رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

غذاء للقبطي : حين يتحول المطبخ إلي فلسفة ومشرط تشريح


منصورة عز الدين
12/30/2017 10:36:53 AM

في إحدي مدارس اللغات المصرية الشهيرة بدأ حفل »الكريسماس»‬ بتلاوة آيات من القرآن الكريم، وبين الفقرات المخصصة لهذه المناسبة حرصت المدرسة علي وجود أغنية للمولد النبوي. بعدها أعلنت مقدمة الحفل أنهم أقاموا احتفالاً كبيراً بالمولد النبوي قبل أسبوعين. بدا الأمر كأنها تعتذر ضمناً عن حفل ميلاد المسيح هذا، أو كأن هناك منافسة خفية بين المناسبتين الدينيتين.
اللافت بالنسبة لي أن أحداً من الحضور لم يبد عليه الانتباه أو الاندهاش، ربما لأنهم اعتبروا هذا دليلاً علي »‬الوحدة الوطنية»، أو لأنه بات مألوفاً من فرط تكراره.
ربما كانت المفارقة لتفوتني أنا نفسي لو لم أكن قد انتهيت من قراءة كتاب »‬غذاء للقبطي» لشارل عقل قبلها بقليل. فالكتاب، الصادر مؤخراً عن دار الكتب خان للنشر والتوزيع، أشبه بمشرط يشرِّح أمراض مجتمعنا ويعري مظاهر الطائفية الظاهرة والمستترة. دون التخلي عن الإمتاع وخفة الظل البعيدة عن الإدعاء والحذلقة يتخذ المؤلف من المطبخ منطلقاً لعمل يستعصي علي التصنيف، إذ يجمع بين أدب السيرة »‬سيرة ذات وجماعة» وبين التاريخ الاجتماعي والأدب.
غير أن من يبدأ في قراءة الكتاب متوقعاً أنه أمام مصنف متخصص في فن الطهو - كما قد يوحي ظاهر العنوان - سيُفاجَأ، لكنه لن يصاب بخيبة أمل لأن ما يقدمه عقل أبعد وأدسم من هذا بكثير، كما أن القارئ المفترض قد يضحك من نفسه وتصوراته المسبقة حين يلتقط سخرية المؤلف المتكررة من هذا التوقع.
ففي موضع ما يقطع عقل حديثه عن منتجات الأديرة بما يفترض أنه »‬طريقة عمل البيض المقلي بالسجق» ومفادها: »‬المكونات: بيض ــ سجق. طريقة التحضير: ضع السجق في طاسة علي نار هادئة حتي ينضج، ثم اكسر فوقه بيضتين. بالهنا والشفا».
هذا التجريد يبدو كتساؤل استنكاري ساخر: أتتوقعون مني فعلاً طريقة طهو تفصيلية؟! وتصل هذه السخرية اللاهية أقصاها في آخر كلمات الكتاب: »‬ألوك ما في فمي من طعام وأفكر: غير الطعام، هل أغفلت موضوعاً آخر أولي بالحديث؟ أم أستكمل لك طريقة عمل صوص الديمي جلاس»؟
لكن ليست كل السخرية في »‬غذاء للقبطي» لاهية علي هذا النحو،  ففي أجزاء كثيرة من الكتاب نجدها مشوبة بالمرارة أو القسوة والنقمة، وإن كانت في كل حالاتها وأمزجتها كاشفة للتناقضات والعنف الرمزي والنزعة الطائفية المتوارية خلف معظم تفاصيل حياتنا.
فالكاتب يكتب من موقع »‬المنشق» الخارج علي التأطير ضمن جماعة بعينها، كما يري بعين الغريب غير المخدوعة بالاعتياد، أي القادرة علي النقد والتقاط المفارقات والتناقضات في أكثر المواقف ألفة وعادية. موقع المنشق هذا قد يجلب علي صاحبه غضب كل الأطراف المعنية. الأقباط قد يغضبون منه لأنه يسخر من الأكل الصيامي ومن الصيام نفسه ويعيب عليهم ما يراه من رغبة بعضهم في إرضاء المسلمين والتشبه بهم، والمسلمون قد لا يتفهمون صورتهم المنعكسة بين سطور كتابه كأشخاص يتوقعون من الأقباط أن يتصرفوا ويعيشوا بما يتوافق مع دين الأغلبية.
لكن هل يعني اختيار موقع الخارج علي الجماعة أن الكاتب يصفي حسابات ما؟ عن نفسي لم أشعر بهذا، فمع أنه يحافظ علي مسافة تمكنه من الرؤية بوضوح، إلّا أنه - حتي في أشد درجات سخريته - يكشف عن ارتباط عميق بإرثه القبطي وغيرة عليه. فهو مثلاً غير راضٍ عن خجل الأقباط من لحم الخنزير أو ابتعاد كثيرين منهم عن الخمور رغبةً منهم في التواؤم مع محيطهم الإسلامي.
يبدأ عقل كتابه بالحديث عن الفول لما له من موقع مركزي في المطبخ القبطي خاصةً أثناء الصيام، ومنذ الصفحات الأولي يستعرض فلسفته الخاصة بعلاقة الإنسان مع ما يأكله: »‬كلما توغلت أكثر في مراحل الإنتاج للصناعة الغذائية زاد فهمك لكل مكون منها علي حدة. وحينما يزداد فهمك للمكونات، تعرف ما تتذوق وكيف تتذوق. وحينما تتعلم كيف تتذوق وما تتذوق، تزداد متعتك بتناول الطعام الجيد، وهو الغاية من كل هذه العملية».
ثم ينتقل إلي المخبوزات القبطية وعبرها يبين التضاد الجلي في المطبخ القبطي بين فترة الصيام بما فيها من تقشف وزهد وبين غيرها وما تتسم به من ترف وإفراط. وبعد المخبوزات يتوقف عند الشيبسي ونكهاته وتأثيرها علي الصيام، ثم تأثير رمضان وما يتوفر فيه من مأكولات خاصة به علي المطبخ القبطي. وتحتل المأكولات البحرية مساحة مهمة في الكتاب بالنظر لمركزية الأسماك في المسيحية، قبل الانتقال إلي الخمور وبروتوكولات مجلس الخمر، ثم الخل والملح، حتي الوصول إلي المحطة الأخيرة: العيد-عشية.
وخلال هذا كله يأخذ شارل عقل القارئ بخفة إلي تفاصيل في حياة الأقباط لا تظهر في الفضاء المصري العام، فيبدو كأنما يكتب تاريخاً اجتماعياً، ليس للأقباط وحدهم، إنما للمجتمع المصري كله مبيناً تناقضاته وأوجه العوار في العلاقة بين فئاته وكيف تتلون الطائفية لتظهر بمظهر التعايش ويُقدّم فرض الأغلبية لذوقها وعاداتها كما لو كان »‬وحدة نسيج عنصري الأمة».