رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كاتبات في المواجهة

شجاعة سعاد زهير وتناقضات لطيفة الزيات


شعبان يوسف
2/2/2019 11:49:03 AM

لم تكن الحركة النسوية معنية بالكتابات الأدبية ذات البعد الفني البارز في عقود ماقبل الخمسينات، وكان هذا الأمر شبه مقصور علي الرجال، وهذا الأمر ليس حكما إطلاقيا، حيث أننا سنجد علي مدي القرن العشرين، بعض كتابات نسائية تحققت وحقّقت حضورا نسبيا، بداية من عائشة التيمورية ومي زيادة وملك حفني ناصف وأوليفيا عويضة عبد الشهيد وجميلة العلايلي وغيرهن، وكان هذا التحقق محدودا، وكذلك لم تكن متابعة هذا التحقق واضحة، ولن نجد أحدا من الكبار الذين كانوا يتربعون علي عرش الحياة الأدبية والثقافية والفكرية له دراسة ذات شأن تفحص ذلك الحضور الإبداعي للمرأة، وعندما كتب د. طه حسين، كتب مقدمة لكتاب »أحاديث جدتي« لسهير القلماوي، وهذا كان تقديما محسوبا لطه حسين بشكل أساسي، قبل أن يكون محسوبا لسهير، وسنلاحظ أن ذاته الفكرية والثقافية حاضرة بقوة داخل المقدمة، ولم يكن سوي شبح القلماوي يحلق في مقدمة د طه حسين، وتضيق مساحة هذه السطور عن تناول ذلك الأمر، وسوف نتعرض له لاحقا، كذلك كتب طه حسين عن ثلاث كاتبات أخريات، لمجرد أنهن يكتبن باللغة الفرنسية، مثل قوت القلوب الدمرداشية وجان أرقش، ماعدا ذلك، فلن نجد أن كتّابا من طراز محمد حسين هيكل أو عبد القادر المازني أو عباس العقاد وغيرهم من أساطين الأدب والثقافة في ذلك الوقت تكبّد مشقة أن يكتب عن واحدة من الأديبات البارزات أو غير البارزات، وهذا الأمر في يقيني، عمل علي تعطيل وتعويق الكتابة الأدبية للمرأة في عقود النصف الأول من القرن العشرين.
وعندما تفجّرت أشكال التعبير المتنوعة في عقد الأربعينات من القرن العشرين، ودخلت المرأة معترك هذا التعبير السياسي والشعري والسردي والثقافي عموما في ذلك العقد، فكان حضور لطيفة الزيات شديد الوضوح في انتفاضة عام ١٩٤٦ ضد سلطة الاحتلال الانجليزي والملك والإقطاع قويا، وبرزت كمناضلة وقائدة سياسية من طراز فريد، وشاركت بشكل بارز في لجنة العمال والطلبة في ذات العام، وكانت القائدة النسوية منيرة ثابت قد أصدرت مذكراتها عام ١٩٤٥، وهي من أوائل من نادين بالمطالب النسائية في الحياة السياسية، ومشاركة المرأة في البرلمان والتصويت وكافة الحقوق السياسية والاجتماعية، وظهرت مجلات سياسية وفكرية شاركت في تحريرها نساء مبدعات، وعلي رأسهن لطيفة ومنيرة ثابت، ومن يتصفح مجلات مثل الفجر الجديد والضمير وغيرها من المطبوعات التي كانت تصدر في ذلك الوقت، سوف يلاحظ أن الكاتبات بدأن في الحضور والازدياد والتطور من حيث الحالة التعبيرية بشكل عام، حتي أن جاءت بدايات عقد الخمسينات، وجدنا كاتبات مثل أمينة السعيد التي أصدرت رواية «الجامحة» عام 1951، وتوالت بعدها كتابات جاذبية صدقي وصوفي عبدالله وأماني فريد وملك عبد العزيز وجليلة رضا وفاطمة محجوب وغيرهن ممن أثرين الحياة الثقافية برافد جديد في الشعر والقصة والرواية والمسرح كذلك.
في ذلك الوقت تركت لطيفة الزيات الحياة العامة، وانزوت في زيجتها مع د رشاد رشدي، وخرجت من مياهها الطبيعية التي كانت تسبح فيها، لتدخل في مساحات أخري لا تناسب مزاجها ولا توجهها الفكري، بعد أن طلبت الانفصال عن زوجها الأول المناضل أحمد شكري سالم، ومن المآسي أنها طلبت منه الطلاق وهو كان معتقلا عام 1951 في قضايا النضال والشرف السياسي، وربما تمر الواقعتان_أي الانفصال والارتباط_ في حياة لطيفة الزيات في هدوء وسلام، وظلّتا تلاحقانها فيما عبّرت عنه في كثير مما كتبت، وربما تكون الرواية «الباب المفتوح 1960» انعكاسا قويا لهاتين الواقعتين، وكذلك كتاباتها القصصية التي فجّرت فيها كل أصابع الديناميت التي كانت كامنة لديها منذ زمن بعيد، وسوف نواصل فيما بعد كل ذلك بالتفصيل.
علي الجانب الآخر كانت هناك كاتبة صحفية أخري، هي الكاتبة سعاد زهير، والتي كانت متزوجة من المناضل اليساري فتحي الرملي «والد الفنان والكاتب المسرحي لينين الرملي»، وانفصلت عنه لظروف لا نعلمها ولا يعنينا، رغم أن الأبعاد الشخصية لها تأثير كبير علي المسار الفني والإبداعي للكتّاب عموما، وخاصة المرأة، وسنجد أن سعاد زهير تعدّ تحقيقات صحفية لا نستطيع فصلها بأي شكل عن مسار الحركة النسوية، كذلك كانت تنشر بعض قصصها في مجلة روز اليوسف التي كانت تعمل بها، حتي أنها بدأت في مطلع عقد الستينات تنشر سلسلة في مجلة روز اليوسف تحت عنوان «اعترافات امرأة مسترجلة»، وأعادت نشرها ككتاب كامل في نوفمبر ١٩٦١ عن سلسلة الكتاب الذهبي، والذي كان يصدر عن المؤسسة، ولأن الكتاب كان يخوض في قضايا شائكة من قضايا المرأة، وقد حدثت التباسات شديدة الحساسية أثناء نشر الكتاب منجما، ولذا كتبت زهير مقدمة للكتاب، لتوضح فيها بعض هذه الالتباسات، تقول في مستهل المقدمة : «حين نشرت هذه الاعترافات،  علي صفحات روز اليوسف، في الشتاء الماضي، لم أستطع خلال الأشهر الثلاثة، التي استغرقتها الحلقات، أن أمنع عشرات الأسئلة التي ثارت حولي، من الذين يعرفونني ، والذين لا يعرفونني ، بل أن هذه الأسئلة (المريبة) قد وصلت ببعض أفراد من عائلتي إلي حد الغضب والتهديد بمقاضاتي أمام المحاكم، لوقف هذه الاعترافات ، حماية لإسم العائلة من أن ينسبها الناس لكاتبتها!)، والتعجب من عند الكاتبة.
ولنا هنا ملاحظتان، الأولي تشي بأن مرض المقارنة بين المكتوب والكاتب كان موجودا منذ البدايات المبكرة لإبداعات المرأة الكاتبة، والتفتيش في النوايا والخلفيات والكواليس، ورغم أننا من أنصار أن هناك ثمة علاقة وطيدة بين الكاتب والمكتوب، وأن تواصلا ما بينهما، ولكن هذا لا يجعلنا نضع مطابقة حرفية بين الكاتب وما يكتبه، وبالطبع أن عناصر أدبية وتخييلية كثيرة تتدخل في الكتابة، خاصة لو كانت إبداعية سردية، ولو لم يقل الكاتب أو الكاتبة، بأن هذه الكتابة تخصه شخصيا، فأي كلام غير مسئول عن هذه المطابقة لا يعوّل عليه، ومن حق الناقد أو الباحث أو المتابع يعقد مقارنة بين الكاتب والمكتوب، ولكن بعيدا عن التشهير والانتقام واستدعاء طاقات الشر لإيذاء الكاتب/ة، وعلينا أن نفرّق تماما بين مذكرات صريحة مثل «أوراق العمر» للويس عوض، وبين روايته «العنقاء»، حتي لو كانت ظلال حياة لويس عوض نفسها تطل بين الحين والآخر من نوافذ الرواية.
والملاحظة الثانية تتعلق الأمر بالقرّاء وصل إلي حالة تهديد بالمنع والمقاضاة، رغم أن الكاتبة لم تفصح عن هوية هؤلاء القرّاء/الأقارب، وما هي نوعيتهم ودرجة القرابة، وإن كان ذلك واضحا في الكتاب/الرواية نفسه، عندما وصلت إلي سلطة الأب والأخ والزوج والزميل والرئيس في العمل، وربما تكون الكاتبة تركت التوضيح لخيال القارئ، نوعا من الذكاء الإبداعي، والذي يجعل القارئ يتخيل السلطة الذكورية المجتمعية التي تهيمن علي مصير المرأة بشكل عام، والمرأة الكاتبة بشكل خاص.
تبدأ الكاتبة اعترافاتها منذ أن جاءت إلي الدنيا، ولم تلق أي ترحيب بقدومها علي وجه الإطلاق، حيث أن سبقتها في الحياة شقيقتان أدخلتا في حياة الأم والأب قدرا كبيرا من التعاسة، لمجرد أنهن ينتميان لعالم الإناث، وعندما جاءت هي، وعرفت الأم بخبر قدومها وهي في حالة الولادة، تسبب ذلك في تعتيم الدنيا في عيني الأم، حتي أن تبعها ولد في الولادة نفسها، فانفرجت الدنيا قليلا، وأشرقت علي الأسرة بوجود الولد وقدومه، وكان هذا الأمر مدعاة لإقامة الأفراح والليالي الملاح علي شرف هذا «الذكر»، والذي ليس له أي أسباب في وجوده، وتبرز سعاد في الفصل الأول من مذكراتها، أن أسباب السعادة والتعاسة تكمن في أحداث ميتافيزيقية محضة، فلا أحد من بني الانسان كان متحكما في نوعية المولود القادم، ولكنها الأعراف والتقاليد، والثقافة، الذكورية، المهيمنة، الثقافة الذكورية التي تنطوي تحت الثقافة السلطوية، والتي تعتبر المرأة عورة، ولا بد من إخفائها،وفرض بضعة موانع وجدران سميكة حولها، ولذا فوجودها لا بد أن يكون ملحقا لوجود وكيان ومؤسسة الرجل غير المقدسة.
استطاعت سعاد أن تضع وتبث سلسلة أفكار في الرواية صريحة ومباشرة وشبه تقريرية في المتن، دون أن نشعر بأن تلك الأفكار جاءت كنتوء غير فني في الرواية، لأنها كانت تأتي علي لسان شخصيات الرواية، هذه الأفكار توزعت بين الحوارات التي كانت تحدث بين شخصيات الرواية، أو تأتي علي سبيل التداعي التأملي لإحدي شخصيات الرواية.
بدأت الراوية تسرد علاقتها مع شقيقها، والذي كان يحاط بقدر كبير من الاهتمام والرعاية الأسرية المتفاقمة، وهذا كان يدعوها للاشتباك معه، ومحاولة التفوق عليه، حتي أن جاءت الواقعة التي تحدث لكل الفتيات، وهي بلوغ البنت إلي مرحلة بلوغ مركز الأنوثة، وبروز بقعة الدم الشهيرة، ومن هنا بدأت التشديدات تزداد، وراحت اللوائح القبلية تعمل علي تنظيم عمليات الخروج والدخول والكلام المنتقي، كل ذلك لأنها أصبحت أنثي كاملة، وأصبح لها طريقا ومستقبلا واحدا، هو الرجل، والبحث عنه، والتزين له، والنجاح المتنوع من أجله، ورغم ذلك كانت البطلة تقاوم كل ذلك، وكانت تفتح بعض الكوّات الصغيرة لها لكي تتنفس، حتي أن رسبت في الثانوية العامة، ونجح أخوها، وصدر فرمان من الأم يقضي بألا تكمل البطلة عملية الدراسة والإعادة، وعندما لجأت البطلة لأبيها، لكي ينقذها من مصير هذا القرار، قال : اللي تقرره والدتك هو الذي سيحدث، وهي تشوف اللي هي عاوزاه»، كان هذا الرد، بمثابة بطاقة كراهية للوالد، تضاف إلي بطاقة الكراهية التي تكونت لديها من التفرقة الجارفة بينها وبين أخيها.
ولكن البطلة الراوية تقاتل من أجل استكمال ماانقطع تعسفا وقهرا، وتلتحق بكلية الحقوق، وتحصل علي الليسانس، وتبدأ المضايقات الاجتماعية بعد ذلك لكي تتزوج، رغم أنها لم تجد الشخص المناسب لهذا «الدور» التراجيدي كما تعبر، وكانت هناك أحداث كثيرة في الرواية، تقع بين الراوية وكثير من أبطال الرواية الآخرين، وعندما كانت تتوسم في أشخاص صالحين للزواج، لا تكتمل المهمة، فبدا الأمر وكأنه حالة عبثية، حالة بحث دؤوبة عن مأوي وعن كفيل وعن ضل حائط وعن راع وعن مسئول، عن كل المعاني البعيدة عن المعني الحقيقي للحب المقدس، خاصة معي واحدة تراكمت لديها تجارب مزعجة في علاقتها بالرجل.
وتزوجت، وكان زواجا بائسا، المقدمات ليست وردية، وكانت النتائج محبطة للغاية، ولا أريد أن أسرد وقائع الرواية كاملة، ولكنني أحاول أن أعطي ملامح عامة فقط، وتنفصل كما هو متوقع، فتتلمظ عليها وحوش وذئاب كثيرة، من بينهم رئيسها في العمل، والذي كان أستاذها في كلية الحقوق، وأحد من علموها المبادئ، وعندما أصبحت امرأة وحيدة في الثلاثين من عمرها، كشف أستاذها عن وجه آخر تماما، وجه عربيد كامل، وجه غرائزي وانتهازي رخيص، وعنده تكاملت رباعية الرجل الظالمة، بداية من الأخ المدلل، ثم الأب الذي لم يستطع إنقاذها، وترك ابنته لأقدار عبثية عندما انصاع لقرار وقفها عن استكمال التعليم، ثم الزوج الخائن، والذي برر خيانته بكل برود، وأفصح عن أنها كاملة البرود الجنسي في حوار شديد الألم، ثم أخيرا أستاذها ورئيسها في العمل.
لا تسرد الكاتبة الوقائع بهذه الميكانيكية التي يتطلبها تلخيصنا، ولكن الرواية تنطوي علي قدر كبير من المتعة المفرطة، رغم الألم الذي ينتاب القارئ أثناء تعاطيه أحداث الرواية، ثم والتخييل الذي يعطي الرواية مشروعيتها الفنية، ثم الأسلوب البنائي المحكم، ثم سلسلسلة الأفكار والتأملات والاكتشافات المذهلة في العلاقة الغرائبية التي تتكون بين الرجل والمرأة، والمسئول عن تلك العلاقة الرجعية، منظومة ثقافية واجتماعية وسلطوية متجذرة منذ أزمنة بعيدة.
بالطبع رواية من هذا النوع قوبلت بعاصفة مكتومة من الجدل، وأبرز ماكتب عن الرواية، كان مقالا للدكتورة لطيفة الزيات، نشر في مجلة «المجلة» عدد يناير ١٩٦٢، وتبدأ الدكتورة لطيفة مقالها بعبارات تقريظية تتسم بالدبلوماسية، وذلك احتراما للزمالة الإبداعية بين الكاتبتين، ولكن هذه الدبلوماسية لم تستطع أن تخفي موقف الزيات السلبي تجاه الرواية، وكتبت في مستهل مقالها :»تثير السيدة سعاد زهير في مقدمة كتابها «اعترافات امرأة مسترجلة» قضية علي جانب كبير من الأهمية، وهذه القضية تتناول موقفنا كقراء من العمل الفني، وخاصة في ميدان الأدب الروائي سواء أكان رواية أو قصة قصيرة أو مسرحية..»، وبهذا تشكك لطيفة الزيات في روائية الرواية، وتنوع نقد الزيات في بقية المقال حول ضعف الرواية، بل أنها كادت أن تنفي عنها صفة الرواية، ومن بين ما كتبته تقول: «إن استخدام الكاتبة لضمير المتكلم (أنا) منحها فرصة انغماس في المعاناة مع البطلة، وحرمها من الخروج علي نفسية البطلة، وتقييم تجربتها موضوعيا،.. ونحن لا نري الراوية علي حقيقتها، ولكننا نراها كما تري نفسها لأنها هي الراوية..»، وفي موقع آخر تقول الزيات :«والسيدة _لاحظ استخدام مفردة السيدة دون الكاتبة» أو «الروائية_مارست حريتها ككاتبة واختارت ضمير المتكلم لكي تروي عن طريقه القصة التي اختارتها، وكانت نتيجة هذا الاختيار أنها لم تستطع أن تقيّم التجربة الحيّة التي تعرض لها ولا أن تحدد معناها، وظلّت القصة في نطاق التجربة الحية الفجة، لا التجربة الفنية ذات المعني الموحد، وخرج الكتاب أشبه بوثيقة اجتماعية، أو بصرخة احتجاج ضد المجتمع الذي يظلم المرأة»!.
ولا تفتأ الزيات في إطلاق أحكام سلبية تخص الرواية مثل قولها :»..ونحن ندرك طيلة الوقت أن الرواية لا تدرك دوافعها وأنها تضللنا وتضلل نفسها عن حقيقة هذه الدوافع»،  ولذلك جاء المقال شبه هجوم علي الرواية، هجوم يتسم بقدر من الدبلوماسية كما أسلفنا القول، ولكنه لا يخلو من التعالي والتسخيف في كثير مما حمل.
ولكن المدهش أن تكتب لطيفة الزيات مقالا بعد عقدين من صدور الرواية، وتتراجع عن رأيها السابق، دون الإشارة إلي ذلك التراجع، خاصة أن الزيات لم تنشر مقالها الأول في أي كتاب من كتبها النقدية، ولا نريد استعراض المقال الذي يشيد بالرواية، ولكنني أقتبس بعض الجمل فقط، إذ تقول لطيفة : «إن رواية (اعترافات امرأة مسترجلة) باقية معنا رغم مرور الزمن، ليس فقط من حيث أسلوبها الرشيق المعاصر أو فنيتها، ولكن أيضا من حيث جوهرية المشاكل التي تعرض لها تبقي كصرخة احتجاج، لا علي ماضي انقضي، ولكن علي حاضر لا بد أن ينقضي بدوره»، وتقول أيضا :«..ونحن نتلقي الحدث في هذه الرواية من خلال ضمير المتكلم، أو _أنا_ البطلة، والحدث يحكي بعد وقوعه بفترة تتيح تأمله وتقييمه .. ونحن نتلقاه بعد أن بلغت البطلة درجة من النضوج العاطفي يتيح لها تأمل تجربتها علي البعد»!.
المقال هو تراجع كامل عن المقال القديم، فضمير المتكلم الذي كان عيبا، أصبح ميزة، والسرد الذي كان مجرد وثيقة اجتماعية وصرخة احتجاج، أصبح رواية ممتعة ومعاصرة ورشيقة، وأنا لا ألوم لطيفة الزيات، ولكنني أرصد فقط بعض تناقضات أو تحولات الكتّاب والنقاد، وهذا بالطبع مشروع جدا، ولا ينفي أهمية ما أنجزته لطيفة الزيات، وهذا ما سنتناوله لاحقا.