بالعلامة أو تتلمذوا عليه في قاعات الدرس سيكون بإمكانهم مقارنةُ تلك الصورة الموجزة بما عرفوه من حقيقة ذلك العلامة.
ولعل أكثر العتبات أهميةً في هذه المقدمة، وهي عتبة تقدم صيغة ميثاق السيرة الذاتية كما رآها صاحب هذه السيرة. وقد جاء ذلك الميثاق في صيغة »‬أعاهد الأصدقاءَ أن أكون»، وهي صيغة تكشف عن إدراك صاحب السيرة الأبعاد الأخلاقية التي تنتج عن سرده سيرته الذاتية؛ حتي وإن فضَّل أن تكون سيرة علمية. كما تكشف هذا الصيغة
أيضا عن استحضار صاحب السيرة صورة أصدقائه- وهذا ما ينطبق أيضا علي القراء الضمنيين- وهو يُملي سيرته استشعارا منه لمسئوليته الأخلاقية. ولهذا جاءت صيغته تعاهدًا علي أن يكون (1- صريحا كل الصراحة فيما رأيتُ بعيني رأسي من وقائع. 2- صادقا- ما استطعتُ من الصدق- في كل ما أرويه سماعا عن غيري. 3- حريصا في رواية ما خرجتُ به من دلالات الوقائع التي شاهدتُها أو سمعتُ بها، ومع ذلك فهي استدلالات شخصية فردية لا أطالب أيَّ قارئ أن يوافقني عليها، وإن كنتُ أرجو ذلك. بل أرجو ألا يصحَّ ما ورد فيه وفيه أذي لبعض الزملاء، بل الأصدقاء؛ لأنني علي يقين أن بعض ما يرويه الطالبات – خاصةً- يشوبُه الشكُّ السريع والتوهُّم الواسع الذي يؤوِّل كلَّ حركةٍ بل كلَّ إشارة.  4- لا أدعي أنني دوَّنتُ كلَّ شيءٍ، فمن الوقائع ما لا يصحُّ كشفُه أو لا يمكن كشفُه.   5- لا أدعي – أيضا- أن ذاكرتي مازالت تذكرُ كلَّ شيءٍ وأن وقائع كثيرة لم تسقط منها، وخاصةً الأسماء)(ص- ص 9-10). وبهذا حدد العلامة ميثاقَ سرده سيرته الذاتية العلمية ليبين لقارئه طبائع الشروط التي ألزم نفسَه بها في سرده، كما يتيح لذلك القارئ الضمني أن ينشئ أفق توقعه القبلي – عند تلقيه تلك السيرة- وفق تلك الشروط أو المحِّددات التي تعد – بالنسبة لصاحب السيرة وراويها- مقومات أساسية في اختياره الوقائع وفي تحديده الإطار التي سيقدمها من خلاله وفي بيانه منظوره الخاص إليها. كما تعد تلك الشروط – بالنسبة للقارئ- أطرا عامة توجِّه أفق توقعاته.
وثمة عتبة أخري صغري  من عتبات المقدمة كانت حديث صاحب السيرة الموجز في فقرتين قصيرتين؛ حملت الأولي عنوان »‬رفض مشاركات»، وحملت الثانية عنوان »‬قبول مراجعات»؛ وفي الأولي بيان موجز بثلاث مرات عرض عليه بعضُ الأعلام البارزين مشاركتهم إياه في عمل علمي كان يقوم به، ولكنه رفض ذلك. وفي الثانية بيانٌ لقبوله مراجعة الجزأين اللذين حقَّقهما من »‬تاج العروس». وتشي تلك العتبة الأخيرة بخضوع المقدمة – بوصفها عتبة كبري- لمنطق السيرة العلمية؛ فآخر الوقائع التي عرضها بإيجاز صاحب السيرة كانت تتصل بجانب من نشاطه العملي.                        
وثمة عتبة صغري أخري تتمثل في صفحة تحمل عنوان »‬شكر» خصصها صاحب السيرة لشكر مَنْ عاونوه في تدوين سيرته وهم سبعة؛ ثلاثة من الصحافيين وأربعة من تلامذته في تحقيق المخطوطات..وفي صيغة الشكر يشير صاحب السيرة إلي أن هؤلاء ذو الفضل (في تدوين هذا الكتاب)؛ بما يؤكد للقارئ كون هذه السيرة قد رواها صاحبها علي حين تكفل هؤلاء السبعة – أو ربما بعضهم- بتسجيلها كتابيا ليكونوا مسئولين عن التدوين والمراجعة وتحقيق بعض الجوانب التي كانت مثارا لأسئلة منهم إلي صاحب السيرة دون أن تبدو تلك الأسئلة في متن السيرة.
ويعد الإملاء والتدوين علامة رئيسية يمكن رؤيتها بوصفها عتبة؛ فلم يكتب العلامة سيرته بقلمه ولكنه أملاها علي عدد من تلاميذه، ولعل هذا ما يفسر للقارئ هذه السيرة ظاهرتين، وهما: تقديم السيرة في قالب الفصول والفقرات المعنونة. وهذا القالب كان ملائما – فيما نري- لمسألة التدوين لأن الكتابة تتيح الاسترسال في الحكي لاسيما حين تنثال علي وعي الكاتب مجموعةٌ من الحوادث والأشخاص ذات الصلة أو حين تسيطر عليه مشاعرُ أو أحاسيس معينة تؤدي إلي تدفق تيار الذكريات. والظاهرة الثانية كون الإملاء هنا راجع إلي التقدم الشديد في العمر ووهن القدرة علي الكتابة؛ مما جعل من الإملاء وسيلة لتقييد حركة استعادة الذكريات.
وثمة عتبة جزئية ساقها صاحب السيرة تحت عنوان »‬كلمة ختامية» وهي عتبة تجمع في وظائفها بين وظيفتين رئيسيتين وهما: شهادة صاحب السيرة عن نفسه؛ فحين وصل إلي اللحظة الأخيرة في سرده أدرك أنه يحتاج إلي تقديم شهادة موجزة عن نفسه. وأما الوظيفة الثانية فهي التوجه إلي القارئ الضمني أو المفترض ليبرر له صاحبُ السيرة بإيجاز كون بعض الجوانب التي قرأها قد تجعله يري بعض الشخصيات المشهورة أو المعروفة لديه قد عرض لها صاحبُ السيرة بعض المواقف أو اللقطات التي تُظهرها في صورة مختلفة. ولهذا تحمل صيغة الكلمة الختامية النص الآتي: (أظن أن الوقت قد حان لأقول: - الحمد لله الذي مكَّنني من كتابة ما كتبتُ، وقدَّر لي من الأعوان ما لم يخطر ببالي، ولولاهم ما وُجد هذا الكتاب. إنني أحب البشرية جميعا، وفي الصدر منهم إخوتي المصريين. إنني لم أعرف – ومازلتُ لا أعرف – شخصا خيرا خالصا، ولا شرا خالصا. إنني لم أكتب عن جميع الأخيار ومن أعانوني؛ لأنني لا أستطيع حصرَ عددهم. إنني كتبتُ عمَّن صدر عنه شرٌ أو فسادٌ؛ رغبة في أن تقرأ الأجيال الحديثة، وتتمهَّل دائما للتفكير قبل الإقدام علي العمل)(ص 189).
وجاءت العتبة قبل الأخيرة بعنوان »‬ملحق الصور» وهو ملحق يتألف من ست عشرة صفحة تتضمن خمس عشرة صورة من مراحل حياته المختلفة وأنشطته المتنوعة داخل الجامعة وخارجها، كما ضم الملحق أيضا صور ثماني من الشهادات والجوائز التي حصل عليها، وصورة من مقال نُشر عنه بمجلة »‬روز اليوسف» في عام 2005، وحملت الصفحة الأخيرة من صفحات هذا الملحق نسخة من ورقة كتب فيها بخط يده اثني عشر سطرا من سيرته الذاتية. وإذا كان هذا الملحق قسما توثيقيا بما ضمه من نسخ الصور والشهادات والجوائز المختلفة فلا ريب أن الصور والوثائق هنا تمحورت حول بعض وقائع من المسيرة العلمية لصاحب السيرة، كما أن ختام هذا الملحق بنسخة من ورقة كتبها محفوظ بخط يده من سيرته الذاتية كاشفٌ عن كون هذه العتبة تمثل إكمالا لهذه السيرة العلمية؛ إذ تحمل الصور والشهادات علامات علي وجوه التقدير التي نالها صاحب السيرة من كثير من معاصريه سواء من الأفراد أو من المؤسسات.   
وتمثل صفحة المحتويات العتبة الكبري الأخيرة في هذه السيرة، وهي تكشف عن كون هذه السيرة تتألف هذه السيرة من ثلاثة فصول، وهي تحمل العناوين الآتية: »‬قبل الجامعة»(ص – ص 15-53) و»في الجامعة»(ص – ص 55-116)، و»مع الجامعة»(117-183)، وتلي الفصولَ »‬كلمة ختامية» في صفحة واحدة ثم »‬ملحق الصور». ويمكن للقارئ ملاحظة وجود عدد من الدلالات الأولية لهذا التقسيم والترتيب وأحجام الفصول، ولعل المنطلق هنا هو كون دال »‬الجامعة» محورا مشتركا في عناوين الفصول الثلاثة مما يدعم فكرة كون هذه السيرة سيرة علمية؛ فحركة صاحب السيرة حياتيا تنقسم إلي ما يمهد للجامعة، ثم الحياة في الجامعة بما فيها من أدوار وعلاقات ومنجز علمي، ثم »‬مع الجامعة» أي مختلف الأنشطة التي أسهم فيها العلامة- بموازاة حركته في الجامعة- نتيجة تفوقه في عمله الجامعي وبروز مجموعة من السمات الإيجابية في عمله مما أهَّله وزكَّاه للترشح لمهام علمية وثقافية مختلفة، كما أهَّله للحصول علي عدد من التكريمات والجوائز سواء من مصر وطنه أم من خارجها.
     وينقسم كل فصل من فصول هذه السيرة إلي مجموعة من الفقرات المعنونة التي يدور حولها حكيُ العلَّامة، وفيما عدا عناوين »‬المولد» و»النشأة» و»أساتذة أعانوني» في الفصل الأول و»أشخاص التقيتُهم» في الفصل الثاني تكشف عناوين بقية الفقرات في الفصول الثلاثة عن غلبة منحي بيان التكوين العلمي والعمل بالعلم والآثار التي  ترتبت علي هذا؛ وذلك ما يؤكد كونها سيرة علمية. وتسهم عنونة الفقرات داخل الفصول في تحديد المحور الذي سيدور حوله الحكيُ بما يتيح للعلامة بوصفه راويا وصاحب السيرة في آنٍ أن يستعيد ما يتصل بهذا المحور من ذكريات ومواقف باقية في ذاكرته، كما يساعد بيان المحور هذا في إتاحة الفرصة للعلامة الراوي بتركيز جهده في استجماع كل ما يتصل بها المحور من وقائع وأشخاص يتذكرها لحظة الإملاء.    
ولعل هذه الطريقة أو الكيفية في التقسيم سواء علي مستوي البناء العام (مقدمة، 3 فصول، خاتمة أو كلمة ختامية ثم ملاحق) تفضي إلي تكسير مفهوم الامتداد الزمني لمسار السيرة امتدادا مواكبا لامتداد حياة صاحب السيرة – وذلك علي نحو ما يتجلي في الغالبية العظمي من نصوص السيرة الذاتية؛ فبدلا من تركيز الحكي حول العناصر التي تؤكد التمحور حول مسار حياة صاحب السيرة يصبح الراوي متحررا ومقيدا في آن؛ فلدوران حكيه حول الموضوعات أو الجوانب المتصلة بعمله العلمي يصبح متحررا من الوقوف عند الجوانب الأخري إلا أقل القليل منها، وهو القليل الذي يضئ – من وجهة نظر صاحب السيرة- المواقفَ التي يحكيها. علي حين أن هذا الراوي في نصوص السيرة الذاتية – علي عمومها- يكون مقيدا بأن تدور المادة التي يحكيها حول مراحل حياتها في تواليها الزمني؛ بما يجعل من صورة الشخص صاحب السيرة وراويها تتبدي ملامحها – في ذهن القارئ- عبر المسار الزمني أو الخطي المحقِّق لحياتها التي عاشتها بالفعل.  
   (2) تنوع الدلالات
يقوم الحكي في السيرة الذاتية علي تقديم التفاصيل الصغيرة والجزئية التي تشخص شخصية صاحب السيرة عن طريق عرض عدد من الدوائر الأساسية التي كان يتحرك فيها حركةً تشكل حياته وتبلور سمات شخصيته، كما أن هذه التفاصيل الصغيرة أو الجزئية تجسد أيضا سمات الشخص الذي يحكي عنه صاحب السيرة. ومن المهم ملاحظة أن هذه التفاصيل الجزئية الصغيرة هي التي تعكس ملامح حياة الناس في المجتمع في مرحلة أو أكثر  وفي عصر أو أكثر. وإذا كان تقديم تلك التفاصيل الجزئية يعد المقوم الأساسي في صياغة أية سيرة ذاتية – علي اختلاف أنواعها- فلعله كان يمثل أيضا سمةً بارزة في »‬التحدث بنعمة الله» لغلبة الإيجاز علي تقديم المواقف والأحداث والأشخاص؛ إذ كانت هذه السيرة تقدمها في صيغة لقطات موجزة تعتمد علي قدر محدود من التفاصيل، وكان العلامة يدير سرده في فقرات الفصول حول نقطة أو موقف أو شخص بحرية كبيرة لا يقيدها إلا المحور الذي يدور حوله السرد.  
وتكشف العتبات المختلفة البارزة في هذه السيرة عن بناء دلالات هذه السيرة علي دلالتين رئيسيتين تتولد منهما دلالات فرعية متعددة؛ فثمة رؤية يطرحها العلامة سواء بتقديمه لقطات من مسيرته العلمية أو بعرضه الموجز لبعض الشخصيات التي احتك بها، أو بتقديمه عددا من الخلاصات التي  انتهي إليها من تجربته الطويلة حياتيا وعلميا وثقافيا. وتدور هذه الرؤية حول الواقع المصري الحديث والمعاصر لاسيما في تجلياته في مؤسسات التعليم الجامعي خاصة. وتشكل هذه الرؤية الدلالة الكبري الأولي في هذه السيرة. وتتفاعل معها دلالةٌ أخري كبري أيضا وهي: مجموع الخبرات الوجدانية والنفسية والاجتماعية والإنسانية التي حصَّلها العلامة من مسيرته الحياتية، فكان حريصا علي تقديمها بوصفها نتاجا لتجربته من ناحية، وبوصفها تحقيقا لذاتية السيرة العلمية من ناحية أخري.   
وفي إطار تفهم القارئ الدلالة الأولي وأبعادها لابد من الإشارة إلي أن تعدد المهام التي قام بها العلامة من تدريس وتأليف وتحقيق وعمل بالإذاعة وإدارة وعضوية لجان ومؤسسات كان له أثره في تنوع الخبرات التي اكتسبها خلال مساره الوظيفي والعملي الطويل. ولذلك طرح العلامة ضمنيا في سرده لتجربة تعليمه مجموعةً من الدلالات الإيجابية الفرعية التي تتبدي ارتفاع إمكانات التعليم، وإتاحة الفرص للتلاميذ والطلاب لممارسة أنشطة رياضية وثقافية متنوعة، وانفتاح النظام التعليمي أمام تعليم الطلاب عدة لغات أجنبية، ووجود مدرسين يسعون بإخلاص إلي تعليم تلاميذهم وتوجيههم علي نحو ما بيَّن العلامة في حديثه عن مدرس اللغة العربية بالمرحلة الابتدائية (انظر ص – ص 22-23). وفي مقابل هذه الجوانب الإيجابية قدم العلامة مجموعةً من المواقف التي تكشف عن جوانب الانحدار في التعليم الجامعي في النصف قرن الأخير بصفة خاصة؛ فسرد عديدا من المواقف التي تكشف عن حضور السلوكيات السلبية في المؤسسة الجامعية (انظر ص – ص 65-68، 74-76 علي سبيل المثال). وفي حالات عديدة كانت المباشرة في عرض بعض المسالك السلبية أو انتقاد مسالك بعض الزملاء والأصدقاء؛ كذلك الأستاذ الذي كان يشرف علي رسالة طالبة (اتصلت به قبل أن تبدأ لتتلقي توجيهاته، فنصحها بالعمل، ولما أنهت الفصلَ الأول قدمته إليه فلم يتناوله، وطلب منها الاستمرار في العمل، وعندما أنجزت الرسالةَ سلمتها له، فبقيت عنده (3) أيام، ثم أعادها إليها دون أن تجدَ فيها أية إشارة علي الاطلاع!) (ص 74). كما ظهر المنحي ذاته في انتقاد العلامة أوضاعا أو ممارسات قائمة في المؤسسة الجامعية؛ ومنها: أن (يصل الأمر في هذه الأيام إلي درجة أن يُطلب من القائم بالتدريس أن يحدد الكتابَ المقررَ وعند الامتحان أن يضع إجابة نموذجية لكل سؤال، وكأن الدولة تحارب ما نسميه (تلقين المعرفة)، ولا أسميها (تلقين العلم)، في التعليم العام عندما يكون التلميذ طفلا، وتفرضه وتشجعه في التعليم الجامعي الذي يتلقاه شابٌ وصلت قواه الفكرية إلي حد النضج!) (ص 70).     
ومن عناصر بناء تلك الدلالة في هذه السيرة العلمية تقديمُ مجموعة من المستخلصات العامة الناتجة عن معايشة مواقف وتجارب كثيرة أثمرت مجموعة من الخبرات لاسيما في مجال التعليم الجامعي..ولقد قدم صاحب السيرة هذه الثمرات علي نحو مباشر كما في النموذج الآتي؛ إذ يقول (وأري أنه يجب أن يُعقد في كل كلية اجتماعٌ سريٌّ سنوي لطلبة الدراسات العليا من جميع الأقسام يديره اتحاد طلاب الكلية، ويرأسه رئيس الاتحاد. ويُدوُّن محضرٌ بكل ما دار في الاجتماع، يُقرَّرُ فيه كلُّ ما يختص بالفساد، ثم يُقدم المحضر إلي عميد الكلية لإجراء الخطوات التي يقتضيها بعد إجراء التحقيق الضروري لإثبات مدي الأقوال من الصحة) (ص76 ). أو تأكيده أنه (لن يصلحَ حالُنا، بل جميعُ أحوالنا، إلا إذا حاربنا الفساد وكلَّ ما يؤدي إليه، مهما كانت مكانةُ مرتكبه العلمية والإدارية والشخصية، حربا شاملة لا هوادة فيها)( ص 76).
أما الدلالة الكبري الثانية فهي نتاج دلالات جزئية عديدة مرتبطة بحركة الذات في العالم، وهذا ما ينتج ظواهر منها بيانُ المفارقات التي تعكس تناقضات الواقع أو بعض وجوه الخلل فيه، وهي تكون مؤثرة ودالة ولطيفة أو رشيقة حين تكون موجزة علي طريقة العلامة؛ من ذلك ما ورد في إطار استعادته تجربة عمله بالإذاعة؛ إذ يقول (وحصلتُ علي الماجستير، فكانت جائزتي خصمَ ثلاثة أيام بزعم أنني تغيبتُ فيها، ولم يحدث ذاك!)( ص 48).  وتبدو أيضا في كون صراحته أو مباشرته في بيان بعض سلبيات الآخرين كانت تتلاقي مع مكاشفته القارئَ ببعض السلوكيات التي صدرت من العلامة علي نحوٍ قد لا يتوقعه ذلك القارئ لاسيما من تتلمذ  عليه في قاعات الدرس؛إذ يصف ما حدث منه هو ود.عبد العزيز حمودة حين كانا يزوران ألمانيا (وأذكر عندما كنا في (هامبورج) التي كنا نعرف أن فيها شارعا تُعرض فيه نساءٌ عاريات كليةً في فترينات، فاقترحتُ علي المرشدة التي عهدت بها (ألمانيا) إلينا، إرشادَنا إلي هذا الشارع، فهدتنا إلي طريق الوصول، واعتذرت عن مرافقتنا، فذهبنا وما عن دخلنا الشارع حتي أسرعنا السيرَ خوفا أن يجبرنا أحدُ القوادين الذين يمتلئ بهم الشارع علي الدخول، وكان إسراعنا بحيث أننا لم نحقق أيةَ عارية!)(ص 62).  ورسم العلامة صورا بالغة الإيجاز لعدد من الشخصيات التي أثرت في تكوينه ومسيرته العلمية؛ مما تبدي في مواضع متعددة من سيرته ولاسيما في فقرة »‬هؤلاء أعانوني»، حيث تناول من أساتذته  د.فؤاد حسنين علي، ود.حسن إبراهيم حسن، ود.عبد الوهاب حمودة، ود.حسين مؤنس، ود.شوقي ضيف، والأستاذ مصطفي السقا الذي وصفه بأنه (أستاذي – بل والدي الروحي- فقد توطدت علاقةُ الإشراف علي رسالتي إلي أن ظن كثيرون أننا أقارب، وعاملني هو معاملة الأب. وأهم أمثلة هذه العلاقة عندما رأي ما بذلتُ من جهد في إعداد رسالة الدكتوراه، وبدا عليَّ الضعفُ البدني، لما رأي ذلك طلب مني أن أعطيه مسوَّدةَ احد الفصول لتبييضها لي، وكان ذلك أمرا ضروريا حينذاك لدفعها إلي من يطبعها علي الآلة الكاتبة (التايبريتر). وفي آخر حياته جمع ابنيه وطلب منهما أن يسمحا لي بأخذ كل ما أريد من مكتبته- ولو كانت كلها- بعد وفاته، وتم ذلك فعلا)( ص 42 ).