رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( ٩٦ ) حين تركنا «لينا»


محمود الورداني [email protected]
4/6/2019 3:39:18 PM

كنت منزعجا ومتوترا بالطبع وأحاول السيطرة علي نفسي، وكان وجود لينا وتقلبها في الفراش مثيرا لمزيد من التوتر. لكن ماقاله الضابط بعد ذلك كان مفاجئا لي ، بل كان صادما. قال إن علينا أن نرتدي ملابسنا نحن الاثنين ونجهّز أنفسنا للذهاب معه. كان أقصي ما يمكن توقعه بالنسبة لي أن أكون أنا المطلوب، وطوال الفترة الماضية منذ حبسة العام الماضي، وحتي الآن لم يكن لعائشة أي نشاط وتفرغت لإنجاب لينا والانشغال بها. وكنت أعرف جيدا أن أوامر القبض تصدر وفق كشوفات معدّة سلفا، ومع ذلك لم أتصور أن يتم القبض علينا ومعنا لينا.
  طلبتُ من الضابط أن أري أمر النيابة، وأجابني بحسم بأن معه أمر إلقاء القبض علينا نحن الاثنين، لكنه لن يريني شيئا، ثم وجّه كلامه لعائشة، وقال إنهم سيخرجون إلي الصالة ريثما تجهز نفسها، ومسموح لها باصطحاب الطفلة أو تركها هنا. لم يكن الضابط فظا في الحقيقة إلا أنه كان حاسما ويريد إنهاء مهمته بسرعة، وبدا وكأنه محرج من موقفه. أما عائشة فقد كان مايجري أمامها غير مفهوم ولايمكن تصديقه، خصوصا وأن لينا كانت قد استيقظت تماما وراحت تتطلع لما يحدث وهي ماتزال في الفراش.
  كان حديثنا - عائشة وأنا -  في وجودهم، واستطعنا أن نتغلب علي حالة كتلك، ليست مأساوية فقط، بل وكافكاوية أيضا، ونحاول أن نجيب علي السؤال : هل تصطحب  عائشة لينا إلي سجن لانعلم ظروفه أو مداه؟ أم نتركها هنا وظروف حماتي الصحية لا تسمح لها برعاية رضيعة عمرها ثمانية شهور. كنا نتحدث أمامهم بسرعة وكنا مضطربين بطبيعة الحال، وانتهي الموقف باقتناع عائشة أنه يجب تجنيب لينا تجربة السجن وهي في تلك السن.
  خرجنا أنا والقوة إلي الصالة، وكانت حماتي قد استيقظت منزعجة أيضا، علي الرغم من أن موقفا كهذا لم يكن غريبا جدا عليها، فهي شقيقة المناضل الكبير الراحل سعد زهران أحد قادة تنظيم الراية  الشهير خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كما أن ابنها هو خالد الفيشاوي أحد قيادات الحركة الطلابية آنذاك. ومع ذلك فإن حالتها الصحية لم تكن تسمح لها باحتمال مواقف جديدة من ذلك النوع.
  ساعدنا بشدة وجود خالد شقيق عائشة الذي كان قد استيقظ، واعتقد أول الأمر إن أمر القبض يشمله، إلا أن الضابط نفي ذلك، وانهمكنا جميعا في تلك الحالة العبثية والمأساوية أيضا. سيطر عليّ بشدة رغبتي في إنهاء ذلك المشهد بأقصي سرعة والخروج معهم. وعندما عدت إلي حجرتنا لتجهيز حقيبة لي، لم نقو - عائشة وأنا - علي تبادل الكلام، وكنا قد بدأنا نستعيد قليلا من هدوئنا  وعندما خرجنا إلي الصالة جاهزين للخروج معه، أسهم وجود خالد في تخفيف الأمر علي أمه التي كانت قد بادرت برفع صوتها تسأل : أنا عايزة افهم إنتو واخدين بنتي ورايحين بيها فين؟
  لا أتذكر الآن بدقة كيف واجهت لينا ما وجدت نفسها فيه. لا أتذكر أنها كانت تصرخ أو تبكي، لكن المؤكد أن عائشة كانت مضطربة ومهزوزة من قرب انفصالها عن ابنتها التي كانت ماتزال في شهور الرضاعة ولم تُفطم بعد. كانت مكلومة حقا ومقهورة بل ومهزومة مثلما كنت أنا كذلك.
  علي أي حال خرجنا في النهاية، وهنا فقط شعرتُ بالارتياح، وتوجهنا يحيط بنا المخبرون إلي باب سيارة الشرطة الواقفة.
  في الأسبوع القادم أستكمل إذا امتد الأجل..