رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

لا يمكنك الاختباء من الموتي:شعـرية الفكـاهــة!


د. محمد سليم شوشة
12/23/2017 10:50:29 AM

تمثل‭ ‬الفكاهة‭ ‬تلوينا‭ ‬خاصا‭ ‬لصوت‭ ‬أسامة‭ ‬بدر‭ ‬الشعري‭ ‬ورافدا‭ ‬جماليا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ (‬لايمكنك‭ ‬الاختباء‭ ‬من‭ ‬الموتي‭) ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب‭ ‬2017،‭ ‬وتتنوع‭ ‬مصادر‭ ‬إنتاج‭ ‬الفكاهة‭ ‬لديه‭ ‬بين‭ ‬السخرية‭ ‬والمفارقة‭ ‬واللعب‭ ‬بالكلمات‭ ‬والمنطق‭ ‬المغلوط‭ ‬والمفاجأة‭ ‬والتحول‭ ‬المباغت‭ ‬وإنتاج‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬الأحجية‭ ‬والنكتة،‭ ‬لتمثل‭ ‬الفكاهة‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬سيرورة‭ ‬كاملة‭ ‬لإنتاج‭ ‬المعني‭ ‬والتحكم‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬واع‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬القصيدة‭ ‬وتصبح‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الصورة‭ ‬الشعرية‭ ‬وتستثمر‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الحذف‭ ‬اللغوي‭ ‬والدلالي‭ ‬المرتهن‭ ‬بالحال‭ ‬الفكاهية‭ ‬في‭ ‬امتدادها‭ ‬واتساعها‭ ‬بوصفها‭ ‬حالا‭ ‬مهيمنة‭ ‬علي‭ ‬القصيدة‭ ‬أو‭ ‬تنبع‭ ‬القصيدة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬تخضع‭ ‬لها‭. ‬
يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الفكاهة‭ ‬تمثل‭ ‬ذهنية‭ ‬كاملة،‭ ‬فالعقل‭ ‬الفكاهي‭ ‬نسق‭ ‬ثابت‭ ‬وطابع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحياة‭ ‬ويمكن‭ ‬كذلك‭ ‬القول‭ ‬بأنه‭ ‬كيفية‭ ‬خاصة‭ ‬ومقصودة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الوجود‭ ‬وأسئلته‭ ‬وقضاياه‭. ‬تقارب‭ ‬الشعرية‭ ‬عبر‭ ‬امتدادها‭ ‬الإنساني‭ ‬أسئلة‭ ‬ثابتة‭ ‬وقضايا‭ ‬متكررة‭ ‬بينما‭ ‬يبقي‭ ‬مصير‭ ‬امتداد‭ ‬الشعر‭ ‬وتجدده‭ ‬مرتهنا‭ ‬باختيار‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬عبرها‭ ‬مقاربة‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وتلك‭ ‬القضايا،‭ ‬وربما‭ ‬قليلون‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يقدرون‭ ‬علي‭ ‬إنتاج‭ ‬الفكاهة‭ ‬في‭ ‬قصيدتهم‭ ‬لما‭ ‬تطلبه‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬البديهة‭ ‬ورشاقة‭ ‬العبارة‭ ‬واقتناص‭ ‬اللمحة‭ ‬الطريفة‭ ‬والفكاهية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬قناعا‭ ‬للسؤال‭ ‬أو‭ ‬القضية‭ ‬أو‭ ‬المضمون‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬يتواري‭ ‬ويصبح‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬ويتقنع‭ ‬بقناع‭ ‬القدرة‭ ‬علي‭ ‬الإضحاك‭ ‬من‭ ‬سخرية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬الفكاهة‭ ‬الأخري‭ ‬كالمفارقة‭ ‬والمفاجأة‭ ‬واللعب‭ ‬بالألفاظ‭ ‬والتصوير‭ ‬الكاريكاتيري‭ ‬والمنطق‭ ‬المغلوط‭ ‬أو‭ ‬مخالفة‭ ‬المنطق‭ ‬الطبيعي‭ ‬والغرابة‭ ‬والخروج‭ ‬علي‭ ‬النسق‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المسارب‭ ‬الفكاهية‭ ‬التي‭ ‬عددها‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬والدارسون‭ ‬للضحك‭ ‬والفكاهة‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬المختلفة‭. ‬
تمثل‭ ‬طرافة‭ ‬الصورة‭ ‬كذلك‭ ‬والخيال‭ ‬المتجاوز‭ ‬حد‭ ‬الغرابة‭ ‬مصدرا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬الفكاهة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جمالية‭ ‬النص‭ ‬وشعريته‭. ‬فالطائر‭ ‬يعلّق‭ ‬في‭ ‬منقاره‭ ‬بحرا،‭ ‬واليد‭ ‬تترك‭ ‬صاحبها‭ ‬وتمشي‭ ‬وحدها‭ ‬تصافح‭ ‬الغرباء‭ ‬كأنهم‭ ‬أصدقاء،‭ ‬والقلب‭ ‬يصبح‭ ‬قاطع‭ ‬طريق‭ ‬يختطف‭ ‬الجنيات‭ ‬مقابل‭ ‬فدية‭. ‬
وفي‭ ‬المجموعة‭ ‬نمطان‭ ‬من‭ ‬الفكاهة،‭ ‬نمط‭ ‬كليّ‭ ‬يهيمن‭ ‬علي‭ ‬القصيدة‭ ‬ويجعلها‭ ‬خاضعة‭ ‬لمنطقه‭ ‬الساخر‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬للنهاية‭ ‬ونمط‭ ‬جزئي‭ ‬يمثل‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬مشهدا‭ ‬أو‭ ‬سطرا‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأكثر‭ ‬طولا‭ ‬ولا‭ ‬تمضي‭ ‬علي‭ ‬وتيرة‭ ‬واحدة‭ ‬وتتراوح‭ ‬بين‭ ‬الجد‭ ‬والهزل‭. ‬وربما‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الشعرية‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬هذين‭ ‬النمطين‭ ‬للفكاهة‭ ‬بحيث‭ ‬تهيمن‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬علي‭ ‬صوت‭ ‬أسامة‭ ‬بدر‭ ‬الشعري‭ ‬وتمثل‭ ‬فاعلا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬فواعل‭ ‬إنتاج‭ ‬الشعرية‭ ‬وتشكيل‭ ‬خصوصية‭ ‬الصوت‭.‬
‭> > >‬
تتميز‭ ‬الفكاهة‭ ‬بأنها‭ ‬تتطلب‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬اليقظة‭ ‬العقلية‭ ‬والمزج‭ ‬بين‭ ‬العاطفي‭ ‬والعقلي،‭ ‬فالفكاهة‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬ترتكز‭ ‬علي‭ ‬العقلانية‭ ‬والقدرة‭ ‬علي‭ ‬الربط‭ ‬المنطقي‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬والقيم‭ ‬والأفكار‭ ‬علي‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬الربط‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬بالأحري‭ ‬كشف‭ ‬لنوع‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬الخفي‭ ‬ينفذ‭ ‬إليه‭ ‬الشاعر‭ ‬برؤيته‭ ‬وبصيرته‭ ‬ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الارتباط‭ ‬جنينا‭ ‬للقصيدة‭.  ‬
‭ ‬في‭ ‬النمط‭ ‬الجزئي‭ ‬هناك‭ ‬نمط‭ ‬فرعي‭ ‬آخر‭ ‬ليس‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬عامة‭ ‬أو‭ ‬فكرة،‭  ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فكاهة‭ ‬المشهد،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬سرد‭ ‬مشهدي‭ ‬بين‭ ‬أحد‭ ‬المشاهد‭ ‬الفكاهية‭ ‬الدالة‭ ‬أو‭ ‬المرتبطة‭ ‬دلاليا‭ ‬ببنية‭ ‬القصيدة‭ ‬ومشاهدها،‭ ‬وبعضها‭ ‬ذات‭ ‬مشاهد‭ ‬متعددة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬أو‭ ‬علي‭ ‬الأقل‭ ‬تمثل‭ ‬مشهدا‭ ‬ممتدا‭ ‬له‭ ‬تفاصيل‭ ‬وحركات‭ ‬عديدة‭ ‬وتأتي‭ ‬الفكاهة‭ ‬بشكل‭ ‬جزئي‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬فيكون‭ ‬هناك‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬المشهدي‭ ‬والفكاهة‭. ‬ومثال‭ ‬هذا‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ (‬سأعلق‭ ‬رأسي‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭) ‬التي‭ ‬يقرر‭ ‬الميت‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبتسما‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬المعلقة‭ ‬علي‭ ‬أحد‭ ‬الجدران‭ ‬بعد‭ ‬موته،‭ ‬ثم‭ ‬حين‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الورثة‭ ‬منكري‭ ‬الجميل‭ ‬علقوا‭ ‬صورته‭ ‬علي‭ ‬جدار‭ ‬آخر‭ ‬بجوار‭ ‬الساعة‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬موضعا‭ ‬بعينه‭ ‬غير‭ ‬هذا،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬المختلف‭ ‬عن‭ ‬رغبته‭ ‬والخارج‭ ‬عن‭ ‬إرادته‭ ‬تركوه‭ ‬الورثة‭ ‬لإزعاج‭ ‬الجيران‭ ‬ودقات‭ ‬الساعة‭ ‬وتركوه‭ ‬لصداعه‭ ‬المزمن‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬وتكون‭ ‬المفارقة‭ ‬والتحول‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬الفكاهة‭ ‬فيه‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬شعرية‭ ‬النص‭ ‬ومده‭ ‬بأسباب‭ ‬المتعة‭ ‬حين‭ ‬يقرر‭ ‬ألا‭ ‬يبتسم‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬المعلقة‭ ‬ويحاول‭ ‬التجهم‭ ‬في‭ ‬وجوههم‭ ‬لمرة‭ ‬أخيرة‭ ‬ممتدة‭ ‬زمنيا‭ ‬بامتداد‭ ‬عمر‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬واستمرار‭ ‬تعليقه‭ ‬علي‭ ‬الجدار،‭ ‬وليكون‭ ‬قد‭ ‬غير‭ ‬خطته‭ ‬الحالمة‭ ‬أو‭ ‬المثالية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬مبتسما‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬وليتحول‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬اللا‭ ‬إرادة‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬إلي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صاحب‭ ‬قرار‭ ‬وإرادة،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬بمشهدها‭ ‬ومشاهدها‭ ‬زاخرة‭ ‬بالمساحات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬اشتغال‭ ‬القراءة‭ ‬عليها،‭ ‬فيمكن‭ ‬استنتاج‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدلالات‭ ‬والأفكار‭ ‬والمشاهد‭ ‬الأخري‭ ‬غير‭ ‬خارج‭ ‬بنية‭ ‬النص‭ ‬وتحيل‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬حاضرة‭ ‬غائبة‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬حضورها‭ ‬مرتهن‭ ‬بالقراءة‭ ‬المتخيلة‭ ‬المنتجة‭ ‬للشعرية‭ ‬علي‭ ‬النحو‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الكاتب،‭ ‬فتبدو‭ ‬القصيدة‭ ‬علي‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬ذات‭ ‬بنية‭ ‬امتدادية‭ ‬رخوة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتمدد‭ ‬والزيادة‭ ‬بقدر‭ ‬تفاعل‭ ‬المتلقي‭ ‬معها‭ ‬واستجابته‭ ‬للسير‭ ‬في‭ ‬الاتجاهات‭ ‬التي‭ ‬تحفز‭ ‬علامات‭ ‬القصيدة‭ ‬علي‭ ‬السير‭ ‬فيها‭. ‬فيختم‭ ‬القصيدة‭ ‬بسطر‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الدهشة‭ ‬ويفكك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬القصيدة‭ ‬فيقول‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وجهه‭ ‬الندل‭ ‬لم‭ ‬يطاوعه‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬التجهم‭ ‬أو‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬مبتسما‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬المعلق‭ ‬عقابا‭ ‬للورثة‭ ‬لا‭ ‬يطاوعه‭ ‬وجهه‭ ‬وكأنه‭ ‬تحالف‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الورثة‭ ‬أو‭ ‬أصبح‭ ‬مثلهم،‭ ‬فالصورة‭ ‬صارت‭ ‬شخصا‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬للورثة‭ ‬ولطباعهم‭ ‬وربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطبيعي‭ ‬فالوجه‭ ‬المعلق‭ ‬إنما‭ ‬يعاشر‭ ‬ويعايش‭ ‬هؤلاء‭ ‬الورثة‭ ‬وربما‭ ‬يخشاهم‭ ‬أو‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬نفاقهم‭ ‬ومجاملتهم‭ ‬فلا‭ ‬يستجيب‭ ‬لمطلب‭ ‬صاحبه‭ ‬بأن‭ ‬يتخلي‭ ‬عن‭ ‬الابتسامة‭. ‬علي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السطر‭ ‬الأخير‭ ‬يجعلنا‭ ‬بإزاء‭ ‬قصيدة‭ ‬ذات‭ ‬بنية‭ ‬دلالية‭ ‬مفككة‭ ‬أو‭ ‬مخلخلة‭ ‬فهو‭ ‬يرتد‭ ‬إلي‭ ‬المستقر‭ ‬من‭ ‬سابق‭ ‬القصيدة‭ ‬فالإرادة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لهذا‭ ‬الميت‭ ‬تصبح‭ ‬منفية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬محل‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬علي‭ ‬إجبار‭ ‬صورته‭ ‬علي‭ ‬التجهم‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتخلخل‭ ‬خطته‭ ‬ويقطع‭ ‬فريسة‭ ‬لخطة‭ ‬مضادة‭ ‬من‭ ‬وجهه‭ ‬المعلق‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬وأصبح‭ ‬عدوا‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬علي‭ ‬التحكم‭ ‬فيه‭ ‬وهذه‭ ‬الخطة‭ ‬هي‭ ‬استكمال‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬من‭ ‬أفعال‭ ‬الورثة‭ ‬منكري‭ ‬الجميل‭ ‬فهم‭ ‬يحضرون‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬احتمال‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬الصورة‭ ‬قد‭ ‬فضلت‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬علي‭ ‬ابتسامتها‭ ‬برغبة‭ ‬ذاتية‭ ‬فهناك‭ ‬كذلك‭ ‬احتمال‭ ‬آخر‭ ‬بأن‭ ‬فعلها‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬نسق‭ ‬الغياب‭ ‬وهيمنة‭ ‬الورثة‭ ‬وهو‭ ‬نسق‭ ‬التنكر‭ ‬والانقلاب‭ ‬علي‭ ‬المتوفي‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وأكثر‭ ‬اتساقا‭ ‬مع‭ ‬البنية‭ ‬الظاهرية‭ ‬للقصيدة‭. ‬يقول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭:‬
الورثةُ‭.. /‬منكرو‭ ‬الجميل‭/ ‬علقوه‭  ‬بجوار‭ ‬الساعة‭ ‬علي‭ ‬جدار‭ ‬آخر‭/ ‬تركوه‭ ‬لإزعاج‭ ‬الجيران‭/ ‬ودقات‭ ‬الساعة‭ /‬تركوه‭ ‬لصداعه‭ ‬المزمن‭/ ‬فقرر‭ ‬أن‭ ‬يعاقبهم‭ / ‬لن‭ ‬يبتسم‭/ ‬سيكون‭ ‬متجهما‭ ‬طوال‭ ‬الوقتِ‭/ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وجهه‭ ‬النذل‭ ‬لم‭ ‬يطاوعه‭. ‬الديوان‭ ‬ص72‭.‬
‭> > >‬
يتسم‭ ‬صوت‭ ‬أسامة‭ ‬بدر‭ ‬الشعري‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬تكسير‭ ‬المنطق‭ ‬الطبيعي‭ ‬ومخالفته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إنتاج‭ ‬منطق‭ ‬خاص‭ ‬للقصيدة‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬ويفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بديلا‭ ‬عقليا‭ ‬وشعوريا‭ ‬يتسم‭ ‬بالمعاندة‭ ‬أو‭ ‬التمرد،‭ ‬فنجد‭ ‬الطائر‭ ‬الذي‭ ‬يعلق‭ ‬بمنقاره‭ ‬البحر،‭ ‬والشحاذة‭ ‬القديمة‭ ‬الأزلية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬علي‭ ‬رأس‭ ‬الشارع‭ ‬ومعها‭ ‬ابنها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكبر‭. ‬والأميرة‭ ‬لديه‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬القصور‭ ‬بل‭ ‬نراها‭ ‬في‭ ‬بيتها‭ ‬الطيني،‭ ‬البيت‭ ‬المشترك‭/ ‬تزعجها‭ ‬حيوانات‭ ‬الحقل‭/ ‬والدواجن‭ ‬التي‭ ‬تربيها‭ ‬سلفتها‭. ‬فهذا‭ ‬التحول‭ ‬إلي‭ ‬النقيض‭ ‬ومخالفة‭ ‬المنطق‭ ‬الطبيعي‭ ‬هما‭ ‬مصدر‭ ‬الفكاهة‭ ‬وجمالية‭ ‬النص‭ ‬والمحفز‭ ‬علي‭ ‬القراءة‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬القصيدة،‭ ‬وهو‭ ‬بيتها‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬الاستقرار،‭ ‬فإضافة‭ ‬البيت‭ ‬إلي‭ ‬ضمير‭ ‬الغائب‭ ‬المؤنث‭ ‬العائد‭ ‬علي‭ ‬الأمير‭ ‬يؤكد‭ ‬استقرارها‭ ‬وثباتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الغريب‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضطر‭ ‬القارئ‭ ‬إلي‭ ‬العودة‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬لتأمل‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الأميرة‭ ‬واكتشاف‭ ‬سر‭ ‬هذه‭ ‬الرفعة‭ ‬لهذه‭ ‬الإنسانة،‭ ‬فتكون‭ ‬لها‭ ‬مصادر‭ ‬غير‭ ‬معجمية‭ ‬وغير‭ ‬نمطية‭ ‬فهي‭ ‬أميرة‭ ‬ربما‭ ‬بجمالها‭ ‬وسحرها‭ ‬وفتنة‭ ‬أمومتها‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الصفات،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬ربما‭ ‬أميرة‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الشاعر‭/‬ابنها‭ ‬ورؤيته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يصبح‭ ‬منفتحا‭ ‬علي‭ ‬الحدود‭ ‬الواسعة‭ ‬لإحساسه‭ ‬بها‭ ‬وبجمالها‭.‬
لو‭ ‬نظرنا‭ ‬إلي‭ ‬المكون‭ ‬الفكاهي‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬الشعرية‭ ‬يأخذ‭ ‬شكلا‭ ‬خاصا‭ ‬به‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬اختلافا‭ ‬أو‭ ‬تنوعا‭ ‬داخل‭ ‬النص‭ ‬فإنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬دور‭ ‬مختلف‭ ‬ومتفاعل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬النص‭ ‬فيلعب‭ ‬دورا‭ ‬تفكيكيا‭ ‬أو‭ ‬مضادا‭ ‬لبقية‭ ‬علامات‭ ‬النص،‭ ‬أو‭ ‬يأخذ‭ ‬شكل‭ ‬الجزء‭ ‬المتحدي‭ ‬للكل‭ ‬ويمثل‭ ‬لحظة‭ ‬انفجارية‭ ‬للدلالة‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬تتكثف‭ ‬فيها‭ ‬الدلالة‭ ‬أو‭ ‬الطاقة‭ ‬التعبيرية‭ ‬ولحظة‭ ‬الخلق،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬النظر








للمكون‭ ‬الفكاهي‭ ‬بوصفه‭ ‬بؤرة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للقصيدة‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تأخرها‭ ‬أو‭ ‬موقعها‭ ‬المتأخر‭ ‬غالبا‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬فالباقي‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬يتضمن‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬التمهيد‭ ‬أو‭ ‬التجهيز‭ ‬لهذا‭ ‬المكون‭ ‬الفكاهي‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الانفجارية‭ ‬التي‭ ‬يختزلها‭ ‬وراءه‭.  ‬
‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬قليلة‭ ‬تبدأ‭ ‬الفكاهة‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬دون‭ ‬مقدمات‭ ‬عبر‭ ‬الطرافة‭ ‬أو‭ ‬الغرابة‭ ‬وقد‭ ‬أشرنا‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬الفكاهة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬مثاله‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ (‬أطارد‭ ‬وجهي‭ ‬في‭ ‬المدينة‭) ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭: ‬
خسرت‭ ‬وجهي‭ ‬وأنا‭ ‬أغسله‭ ‬في‭ ‬النهر‭/ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭/ ‬هذا‭ ‬النهر‭ ‬المجرم‭ ‬يسير‭ ‬بوجهي‭ ‬في‭ ‬المدينة‭/ ‬يقابل‭ ‬أصدقائي‭ ‬في‭ ‬المقهي‭/ ‬يحدثونه‭ ‬في‭ ‬شئوني‭ ‬الخاصة‭/ ‬مثل‭ ‬نزوتي‭ ‬الأخيرة‭/ ‬لما‭ ‬صاحبت‭ ‬ثورا‭ ‬إلي‭ ‬المذبح‭/ ‬ووقفت‭ ‬أشاهد‭ ‬روحه‭ ‬تكابد‭ ‬للصعود‭. ‬
فتبدو‭ ‬هنا‭ ‬النزعة‭ ‬الفكاهية‭ ‬متدرجة‭ ‬هبوطا‭ ‬باتجاه‭ ‬المعني‭ ‬أو‭ ‬حال‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬يقاربها‭ ‬النص‭ ‬ولا‭ ‬تختفي‭ ‬أو‭ ‬تتواري‭ ‬تماما،‭ ‬علي‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نراها‭ ‬في‭ ‬الحال‭ ‬الممتدة‭ ‬لهذا‭ ‬الوجه‭ ‬الخائن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬وفق‭ ‬إرادة‭ ‬صاحبه‭ ‬ويتحد‭ ‬مع‭ ‬الأعداء‭ ‬ضده‭ ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬متكررة‭ ‬تعكس‭ ‬قدر‭ ‬انشطار‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬وتفرقها‭ ‬في‭ ‬جزئيات‭ ‬تبدو‭ ‬متناقضة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأوقات،‭ ‬وكأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬تعكس‭ ‬حالا‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬والتشظي‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬عالم‭ ‬الفتنة‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬حالا‭ ‬من‭ ‬التنازع‭ ‬بين‭ ‬أعضاء‭ ‬الإنسان‭ ‬وأجزائه‭ ‬المختلفة‭ ‬وتغلب‭ ‬عليه‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاتساق‭ ‬وغياب‭ ‬الانسجام‭ ‬الكلي‭ ‬والانسجام‭ ‬الكوزمولوجي‭. ‬وربما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬تتولد‭ ‬السخرية‭ ‬العفوية‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بهيمنتها‭ ‬علي‭ ‬الروح‭ ‬وتجبر‭ ‬علي‭ ‬الضحك‭ ‬أو‭ ‬مقاومتها‭ ‬بالفكاهة‭. ‬لتعود‭ ‬الحال‭ ‬الفكاهية‭ ‬أكثر‭ ‬ثقلا‭ ‬وتتجدد‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬الانفجارية‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬حين‭ ‬يقول‭:‬
المجرم‭ ‬أيضا‭ ‬قد‭ ‬يقابل‭ ‬فتاتي‭ ‬صدفة‭/ ‬فتدعوه‭ ‬حبيبي‭../ ‬بالطبع‭ ‬لن‭ ‬أتهمها‭ ‬بالخيانة‭/ ‬ولا‭ ‬أندهش‭ ‬لو‭ ‬قبلته‭/ ‬سألتمس‭ ‬لها‭ ‬أعذارا‭ ‬جمة‭.‬
بؤرة‭ ‬الفكاهة‭ ‬هنا‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬المجرم‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬قمة‭ ‬الرفض‭ ‬وعدم‭ ‬الانسجام‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬غير‭ ‬المتسق‭ ‬وأصبح‭ ‬غريبا‭ ‬عنه،‭ ‬بحيث‭ ‬يمثل‭ ‬التقاؤه‭ ‬بحبيبته‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الخيانة‭ ‬من‭ ‬طرفيهما‭- ‬الوجه‭ ‬والحبيبة‭- ‬وهو‭ ‬مستعد‭ ‬لتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الخيانة‭ ‬من‭ ‬الحبيبة‭ ‬دون‭ ‬الوجه‭ ‬فيلتمس‭ ‬لها‭ ‬الأعذار‭ ‬الجمة،‭ ‬وكلمة‭ ‬جمة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬فكاهية‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬مخالفة‭ ‬للمنطق‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وتجاوزها‭ ‬هذا‭ ‬للمنطق‭ ‬يصنع‭ ‬منها‭ ‬حالا‭ ‬بهلوانية‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬البشر،‭ ‬فالطبيعي‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬عذر‭ ‬وحيد‭ ‬وهو‭ ‬الشبه‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬وجهه‭ ‬حتي‭ ‬وإن‭ ‬غادره‭ ‬أو‭ ‬نفر‭ ‬منه‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬متسقا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الحبيب‭/ ‬صاحبه‭. ‬لكنها‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬أعذارا‭ ‬جمة‭ ‬لتذهب‭ ‬تماما‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العذر‭ ‬الوحيد‭ ‬وتنفتح‭ ‬علي‭ ‬احتمالات‭ ‬غريبة‭ ‬وغير‭ ‬وأبعد‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬منطق‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬مؤسسة‭ ‬علي‭ ‬منطق‭ ‬النص‭ ‬والمعني‭ ‬المركزي‭ ‬فيه‭ ‬وهو‭ ‬اغترابه‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬وعمق‭ ‬إحساسه‭ ‬بالتشظي‭ ‬وتفكك‭ ‬الذات‭ ‬إلي‭ ‬جزيئات‭ ‬متباعدة‭. ‬فتبدو‭ ‬القصيدة‭ ‬في‭ ‬قيمها‭ ‬الدلالية‭ ‬متفاوتة‭ ‬أو‭ ‬لها‭ ‬مستويات‭ ‬عدة‭ ‬تظهر‭ ‬الفكاهة‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬الوسطي‭ ‬والسطحية‭ ‬أحيانا،‭ ‬بينما‭ ‬ترتد‭ ‬إلي‭ ‬التراجيديا‭ ‬والمأساة‭ ‬وسؤال‭ ‬النص‭ ‬ومعاناته‭ ‬مع‭ ‬المستويات‭ ‬الأبعد‭ ‬والأكثر‭ ‬عمقا‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البنية‭ ‬الدلالية‭ ‬حيث‭ ‬المساحة‭ ‬الأوسع‭ ‬من‭ ‬الاشتغال‭ ‬الدلالي‭ ‬والتفكيكي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتشكل‭ ‬علي‭ ‬نحو‭ ‬من‭ ‬المراوحة‭ ‬والمزج‭ ‬بين‭ ‬الجد‭ ‬والهزل‭ ‬وبين‭ ‬الضحك‭ ‬والبكاء‭ ‬والصلابة‭ ‬والضعف،‭ ‬إذ‭ ‬ظاهر‭ ‬السخرية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأوجاع‭ ‬والآلام‭ ‬التحدي‭ ‬والقوة‭ ‬بينما‭ ‬تبقي‭ ‬حقيقتها‭ ‬مترسبة‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬النص‭ ‬ولا‭ ‬تقدر‭ ‬السخرية‭ ‬علي‭ ‬تذويها‭ ‬أو‭ ‬هزيمتها‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬وتزخر‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬تحديدا‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬السخرية‭ ‬والاستهانة‭ ‬بنواتج‭ ‬وتوابع‭ ‬انشطار‭ ‬الذات‭ ‬وتوزعها‭ ‬وغياب‭ ‬الانسجام‭ ‬الكوزمولولجي‭ ‬المذكور‭ ‬سلفا،‭ ‬إذا‭ ‬يبدو‭ ‬الانقسام‭ ‬أمرا‭ ‬مفاجئا‭ ‬وطارئا‭ ‬باستمرار‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬انقساما‭ ‬ماديا‭ ‬ناتجا‭ ‬عن‭ ‬تصادم‭ ‬أو‭ ‬حادث‭. ‬يقول‭: ‬
أصبح‭ ‬الأمر‭ ‬مقلقا‭ ‬للغاية‭/ ‬بالأمس‭ ‬وجدتُ‭ ‬جثة‭ ‬علي‭ ‬سريري‭/ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتركها‭ ‬الغرباء‭ ‬عادة‭/ ‬كانت‭ ‬بلا‭ ‬وجه‭/ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬رحبت‭ ‬بها‭... ‬كأنها‭ ‬جثتي‭/ ‬كانت‭ ‬أنثي‭ ‬جميلة‭/ ‬عاملتها‭ ‬باحترام‭ ‬زائد‭/ ‬كأنها‭ ‬زوجة‭ ‬لأحد‭ ‬الجيران‭/ ‬حين‭ ‬رميتها‭ ‬من‭ ‬الشباك‭/ ‬نبت‭ ‬لها‭ ‬جناحان‭ ‬وطارتْ‭.‬
هذا‭ ‬المقطع‭ ‬الشعري‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬تتكثف‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭ ‬الظاهرة‭ ‬أو‭ ‬النسقية‭ ‬التي‭ ‬تختفي‭ ‬وتكتنزها‭ ‬أحيانا‭ ‬المفردة‭ ‬الواحدة‭ ‬ضمن‭ ‬المعاني‭ ‬المعجمية‭. ‬فعلي‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لو‭ ‬تأملنا‭ ‬المفردات‭ ‬الآتية‭ (‬مقلق‭- ‬طارت‭ ‬–‭ ‬بلا‭ ‬وجه‭- ‬كانت‭ (‬متكررة‭ ‬مرتين‭) ‬–‭ ‬رميتها‭ ‬–‭ ‬نبت‭ ‬–‭ ‬طارت‭) ‬فهي‭ ‬مفردات‭ ‬تدعم‭ ‬التغير‭ ‬والتحول‭ ‬المستمر‭ ‬والمفاجئ،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬مركزا‭ ‬دلاليا‭ ‬للسطر‭ ‬الذي‭ ‬ترتكز‭ ‬جملته‭ ‬علي‭ ‬هذه‭ ‬المفردة،‭ ‬بينما‭ ‬تتمركز‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬المفردات‭ ‬الثمانية‭ ‬عدد‭ ‬آخر‭ ‬يدعم‭ ‬حالا‭ ‬من‭ ‬الثبات‭ ‬والاستقرار‭ ‬هي‭: ( ‬الغاية‭ -‬جثة‭ ‬–‭ ‬عادة‭ ‬–‭ ‬سريري‭ ‬–‭ ‬عاملتها‭ ‬باحترام‭ ‬–‭ ‬الجيران‭). ‬وبشرح‭ ‬عينة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المفردات‭ ‬ربما‭ ‬تتأكد‭ ‬القيمة‭ ‬الدلالية‭ ‬المزعومة‭ ‬فكلمة‭ ‬قلق‭ ‬علي‭ ‬سبيل‭ ‬التمثيل‭ ‬تعني‭ ‬الاضطراب‭ ‬والتغير‭ ‬ودائما‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬بأسباب‭ ‬أو‭ ‬بفاعل‭ ‬منتج‭ ‬للقلق،‭ ‬وكلمة‭ ‬طارت‭ ‬دالة‭ ‬بوضوح‭ ‬علي‭ ‬الحركة‭ ‬والتنقل‭ ‬بين‭ ‬أماكن‭ ‬كثيرة‭ ‬وفي‭ ‬مساحات،‭ ‬وكلمة‭ ‬بلا‭ ‬وجه‭ ‬تدل‭ ‬بحسم‭ ‬علي‭ ‬غياب‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يحتمل‭ ‬حضوره‭ ‬سابقا‭ ‬كأنما‭ ‬تم‭ ‬انتزاعه‭ ‬أو‭ ‬فُقِد‭ ‬أو‭ ‬تشوه‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الاحتمالات‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬تعني‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلي‭ ‬أخري‭. ‬أما‭ ‬كلمة‭ (‬كانت‭) ‬التي‭ ‬تكررت‭ ‬مرتين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقطع‭ ‬فهي‭ ‬دالة‭ ‬بوضوح‭ ‬علي‭ ‬تجاوز‭ ‬حال‭ ‬سابقة‭ ‬إلي‭ ‬حال‭ ‬أخري‭ ‬ظاهرة‭ ‬أو‭ ‬ضمنية،‭ ‬ويدعم‭ ‬هذا‭ ‬المعني‭ ‬النحوي‭ ‬فهي‭ ‬ناسخة‭ ‬والنسخ‭ ‬يعني‭ ‬التبدل‭ ‬والتغير‭. ‬أما‭ ‬المفردات‭ ‬الأخري‭ ‬الدالة‭ ‬علي‭ ‬الثبات‭ ‬والاستقرار‭ ‬فيمكن‭ ‬تلمس‭ ‬دلالتها‭ ‬لهذا‭ ‬المعني‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬جثة‭ ‬التي‭ ‬تدل‭ ‬علي‭ ‬الوصول‭ ‬إلي‭ ‬محطة‭ ‬الموت‭ ‬وهي‭ ‬محطة‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬أخيرة‭ ‬وفيها‭ ‬استقرار‭ ‬فليس‭ ‬بعدها‭ ‬عودة‭ ‬مرة‭ ‬أخري،‭ ‬ومثلها‭ ‬تماما‭ ‬كلمة‭ ‬غاية‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬النهاية‭ ‬وليس‭ ‬بعد‭ ‬النهاية‭ ‬نهاية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬كذلك‭ ‬الاستقرار‭ ‬والثبات،‭ ‬ومثلهما‭ ‬كلمة‭ ‬سريري‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬حالا‭ ‬مؤقتة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والثبات‭ ‬الحركي‭. ‬وهكذا‭ ‬بقية‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬النسقين‭ ‬المتقابلين‭ ‬اللذين‭ ‬يستحوذان‭ ‬علي‭ ‬مقطع‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬مساحة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬القصيدة‭ ‬يبدو‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬التحولات،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬ثبات‭ ‬يعني‭ ‬حركة‭ ‬بعده،‭ ‬فلا‭ ‬حركة‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬ثبات‭ ‬ولا‭ ‬ثبات‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬حركة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مستقر‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الطبيعة‭. ‬وبشكل‭ ‬عام‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬المفاجآت‭ ‬والتحولات‭ ‬السريعة‭ ‬تدعم‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬البهلوانية‭ ‬وتدعم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الفكاهي‭ ‬للنص‭ ‬وتعكس‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬العبثية‭ ‬النابعة‭ ‬بالأساس‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭ ‬بين‭ ‬أجزاء‭ ‬هذه‭ ‬الذات‭ ‬المنقسمة‭ ‬أو‭ ‬المتوزعة‭.‬