رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

لأول مرة.. وفي الذكري الأولي للمشاغب الكبير

رسائل صلاح عيسي من السجن إلي زوجته أمينة النقاش


أيمن الحكيم
2/2/2019 11:52:00 AM

كان جسورا – بلا شك- في كتاباته الصحفية ومواقفه السياسية وما يعتقد في أنه الحق، لكن جسارته كانت تتخلي عنه ويتملكه (حياء عذراء) إذا ما تعلق الأمر بمشاعره العاطفية ومواقفه الرومانسية، لا يبوح بها إلا نادرا، ولذلك كنت مدركا  ومتفهما سر هذا الحرص الزائد من شريكة عمره وهي تناولني إهداءه لها علي الغلاف الداخلي لكتابه (البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة)، فقد كتب لها بخطه الجميل الرائق :
"إلي أمينة النقاش..لأني أعشقها.. صلاح..في 1/2/1980" وتحته كتب تلك الملحوظة الساخرة : "هذا الإهداء ليس للنشر".
كانت أمينة النقاش تحمل الكتاب وكأنها تحمل قطعة من قلبها.. وحتي لو كان الرجل الذي شاركته العمر وقاسمته اللقمة ومات في حضنها لا يريد أن ينشر قصة حبه لها، خجلا أو اتقاء للحسد، فإنها – علي العكس- لا تمل من الحديث عنه، ولا يمنعها مانع من إعلان حبها الكبير له، حتي وهو في قبره.
أنصحك ألا تتحدث بصيغة الغائب عن صلاح عيسي في حضور أمينة النقاش، فهو حاضر عندها لا يغيب حتي لو أكدت الوثائق الرسمية أنه مر عام علي رحيله، تحتفظ ذاكرتها بكل كلمة قالها، وبكل موقف شاركته فيه، وبكل يوم عاشته معه، منذ أن قابلته مصادفة في بيت شقيقها رجاء النقاش في العام 1971 إلي أن غادر الدنيا في الأيام الأخيرة من العام 2017، ليستقر في قلبها إلي الأبد.
لدي أمينة النقاش دوما ما تحكيه عن صلاح عيسي، لكنها هذه المرة لا تقدم لنا حكايات (طازجة) فقط، بل تخصنا بقطعة غالية من قلبها : خطابات صلاح عيسي لها من السجن، وهي ليست خطابات عادية كتلك التي يكتبها المساجين إلي ذويهم، فعندما يكون المسجون مؤرخا قديرا وساخرا عظيما ومثقفا موسوعيا كصلاح عيسي، فأنت أمام خطابات مختلفة وفريدة، لا يبث فيها فقط شريكة عمره وزوجته الحبيبة أشواقه ويطمئنه عليها بل يحكي لها بعيون المؤرخ المثقف الساخر تفاصيل مذهلة عما يدور وراء الأسوار، وكان وراء الأسوار معه حينها أكثر من 1500 من القامات والشخصيات في قيمة هيكل وفؤاد باشا سراج الدين ووزير خارجية السادات محمد حسن الزيات..

1
عن (السجين العاشق) صلاح عيسي جلست أستمع إلي أمينة النقاش : » لم أكن قد تعرفت بصلاح في (حبسته) الأولي في زمن عبد الناصر، فقد دخل معتقلاته مع الشيوعيين في العام 1966، ثم حدث أن جاء سارتر مع سيمون دي بفوار لزيارة مصر قبل النكسة بشهور، وكان من شروط الفيلسوف الفرنسي الشهير لقبول الدعوة أن يفرج عبد الناصر عن المعتقلين السياسيين، وهكذا خرج صلاح من السجن بوساطة سارتر..وحصل أن صلاح كان يمر يوما من ميدان التحرير وهو يركب التروماي، وتوقف التروماي في الميدان بسبب مظاهرة حاشدة اعتراضا علي الأحكام المخففة لقادة سلاح الطيران في هزيمة يونيو، وأثناء وقوفه علي باب التروماي سمع واحداً من المتظاهرين يهتف بعلو الصوت : يسقط كل مصري جبان، فأحس صلاح أنه يقصده بهتافه، فقفز من التروماي وانضم للمظاهرة وكان من بين المقبوض عليهم، وهكذا عاد من جديد إلي المعتقل..
وذهب الأستاذ خالد محيي الدين والقيادي الفلسطيني نايف حواتمة إلي الرئيس عبد الناصر للتوسط عنده للإفراج عن صلاح، لكن عبد الناصر رفض بشدة، فلم ينس لصلاح سلسلة مقالاته (الثورة بين المسير والمصير) التي كان قد نشرها في مجلة (الحرية ) التي كانت تصدر عن الجبهة الديموقراطية الشعبية التي أسسها حواتمة، وفيها انتقد صلاح الثورة بشكل أثار غضب عبد الناصر حتي أنه أقسم ألا يري صلاح عيسي الشارع ما دام في الحكم، لكن لم يمر شهر حتي مات عبد الناصر..الغريب أن صلاح بكي علي عبد الناصر بكاء مرا وهو في سجنه، وهو أمر استفز أصدقاءه من اليساريين بل ومعتقلي الإخوان وسألوه بغيظ: بتعيط علي الراجل اللي حابسك وحابسنا ؟!، لكن صلاح كان لديه حسابات أخري جعلته يحمل لعبد الناصر- رغم السجن والتعذيب- تقديرا كبيرا كزعيم وطني»‬ .
وفي العام 1971 تولي رجاء النقاش مسئولية تحرير وإدارة مجلة الإذاعة والتليفزيون بتكليف من وزير الإعلام يومها محمد فائق، وبعيون الجواهرجي وقع اختيار رجاء علي صلاح عيسي ليكون واحدا من كتّاب المجلة، وبدأ صلاح علي صفحاتها مشروعه لاستعادة التاريخ المصري، سماه في البداية (حكايات من مصر) ثم تطور إلي (حكايات من دفتر الوطن)..وفي تلك الأثناء كان صلاح يتردد علي بيت رجاء لتسليمه مقالاته، وفي واحدة من تلك الزيارات تعرفت به أمينة الشقيقة الصغري لرجاء، ثم توطدت العلاقة عندما ذهبت أمينة لتعمل في جريدة الجمهورية، وشاءت الأقدار أن تلتحق بالقسم نفسه الذي كان صلاح أحد مسئوليه، إلي أن كان زواجهما في شتاء العام 1977.
تحكي لي أمينة النقاش : »‬ لما جاء صلاح ليطلبني من رجاء كان وقتها هربان من البوليس بعد مشاركته في مظاهرات الخبز في 18 و19 يناير 1977، وطبعا رجاء اعترض بمنطق أبوي وكان هو ولي أمرنا بوصفه الشقيق الأكبر بعد رحيل والدي قبلها بسنتين، قال لي :يا بنتي ده واحد هربان ومُطارد ومفصول من شغله ولا يملك تأسيس بيت ح تتجوزيه علي إيه؟.. لكن أعجبني إصرار صلاح علي الارتباط بي واستطاع أن يجذبني بشدة، والحقيقة صلاح طول عمره شخصية ساحرة وبصراحة (يتحب )..تزوجته بدون لا مهر ولا شبكة ولا مقدم ولا مؤخر ولا شقة زوجية..يوم كتب الكتاب سأله المأذون عن مؤخر الصداق فقال له بفخر : 25 قرشا يا مولانا!..وكان شهود العقد شقيقي فكري الله يرحمه وواحدا من أصدقاء صلاح، وكل ما تكلفه دبلتان، وعندما سافرنا بعدها إلي الإسكندرية سقطت منه دبلته في البحر، ورفض بعدها أن يشتري دبلة غيرها وكان مبرره : حبي لك مش محتاج إثبات..ثم أنا بكره كل القيود حتي لو دبلة في صباعي..والحمد لله إنها ضاعت!
»‬تزوجنا في بيت أسرته وكان شقة بسيطة في (لاظوغلي) تقيم فيها والدته واثنان من أشقائه، قعدنا فيها حوالي سنتين، وبعدين انتقلنا لبيت والدي في شارع المساحة بالدقي، وبعدين رحت قدمت علي شقة من شقق الأوقاف، وكانت بالقرعة، وطلعنا في القرعة وجاءت لنا شقة بالمصادفة، وأذكر أني كلمت الأستاذ خالد محيي الدين ليتوسط لنا في استعجال تسليم الشقة، فعاد يحكي لي وهو يضحك أنهم قبضوا علي رئيس هيئة الأوقاف بعدما اتضح أنه (طبخ) القرعة وكان أغلب الفائزين فيها من أفراد أسرته وقرر أن يضعنا فيها ليظهر نزاهته، ولما حققوا معه استشهد بشقتنا وقال : دي أمينة النقاش بتاعة حزب التجمع اليساري المعارض كسبت في القرعة..فيه نزاهة أكتر من كده ؟!».
وبعد أسابيع من الزواج تم القبض علي (العريس) لتبدأ رحلة أمينة النقاش الطويلة في (اللف) وراء المشاغب الكبير في سجون مصر، وخلال أربعة سنوات (بين 1977 و1981) دخل صلاح عيسي السجن ثلاث مرات في قضايا مختلفة، كانت الأولي في قضية انتفاضة الخبز وقضي شهورا بين سجني الاستئناف والقناطر حتي صدر حكم القاضي الجليل حكيم صليب ببراءة المتهمين وكانت حيثيات الحكم شهادة إدانة تاريخية ضد سياسات الرئيس السادات الاقتصادية.. وفي عام 1981 دخل السجن مرتين، في الأولي متهما في قضية التظاهر ضد مشاركة إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي أقيم يومها في يناير، وكان أبرز المتهمين معه في القضية المفكر والباحث المعروف حلمي شعراوي..وظلت زوجته تبحث عنه في سجون مصر بعد اعتقاله حتي وصلت إليه في سجن القلعة..وفي سبتمبر من العام نفسه كان صلاح عيسي بين معتقلي حملة سبتمبر الشهيرة ينام في زنزانة واحدة بسجن مزرعة طرة مع فؤاد باشا سراج الدين والوزير محمد عبد السلام الزيات.
2
وفي كل (الحبسات) لم يتوقف صلاح عيسي عن كتابة الرسائل إلي زوجته أمينة النقاش التي تحكي لي : »‬مرة وجدت في ملابسه التي أرسلها لي من السجن لأغسلها له رسالة مطوية في طيات الهدوم، وجدته يشرح لي فيها بالتفصيل إرشادات تهريب الممنوعات إليه في السجن، وابتكر في ذلك حيلا مدهشة بمقاييس زمنها، يعني يقول لي: اطبخي حلة أرز وفي وسط الأرز المطبوخ دسي رسائلك لي..أو افتحي أرغفة العيش فتحة خفيفة وضعي لي فيها عدة أقلام..أو افتحي قاعدة الشنطة الجلدية التي تحملي فيها أغراض الزيارة وارفعي (السِنادة ) وضعي تحتها الكتب والمجلات التي أطلبها منك..أو كيف أضع ما تيسر من تلك (الممنوعات) في طيات الملابس..أو استغلال (الكراتين) التي أضع له فيها الطعام وهو ما ستقرأه بالتفصيل في رسالته.. وفي أيام التحقيقات معه أمام النيابة أو المحكمة ابتكرنا طرقا طريفة لتوصيل أو تبادل الرسائل، يعني أول ما أشوفه احتضنه وكأني أسلم عليه بشوق، وفي لحظات أكون قد دسست خطابا في جيبه أو يدس هو ورقة في يدي..ولم يكن صلاح يتوقف عن الطلبات في خطاباته لي من السجن، وفي أغلبها كانت لزملاء له من المحبوسين معه..يعني مرة طلب أن أشتري (حذاء كوتشي) لزميل، ولما ذهبت في أول زيارة للسجن سألني : فين (الكوتشي)؟، قلت له : يا حبيبي اشتري كوتشي إزاي من غير ما أعرف مقاس زميلك.. مش تاخد بالك من التفاصيل دي ؟.. وفوجئت أنه بعد فترة (ضرب) صداقة مع حراس السجن، وكانت بعضهم يقوم بتوصيل رسائله لي (ديلفري) إلي البيت، ومرة لقيته يطلب مني في خطاب أن أشتري دواء غالي الثمن لبنت واحد من حراسه في السجن لا تستطيع ظروفه المادية أن تتحمله واشتريته بحوالي أربعين جنيها وكان مبلغا وقدره في تلك الأيام.. وساعات كانت يطلب أكل زيادة ليوزعه علي زملائه من المساجين المحرومين من الزيارة أو من لم يستطع ذوويهم تدبير زيارة لهم..وكان يحكي لي عن مواقف طريفة تحدث أحيانا يقصها عليّ وهو يتميز من الغيظ كواقعة زميله السجين الذي اعتبر (كرتونة البيض) الموجودة في زنزانة صلاح مشاعا فكان يتسلل كل صباح ويضرب خمسة بيضات نيئة في إناء ويشربها (علي الريق) لتقوية صحته وكأنه في معسكر منتخب الملاكمة وليس في سجن!».
كانت (حبسة) سبتمبر 1981 هي الأخف وطأة بين (حبسات) صلاح عيسي، فقد كان فيها تساهل ومرونة مع المعتقلين فيها بتوجيهات من الرئيس السادات نفسه، لدرجة أن أمينة النقاش فوجئت يوما بتليفون في البيت من زوجها المعتقل، فسألته باستغراب: هو أنت في سجن ولا فندق خمس نجوم؟!..تحكي لي :»‬كانت الزيارة وقتها تتطلب الحصول علي تصريح من مكتب المدعي الاشتراكي، وأول مرة أروح أخذ تصريح قابلني ضابط كبير وفوجئت به يسألني:أنتي بقي أمينة النقاش؟!..قلت له بفضول وتوجس: أيوه أنا..قال بثقة : المفروض تكوني مع جوزك وأختك وجوزها في السجن!..ثم شرح لي : التسجيل اللي اتمسك فيه جوزك وأختك (فريدة) وجوزها ( حسين عبد الرازق) كان اسمك فيه، لكن الرئيس السادات لما سمع التسجيل قال (ما تمسكوش) أمينة علشان تاخد بالها من العيال ( يقصد أولاد فريدة وكانوا صغارا وقتها)!
»‬والشهادة لله أن السادات فوق ذلك لم يقطع مرتبات المعتقلين، ولذلك أميل إلي تصديق ما قالته السيدة جيهان السادات عن أن زوجها كان يقصد من حملة سبتمبر أن يتحفظ فقط علي المعتقلين لفترة حتي ينتهي من استرداد أراضينا في سيناء بدون (شوشرة) من المعارضة..وكنت حينها مسئولة لجنة الحريات بحزب التجمع وبتلك الصفة استطعت مع جهات أخري أن نستصدر قرارات بنقل المعتقلين المرضي إلي مستشفي قصر العيني كان منهم إسماعيل صبري عبدالله وصبري مبدي وفؤاد مرسي وآخرين..وبتلك الصفة قابلت وفوداً من منظمات دولية لحقوق الإنسان.
ونجحنا في ممارسة ضغوط علي السلطة للتحقيق فيما أشيع عن وجود مرض التيفويد المعدي بين بعض المعتقلين وأدخلنا إليهم الأمصال اللازمة خشية أن تنتشر العدوي.»
وفي تلك (الحبسة) تلقت أمينة النقاش من صلاح عدة رسائل كان أهمها تلك الرسالة الطويلة التي حكي لها فيها بالتفصيل كل ما يجري وراء الأسوار في سجن مزرعة طرة  حيث وضع السادات مئات من رموز الصحافة والسياسة والفكر..يقول نص الرسالة التي تنشر لأول مرة :
»‬سجن ملحق مزرعة طرة 15/11/1981..حبيبتي أمينة : الأحوال عال العال وآخر تمام ولولا أنني أحترق شوقا لرؤيتكواحتضانك وتقبيلك لما كان هناك شيء يدعو للانزعاج، فقد فكّت الحبسة، وكان إضرابنا عن الخروج للفسحة لمدة نصف يوم كافيا لكي تتركنا إدارة السجن نخرج طوال اليوم ونأكل معا ونتشمس معا، كما سمحوا لنا بشراء مقاعد..فأصبح لدي كل منا مقعد بلاج يجلس به في الشمس يقرأ الصحف.. أتمشي صباح كل يوم لمدة نصف ساعة وأحيانا ساعة، ثم تبدأ جلسات النقاش والمزاح، ليلة أمس قررنا أن نقدم من زنزانتنا رقم 24 برنامجا إذاعيا عنوانه ليلة الرئيس الكبري، وكانت إذاعة آخر هلس، تضمنت نكتا وقفشات وأشعار ومقالب وفوازير وبرامج لا يمكن كتابتها، وضحك الزملاء حتي استلقوا علي قفاهم. كنت أود أن أكتب لك منذ أيام، ولكني انتهزت فرصة نزول د.خلف الله (يقصد الكاتب والمفكر اليساري محمد أحمد خلف الله)لأضمن وصول الخطاب بسرعة عبر
د. يحيي(يقصد يحيي الجمل وكان هو محاميهم)، وسأكتب لك أيضا عند نزول د. فؤاد مرسي للتحقيق، لأن التحقيق مع الذين يقيمون في ملحقنا السعيد أوشك علي الانتهاء، فقد نزل اليوم فتحي رضوان ود. خلف الله وهيكل، ولم يبق أحد لم يحقق معه من الذين يقيمون هنا سوي فؤاد مرسي وعصمت سيف الدولة وحلمي مراد والزيات، وبعدها تنتهي قصة من يقيمون هنا، فإذا لم تفتح الزيارات بعدها أو يفرج عنا، فسيصبح الاتصال صعبا.
لاحظت في رسائلك لي ولحسين – وأنا أقرأها- أنك حزينة أكثر مما ينبغي، أعلم أنك مرهقة ولكن الأمر لا يدعو لكل هذا الحزن، لم يحدث شيء، كان رأيي منذ البداية أن الرجل (يقصد السادات) قد جنّ، جنونا حقيقيا، ومنذ أول أسبوع وأنا أعلم أننا لن نخرج إلا بعد أن (يهبط) وتهدأ عصبيته الشديدة، وقد استطعنا في الأسبوع الأول من حبسنا أن نقرأ خطابه الذي ألقاه بشأننا في مجلس الشعب، وكان مثار سخرية، أخطأت إدارة السجن فأتت لنا بسكر من الكانتين في أكياس من عدد الأهرام الذي تضمن الخطاب، وبعد ذلك بدت الحبسة ثقيلة الدم، ولولا قلقي الشديد عليك، الذي كان يتوقف كلما وصلني منك أي شيء، ثم يثور مرة أخري كلما كان هناك شيء، لذلك أرجوك أن تتفاءلي وأن تبتسمي وأن تثقي أنه لا مأساة هنا في السجون تدوم والفراق ليس إلا أيام ستنقضي أسرع مما انقضي غيرها، وسوف نعود جميعا إليك، لنضحك من أعجب حبسة في تاريخ مصر المليء بالحبسات.
لم يتح الوقت لكي أحكي لك عما جري في التحقيق، ومن المهم أن تعرفيه، كان المحقق هو الأستاذ محمود هاني وهو رئيس نيابة منتدب من نيابة أمن الدولة العليا، وواضح أنه قد قرأ التحقيق معي في قضية المدعي الاشتراكي السابقة، وفي قضية معرض الكتاب، وعلم أن من مبادئي ألا أجيب علي أية أسئلة تتعلق بالعقيدة أو بالرأي السياسي في أي تحقيق،احتفاظا بحقي الدستوري في أن أعتقد ما أشاء وأري ما أود رؤيته، لأن هذا غير مؤثم في الدستور ولا في القانون، وقد عاملني باحترام، وسألته عن الموضوع، فقال أنه موضوع بسيط، وقد بدأ التحقيق معي قبل وصول إمام رفاعي، وحين سألني عن المعتقدات السياسية التي أعتنقها، شرحت له موقفي وقلت له أنني صاحب موقف ثابت في هذا الشأن ولن أجيب علي أي سؤال يتعلق بهذا الشأن، وإنني حريص علي أن يكون الجو بيننا ودودا، لذلك أرجو ألا يوجه إليّ أسئلة إلا في وقائع محددة، وقد تفهم موقفي وقال إنه سيوجه الأسئلة ومن حقي أن أجيب بما أشاء.
وردا علي سؤاله عن معتقداتي قلت له إنني مؤلف وكاتب ولي كتب كثيرة ومئات الدراسات والمقالات ويمكن الرجوع إليها لمعرفة معتقداتي، وبدأ بعد ذلك يسألني عن موقفي من اتفاقية كامب ديفيد فقلت له:إذا كانت هناك وقائع منسوبة إليّ تتعلق بالموضوع فأنا علي استعداد للإجابة، فلم يقدم وقائع، سألني أيضا عن رأيي في الفتنة الطائفية والإرهاب فأجبت بنفس الإجابة، وكذلك علي سؤال يتعلق برأيي في السياسات الاجتماعية والاقتصادية والدولية للحكم الحاضر، ثم قرأ من مذكرة المباحث قائمة بالقضايا التي اتهمت فيها قبل ذلك وقد فسرتها له وقلت إنها جميعا كانت عدوانا علي حريتي، لأن المباحث قدمت تحريات ثبت كذبها بدليل أن بعض هذه القضايا قد حُفظ، وأن القضية الوحيدة التي حوكمت بسببها (يناير 1977) قد بُرأت فيها، وقال أن المباحث تتهمني بأنني من قيادات الحزب الشيوعي المصري، فرددت بأن هذا الحزب واضح، بدليل أن المباحث قدمت الحزب الشيوعي المصري في خمس قضايا لم تشملني أيا منها، وأشار إلي القضية التي كنت متهما فيها أمام المدعي الاشتراكي قبل ذلك، فأحلته إليها، وأشار إلي قضية معرض الكتاب فأحلته إليها، وكان ملف القضيتين أمامه، وانتهي التحقيق دون أن ينسب إلي تهمة من أي نوع،. وواضح من هنا أن الموضوع هلس في هلس وتخليص حساب، فأرجو أن يكون هذا الأمر واضحا خصوصا لنقابة الصحفيين حتي لا يُخدع أي إنسان يطالب بالإفراج عنا بأن هناك تحقيقات أو موضوع يجري فحصه، فلا تحقيقات هناك ولا يحزنون.
أرجو أن ترتبي وسيلة لإرسال خطابات في حالة انقطاع هذه الوسيلة المتعلقة بالتحقيقات وعدم فتح الزيارات، وأن تفكري في هذا جديا،بالنسبة لي فأحسن وسيلة هي وضع الرسالة في جوانب الكراتين التي تأتي فيها بالأكل، وسأُخرج لك الكرتونة فيها الفوارغ، فإذا وجدت علي جدرانها اسمي باللغة الإنجليزية فاعلمي أن في الجانب المكتوب عليه الاسم خطاب واعملي علي تمزيق الكرتونة وإخراجه، أما بالنسبة لك، فعندك عدة وسائل، أسهلها وضع الرسائل في برطمان الخضار، واطمئني، فالأكل الذي يصل إلي باب الملحق لا يُفتش تقريبا إلا تفتيشا ظاهريا، هناك أيضا طريقة وضع الرسالة في أنابيب المعجون (الأسنان أو الحلاقة)، وهناك طريقة وضعه في الكرتونة إذا كنتت تتقنينها، اختاري الطريقة التي تفضلينها، واخطريني بها في خطاب يصلني مع أي واحد من الملحق يُحقق معه.اختاري الطريقة بسرعة لأن التحقيقات سوف تنتهي غالبا مع نهاية الأسبوع القادم.الناس هنا يستعجلون الإفراج بشدة، ولذلك فالحبسة قلقة جدا وغير ثابتة.تقديري الشخصي أن هناك إفراجا لن يزيد عن منتصف الشهر القادم، ولا يخل بهذا موضوع المعتقلين فأنا أري أنه سيُصفي، ذلك أن أحدا لم يعد يستطيع أن يحكم مصر بالمعتقلات تحت أي ظرف، فأرجو أن تطمئني، وأن تحاولي أن تنظمي حياتك وتخفضي من كثير من الواجبات التي لا ضرورة لها، وتعيشي حياة أقرب إلي العادية وبلا أحزان أو دموع من فضلك، لا مأساة هناك، ولكن هناك العادي والطبيعي في حياة رجال ونساء اختاروا منذ زمن طويل أن ينتموا لغير أنفسهم، وهذا هو نصيبهم في وطن مليء بتعاسات لا حد لها كوطننا.
وصلنا الصحفي الشاب محمد عبد القدوس ابن الأستاذ إحسان عبد القدوس قادما من أبو زعبل حيث يوجد نبيل والمعتقلين معه وأبو العز وعودة وقباري ومناف وعدد من الناصريين، والمعاملة هناك رديئة، وتقديري أن المعاملة ستتحسن في جميع السجون قريبا، عرفنا أن المضربين عن الطعام مازالوا مستمرين حتي أمس 10/11/1981 في طرة،والإدارة تساومهم في السماح لهم بالزيارات وبالأكل وفتح الزنازين، لكنهم يصرون علي عرضهم علي النيابة، نساعدهم بقدر الإمكان.
قرأنا حوار اليسار مع (المصور)، وهو معقول بشكل عام، والاتفاق هنا علي أن موضوع إدانة الإرهاب زائد عن حده، إذ ينبغي أن لا يكون علي حساب مصادرة التيار الديني المستنير أو الذي لا يستخدم العنف، وينبغي كفالة محاكمات عادلة لكل من قُبض عليه، والتأكد أن هناك تُهمان والاعتراض علي تعديل قانون الطوارئ بما يسمح باعتقالات بلا نهاية، كما أن سقطة يحيي الجمل لا يمكن غفرانها، وخاصة لأنها تصدر منه بالذات، ماله هو والمستقبل وما أشبه!.
هناك خدمة أرجو أن تقومي بها نيابة عن زميل لنا هنا بلا أسرة، وتكاد شقته تضيع، هو د. عبد المحسن حمودة، فأرجو أن تسحبي حوالة بريدية باسم السيد رئيس مجلس إدارة شركة الشرق للتأمين بمبلغ ثلاثمائة وسبعون جنيها مصريا، واسم الراسل د. عبد المحسن حمودة، وتضعيها في خطاب مسجل ومرفق بها خطاب نصه »‬ السيد رئيس مجلس إدارة شركة الشرق للتأمين..أتشرف بأن أرفق أربعة حوالات بريدية رقم (كذا) بمبلغ مائة جنيه، ورقم (كذا) بمبلغ مائة جنيه، ورقم (كذا) بمبلغ مائة جنيه، ورقم (كذا) بمبلغ 70 جنيها، وذلك قيمة إيجار الشقة التي استأجرتها من الشركة بالعقار رقم 3 ميدان العادل أبو بكر بالزمالك، وذلك عن المدة من يونيو 1980 إلي ديسمبر 1980 وتفضلوا..وإمضاء د. عبد المحسن حمودة»، وتضعي كل هذا في ظرف وترسليه مسجل بعلم الوصول وتحتفظي بكعوب الحوالات معك حتي نعطيها للدكتور حمودة الذي سوف يحوّل لي المبلغ إلي أماناتي في السجن أو يدفعه بعد خروجه، لأن عدم دفعه للإيجار سيطيّر منه الشقة.
ترتيبات الطعام الأن جيدة، أنا شخصيا لا أريد شيئا إلا (المارلبورو) فقط. أرسلت لك الشنطة الجلد لأنها بايظة فأرجو إرسال غيرها لأنقل فيها أشيائي عند الخروج.
 أرجو أن تطلبي من صفية ( يقصد شقيقة د.محمد عبد السلام الزيات وكانت هي الوحيدة من أسرته خارج السجن بعد اعتقال شقيقتهما د. لطيفة الزيات) أن تشتري للدكتور الزيات روباً شتوياً عادياً مما يباع في مصر، وأن تكتب له عن طريقك أو بخطها أخبار أسرته وعن أنباء الوالدة والمنزل وكيف يتم ترتيب أحواله في الخارج وما أشبه، فلا أنباء تصله، وأن تتصل بالأستاذ صلاح عبد المجيد المحامي بمنزله بعمارة الشمس بشارع المبتديان ليحضر معه التحقيق، وأن تحرص علي الحضور يومها لكي تري الدكتور الزيات وتطمئن علي الأحوال. الدكتور صحته جيدة وأحواله عال وهو يشكرك جدا علي عنايتك ورعايتك له ولدكتورة لطيفة.
ياحبيبتي اللذيذة الجميلة..أشعر براحة شديدة لأنني دردشت معك كل هذه الدردشة الطويلة، وأود أن أقول لك أنني أحبك جدا وأهواك هوي عظيما، وأعشق كل ما فيك، وأطلب منك أن تضحكي، وألا تبكي، استأنست قطة هنا وهي تنام في زنزانتي وتظل طوال اليوم بين أقدامي وأطلقت عليها اسم مشمشة..وتعالي أُقبلك..صلاح..ملحوظة : تحياتي لرشا ولجاسر (أولاد فريدة النقاش وحسين عبد الرازق وكانا برعاية أمينة لوجود والديهما في السجن) ولعلهما بخير..محمد خليل يحييك..تحياتي لبابا وعبدالله..قبلاتي لحسناء(يقصد حسناء مكداشي صاحبة دار الفتي العربي للنشر) وصفاء( يقصد صفاء زيتون زوجة نبيل شعث وتوفيت بعد ذلك في حادث سيارة)  وفريال( يقصد فريال غزول) وقلبي معهم جميعا..ملحوظة ثانية علي هامش الصفحة : وصلت الكولونيا إلي فائق وفريد (يشير هنا إلي زميليه المحبوسين محمد فائق وفريد عبد الكريم ) وهما يشكرانك وهما بخير..عندي كمية من (اسبازمو كانيولاز ) كفاية..ص »‬.

3
كان السؤال الذي أجلته لنهاية حواري مع أمينة النقاش عن (حبسات) صلاح عيسي الكثيرة: ألم تنزل دموعه في مرة، في لحظة ضعف إنساني متوقعة، في واحدة من زياراتك له ؟..وكأنها كانت تتوقع السؤال، فتجيبني عليه بلا تفكير: أبدا والله..صلاح كان شخصية صلبة جدا وعنده قوة داخلية غير عادية..صلاح كان عنده مبادئ مؤمن بها ومستعد يدافع عنها ويدفع الثمن..في تجارب سجنه عمري ما شفت دموعه..لكن المرة اللي شفته يبكي فيها بكاء مرا وبلا حساب كان يوم وفاة أمه وكان يحبها بجنون ومتعلق بها كالأطفال.. وأيامها – سنة 1985- كتب مقالا مؤثرا جدا في رثائها كان عنوانه (وردة علي قبر أمي)، نشره في (الأهالي)، وبعد النشر أرسلت له المذيعة الشهيرة نجوي إبراهيم رسالة خطية جميلة ما زلت أحتفظ بها، ويقول نصها : »‬ السيد الفاضل صلاح عيسي..إني أضع معك باقة ورد علي قبر أمك..وأرجو منك يا سيدي ألا تستأذن ثانية..فالجميع – الأن- محتاج لمئات من هذه المقالات الدافئة..الحنونة، المليئة بالعرفان والحب..لم أستطع أن أصادر دموعي وهي تمسح كلماتك الرائعة من فوق الأوراق لتثبتها في وجداني، فأنا أم وكل زادي من الدعوات – لولديّ- هو نفس الدعوات التي تدق في أذنيك تعزف موسيقي الوفاء لأعظم البشر..الأم.
أعرفك يا سيدي بأنك أثرت غيرتي من كلماتك الصافية الصادقة..حتي أنني تمنيت أن أموت – ولو ساعات- حتي يطمئن قلبي وأتأكد من إجابة سؤال : هل يا تري أنا أُعشش في خلايا القلب لابني الحنون ؟ هل يكتب لرثائي مثلما كتبت ؟..أحاول أن ألملم بعض الوريقات الصغيرة..أرسلها لي ولديّ..فأجدني أرفرف وأسابق دقات قلبي من فرط السعادة..فما أعظم إحساسنا بالسعادة والأمان حين نتأكد من العرفان..حين نتأكد من الحب..أرجو منك يا سيدي ألا تستأذن منا ثانية في وضع باقة ورد علي قبر أمك رحمها الله..نجوي إبراهيم..أم ومذيعة بالتلفزيون المصري.الأربعاء 27/3/1985..ملحوظة : قرأت مقالتك مع ولديّ حكم وناصر وهم بجواري يسجلان معي نفس الإحساس المرحب والمحب لمقالتك الرقيقة »
تناولني أمينة النقاش رسالة نجوي إبراهيم ثم تعود لدموع صلاح عيسي : »‬ لم يبك صلاح أبدا من السجن ولا حتي الحبس الانفرادي ولا التعذيب الذي تعرض له في (حبساته) في سجون عبد الناصر..لكن دموعه كانت تسيل لمواقف إنسانية داخل السجن تأثرا وإشفاقا علي أخرين..كتب مرة عن هذا الموقف في حبسة سبتمبر 1981 : ويوما بعد آخر كانت آلامي النفسية تزيد، وشوقي لأبي يملأ القلب، وخوفي أن يموت فتحول الأسوار بيني وبين أن أٌقبّل جبينه، فأُسبل عيونه، وأتلو عليه الشهادتين، وأحضر غُسله، وأتلقي العزاء أمام قبره، تملأني تعاسة كنت أصرفها عادة في تأمل مناضلي الحرس القديم وهم يتجولون في فسحة الضحي أمام زنزانتي : فتحي رضوان وفؤاد مرسي وإسماعيل صبري عبدالله وعصمت سيف الدولة وإبراهيم طلعت وجلال رجب..والمرحومين عبد العزيز الشوربجي ومحمود القاضي وعبد الفتاح حسن، وليس فيهم واحد يخلو من الأمراض، ومع ذلك فهم يتحملون السجن بشجاعة ويصمدون أمام ظروفه القاسية، ويضحكون في وقار، ويتحدثون عن الوطن في حماس، فأقول : لا نامت أعين الجبناء..وذات ضحي اقترب مني المرحوم عبد الفتاح حسن (القطب الوفدي) ونحن ننشر بطاطيننا في الشمس وهمس في أذني دون أن يوجه إليّ الحديث مباشرة : خلي بالك من فؤاد باشا..وهزني حدب الرجل العجوز علي صديق عمره وأشرت إلي عيني بسبابتي دون أن أتكلم، ثم مسحت بهما دموعي وأنا ابتعد عنه بسرعة».
كانت دموع صلاح – تضيف العارفة به- تسيل في مواقف إنسانية تهز قلبه..يعني أكشف لك عن سر أقوله لأول مرة.. يوم الحكم ببراءة حسني مبارك، كان صلاح قاعد يتابع الجلسة باهتمام، وبعدين لقيت دموعه نزلت بعد الحكم..كان رأي صلاح الذي لم تغيره الظروف أن مبارك زعيم وطني غير ديموقراطي..ممكن يكون حكمه شابه الفساد والاستبداد لكن وطنية الرجل لا تقبل الشك..وكان علي يقين أن حكم التاريخ سيكون في صالح مبارك ».
وأسأل أمينة النقاش أخيرا: ما هي العادة التي اكتسبها صلاح عيسي من السجن وظلت معه في سنوات الحرية؟..بعد ضحكة صافية ترد : حب القطط..في السجن كان عنده قطة يحبها ويرعاها ويلف علي الزنازين ليجمع بواقي الأكل ليقدمه لها..وبعد خروجه من السجن كان عندنا في البيت مجموعة قطط كان هو المسئول عن أكلها وشربها ولو فيه قطة تعبانة يرعاها لغاية ما تخف..كان إنسانا لن يجود الزمان بمثله».
وعندما كنت أجمع أوراقي استعدادا للانصراف لمحت صورة مكبرة لصلاح عيسي اختارتها أمينة النقاش لتكون صورة الشاشة الرئيسية لجهازالكمبيوتر الشخصي الخاص بها، وشعرت أنه كان يراقب حوارنا الطويل، ولم أملك سوي أن أحييه بنفس التحية التي طالما سمعتها منه طوال سنوات عملي معه : صباح الخير يا جميل!