رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

شعور باليُتمِ يأبي الفطام جوع مزمن .. بلون الحليب


للفنانة: جاذبية سري

للفنانة: جاذبية سري

د. سميّة عزّام
3/1/2019 1:29:37 PM

يتمرّد مفهوم »الأمومة»‬ علي التفسيرات والنظريّات؛ إذ كفي به أنّه شعور فطريّ وسلوك تلقائيّ! غير أنّ مفهوم »‬الطفولة» يلتبس لدينا، ويستعصي علي الفهم، لاسيّما إذا طفا في نزوعنا، ورغباتنا، كأنّه كان كامنًا في أعماقنا، فوجد منفذَا – فرصة للخروج والإفلات.
حنين إلي الطفولة لا يقفز من جوانحي إلّا حينما ألتقي بأمّي، أو أواجه شقاوة أحد أبنائي، فتعود بي الذاكرة إلي ما كنته، وما فطرت عليه من نشاط مفرط حدّ الإرهاق. إنّما هو إرهاق لذيذ. عندئذٍ تتبدّي حقيقة واحدة أصيح بها، هي أنّ الحياة تعمّها السعادة، هنا والآن!
كلّما زرت بيت أمّي أشعر بالجوع حدّ النهم في محاولتي اليائسة لإشباع رغبتي في التزوّد بما فاضت به يداها. هو جوع عتيق بلون الحليب، ورائحة الحضن الدافئ، وبطعم شقاوة طفليّة هاربة من لقمة إضافيّة، ومن رقم في جدول حساباتها لم أكن أدرك أهميته إلّا حين مارست لعبة الحساب نفسها مع أولادي.  كأنّني بالطفلة القابعة داخلي تنتفض علي ما فاتها من لقم، فتتبّع آثار خطي الأرغفة في عبق الذاكرة.
عندما أعانق أمي ، أشعر باتّساع العالم، وبتقلّص حجمي إزاءه. وأنتظر مطمئنّة متي تستحيل أصابعها أسنان مشط تغوص في خصلات شعري المصفّفة بعنايةِ من علّمتها هذه الأصابع ألّا تهمل تسريحها كي لا تنغرز أسنان المشط أثلامًا محفورة في جلدة الرأس.
أتمارض، لا أفكر كيف أبتدع حجة مرضي، كما كنت أفعل صغيرةً، هربًا من يوم دراسي، بل يجتاحني الألم دفعة واحدة ليسري في عروقي، هو ألم الفقد إلي حضنها وأنا في حجرها. المراوغة نفسها تأبي مفارقتي علّني أحظي ببعض الأمان. – اخلعي معطفك – فأمتثل، وما كنت أخضع يومًا، لتدثّرني بشال الصوف المشبع بتاريخ تعب يلمح في ثقوب القطب المحبوكة. أعبر من جديد - في تكوّري الجنيني – إلي عالم قذفني خارجه منذ زمن.
كيف الذي كنت أهرب منه، أصبحت أهرب إليه؟! لست أدري، ولا أبتغي تفسير الأمر.
في قصيدة »‬جناح الكآبة» من مجموعة »‬حزن في ضوء القمر» للشاعر السوري محمد الماغوط، تتفتّح أعمق الدلالات إلي حاجتنا إلي الأم في لحظات الخيبة، حين نشعر بأنّنا في عزلة تامّة عمّا يحيط بنا، وفي اغتراب عن أنفسنا؛ يتولّد لدينا الإحساس باليتم مهما بلغت بنا سنوات العمر، نناجي من وَلدتنا ورعتنا وأرضعتنا، ففطمتنا؛ نستصرخها رافضين الفطام. فلنصغِ إلي عويل الطفل في هذه القصيدة: »‬مخذول أنا.. لا أهل ولا حبيبة.. الحنين يلسع منكبيّ الهزيلين.. مدّي ذراعيكِ يا أمّي/ أيتها العجوز البعيدة ذات القميص الرّماديّ/ دعيني ألمس حزامك المصدّف/ وأنشج بين الثديين العجوزين/ لألمس طفولتي وكآبتي».
تواصل الأمّ أحيانًا القيام بدور سحريّ لاواعٍ، من شأنه شلّ نموّ »‬الأنا»، بحسب التحليل النفسي للموقف المتجلّي في صورة »‬التعلّق بالأم». فالأم، بوصفها رمزًا، هي الشكل الأوّل الذي يتّخذه اللاوعي الفرديّ. هي الغائبة الحاضرة أبدًا، وبالغة الحضور في غيابها. إنّما بعيدًا من التحليل النفسيّ، فللأم رمزيّة البحر والأرض، بمعني أنّهما وعاءان أو رحمان للحياة.. بيد أنّها بالنسبة إلي أيّ إنسان، وهو مولود من رحمٍ ببداهة الخلق، تمثّل أعمق تناغمات الحبّ، وأرفع الغرائز.
من التماثلات الصوتيّة الطريفة، ولعلّ الدلاليّة أيضًا، لفظ »‬أوم» (AUM / OM) وهو صوت صغير خلّاق، الصوت الأوّل، وفعل العالم وكلمته. يوضع في  مستهلّ كل تلاوة طقسيّة، وفي ختامها، لدي الهنود. يحمل نطقه شحنة من الطاقة الكبيرة والفعّالة. وإذا كان هذا الصوت البدئي (أوم) هو أصل الكائنات والأشياء في المأثور الهندوكي، فليس بعيدًا منه ما يمثّله النطق بالألفاظ: »‬أمّي/ أمّاه/ يامو/ يَمّا/ ماما»، ومناداة صاحبة هذه الكلمات الأقرب إلي الصوت أو النغم.
في بيت أمي تُنسج ألف حكاية وحكاية تستردّ حياة مستلبة، وتتأثّث جميعها من فقدين: فقد الذاكرة لوجودات »‬كانت» تخشي تسرّبها من ثقوبها، وفقد الحلم لما »‬سيكون» يمكّنني من تحمّل لامعقوليّة الواقع، فأمسي امتدادًا لظلّ هذا المكان.  
تغدو الأشياء أجمل في الحنين، نستشعر - بحضوره - وجودنا والماضي في خطونا؛ يصبح العالم أمثل حين نفقده، لكنّه الأمتع عندما ندركه قبل فقدانه، فتتعاظم صوره في لحظات تتمدّد أضعاف مضاعفة نعيشها بكلّيتنا، ونهتف: هذه هي الحياة!