رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

محمد أبو السعود الذي خدعه المسرح


جرجس شكري
2/9/2019 12:30:57 PM

لقد اعتقدت  بالخطأ في هذا المسرح، لقد كنت حالماً وصدقت أن هؤلاء  أمنوا بالمسرح وأمنوا بموهبتك، نعم تعاطف بعضهم معك  لكن لم يكن هذا كافيا،ربما كانت حقبة التسعينات  التي شهد مطلعها المهرجان الأول للمسرح الحر وسبقه ثلاث دورات للمهرجان التجريبي، بداية مرحلة جديدة للمسرح المصري آمن بها الجميع ،و كانت الفترة شهدت ليس فقط حراكاً مسرحياً أنتج  مدارس واتجاهات مسرحية جديدة ومغايرة للسائد والمألوف  بل إبداعاً مغايراً في شتي الأنواع الأدبية والفنية، وكنت أنت أحد هذه النتائج  .
فتحت المؤسسة الثقافية الرسمية أبوابها لك ولكل هذا الجيل  الذي قدم إبداعاً غير مألوف، وسافرت أنت وأخرون إلي إيطاليا للدراسة في الأكاديمية المصرية في روما وعدت أكثر تألقاً وتمرداً، وفتح لك مركز الهناجر أبوابه فقدمت بعد برايسكا، الأيام الخوالي، وأحلام شقية والبلكونه وساحرات سالم وأنتيجون في رام الله أنتيجون في بيروت  وغيرها ، وأدركت منذ البداية أن الاستقلال فكرة  تجسدها علي خشبة المسرح وليس مجرد لافتة، أسست فرقة الشظية والاقتراب  وعملت في مسرح الدولة بشروط الفكر المستقل، ولكن يبدو أن هذا الحراك كان مشروطاً، كان مرهوناً بوجود بعض الشخصيات ما إن ذهبت حتي تراجعت  هذه الحركة التي بدأت في التسعينات ولم يتبق منها سوي بعض الأشخاص الذين راحو ينحتون الصخر للإستمرار، حتي التيار الذي عرف في البداية بالمسرح الحر ثم المستقل وكنت أنت أحد تجلياته   بدأ أيضاً يتراجع وفي أحيان كثيرة يختفي . ولا أعرف كيف تبدل المشهد واحتل اخرون مقدمة المسرح والصفوف الأولي ولم يعد المسرح الذي أصابنا بالدهشة موجوداً بل نوعاً من المسرح كان نتاجه مايسمي بمسرح الفضائيات . فشعرت أنت وغيرك بوجود هوة سحيقة بينكم وبين هذا النوع من المسرح والمسئولين عن إنتاجه، فما إن انقضي العقد الأول من هذه الألفية حتي  تغير المشهد  تماماً، فهل كنا نحلم ..؟  ماذا حدث، هل كان وهماً  فلا مسرح ولا تيار مستقل ولا عروض مسرحية تصيب المشاهد بالدهشة من خلال جماليات مغايرة للسائد والمألوف، لا إبداع ، فقط عروض للإستهلاك اليومي، عروض لها تاريخ صلاحية  لا يتجاوز بضعة أيام ويصيبها العطن ! إذ فجأة ذهبت التيارات الحديثة ونظريات التجريب، تلاشت جماليات المسرح لصالح مجموعة من الاسكتشات الساخرة والمسرحيات المباشرة الفجة،  فماذا حدث .؟
لم أشاهد المسرحية الأولي لمحمد أبو السعود"جبل الطير"وشاهدت ثاني أعماله  الاحترافية و كانت برايسكا  في مسرح الهناجر  والمأخوذة عن توفيق الحكيم، كانت صدمة  بالنسبة لي،مفاجأة  سارة أن يقدم هذا الشاب ابن جيل التسعينيات هذا العرض المبهر  الذي ينتمي إلي مسرح الصور، شاهدت العرض عدة مرات وكتبت عنه  وقرأت استاذتي  نهاد صليحة وكنت مازلت أدرس في معهد النقد الفني، فقالت لي  لقد منحتك الدرجة النهائية علي هذا المقال، فلم يعد لزاماً عليّ أن أقدم بحثاَ ، وكانت تلك أولي هدايا  محمد أبو السعود لي عام 1995 وصرنا صديقين  تجمعنا المسارح  والكتب  والشعر والمقاهي والحانات والليل في الشوارع .
كنت في ذلك الوقت مبهوراً بمسرح الصور الذي شاهدت بعض عروضه في المهرجان التجريبي  وقرأت عنه كتاباً أيضاً من إصدارات المهرجان وفجأة وجدتني أمام هذا النوع وأنا أشاهد "بريسكا" لمحمد أبو السعود فكتبت عام 1995" ينتمي هذا العرض في مجمله إلي مايعرف بمسرح الصور، والذي يؤكد علي أهمية البعد الكيفي فيما يتعرض له من فنون تشكيليه مثل الرسم والنحت، وبذلك يُدخل التجربة المسرحية في سياق ترتيبي زمني إلي تجربة تنشطها انطباعات الحواس ويسودها عامل المكان . وكما هو الحال في الفن التشكيلي الحديث فإن مسرح الصور أيضاً لا زماني . وقد وزع محمد أبو السعود  في هذا العرض الرؤية الزمانية بين الزمن المجرد والزمن المباشر.. تمثل الأول في مجموعة التابلوهات التي عُرضت علي المسرح والتي كانت تنقل المشاهد إلي زمن آخر زمن العرض،حيث تفرض عليه تحليل مكان التابلوه الخاص في الهيكل الفني، كما أنه يوقف عامل الزمن عن طريق الزج بمشهد معين في بؤرة الإهتمام . وقد اعتمد عرض بريسكا بشكل أساسي علي التابلوه وخيال الظل والاستعرض الراقص والموسيقي والغناء الذين شكلوا رؤية سينوغرافية أفادت العرض إلي جانب الشعر، ولكن كيف تم هذا ؟ طرح المخرج  العديد من الرؤي حول فكرة الموت والقهر والحب والجنس والسياسة، مع مزجها بقصائد ثلاث اعتمد عليها العرض، وهي: يوتوبيا المقابر التي اعتمد عليها بشكل أساسي وجاءت لتتناسب أو تقترب من أسطورة أهل الكهف لتوفيق الحكيم. أما قصيدة الكنيسة الباردة وأحلم أني المسيح فربما كان الاستثمار فيهما أقل. وقد قدم محمد أبو السعود لنا مسرحاً مبهراً جمع فيه بين الصورة والكلمة ومزج بينهما بحرفية وأفاد من التكنولوجيا، فجاء العرض عبارة عن مجموعة من اللوحات جمعت بين الرقص والموسيقي والصور وخيال الظل والشعر والحوار والمكثف . لوحات  استعراضية راقصة اعتمدت علي الحركة والرؤية البصرية . فثمة إيحاء بأن هناك تجربة ورؤية يحاول محمد أبو السعود طرحها ولكن من خلال العديد من الرؤي والخيوط الدرامية التي أفادت العرض الذي جاء عبارة عن مجموعة من أوراق اللعب الرابحة التي امتلكها المخرج ويستطيع أن يستمر في استخدامها بطريقة أكثر ترتيباً في عروض مقبلة، وفي النهاية، نحن أمام تجربة جيدة  ورؤية متمردة لمخرج شاب ثار علي كل القوالب الجامدة  وحاول تقديم مسرح مغاير. هذا ماكتبته عن محمد أبو السعود عام 1995   وقد ظل مخلصاً لهذا الأسلوب في أغلب عروضه حتي المسرحية الأخيرة " إفريقيا أمي " التي أقام معرضاً خاصا باللوحات التي صممها لهذا العرض قبل افتتاحه، حيث كان يرسم عشرات اللوحات لكل عرض قبل أن يضعه علي خشبة المسرح .          
اختار محمد أبو السعود  المخرج المسرحي الموهوب أصعب النصوص وأعمقها  بدءاً من توفيق الحكيم  ومروراً بأرثر ميلر وهارولد بنتر وبيتر شيفر وجان جينيه ووصولاً إلي شكسبير  ومارس الكتابة المسرحية بالإضافة إلي براعته في السينوغرافيا فقد كان رجل مسرح يقدم مشاهد مسرحية بروح الشعر، كانت العروض بمثابة قصائد تدب فيها الروح علي خشبة المسرح، فقد كانت السينوغرافيا بكل عناصرها شغله الشاغل في كل عروضه التي قدمها والتي تبدأ من الاسكتشات التي كان يرسمها في المرحلة التحضيرية وصولاً إلي المنظر المسرحي الساحر وبراعته في الصياغة المشهدية، وظل مخلصاً لهذا النوع من المسرح بجماليته الشعرية، ظل مخلصاً للمسرح بمعناه الفلسفي العميق  في علاقته بالروح الإنسانية . ولكن الإخلاص وحده لا يكفي فقد تغيرالمشهد المسرحي ولم يعد مهيئاً لإستقبال هذا النوع من المسرح، أو هذه الأفكار الفلسفية، لقد حاول أبو السعود وآخرون، وكان بين الحين والحين ينجح هؤلاء في تهريب عرض مسرحي ينتمي إلي حقبة التسعينات من حصار العروض الاستهلاكية منتهية الصلاحية، فغضب محمد أبو السعود وأخرون ولم  يكن أمامنا سوي الغضب، فلم يكن باستطاعاتنا تغيير المشهد أوإزالة كل هؤلاء المسئولين من الحياة المسرحية!  فهل ما حدث في تسعينيات القرن الماضي كان خدعة بدأت  تتضح معالمها في العشرية الأولي من الألفية الجديدة؟ وفي العشرية الثانية أصبحت الكلمة العليا لما يسمي بمسرح الفضائيات. فهل ماسبق كان خدعة  يا محمد؟ وحين صدمني خبر رحيلك تركت كل ماكتبته عنك وتذكرت الكلمات الأولي التي كتبتها عنك، اللقاء الأول في مسرح الصور! ربما كنت أريد أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة !