رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية: آجوران


د. محمد الشحات
12/30/2017 10:39:51 AM

ثمة مشتركات بنيوية وثقافية بين عدد كبير من الروايات التي تنتمي إلي قطاع الرواية الأفريقية. وعلي الرغم من تعدّد اللغات المكتوبة بها هذه الروايات، ما بين العربية والإنجليزية والفرنسية، وعدد آخر من اللغات المحلية المنتشرة في أرجاء القارة الأفريقية، فلا تزال الرواية الأفريقية تحمل طابعا مشتركا يتحرك في إطار عدد متشابه من القضايا والمضامين؛ من بينها كونها تتناول إشكالات الهوية، وخصوصية الثقافة المحلية، ووضعية المرأة الأفريقية، وعلاقات الأنا والآخر، ورغبة التخلّص من أسر الهيمنة والإمبريالية، وتمثيل علاقات السيد بالعبد أو التابع بالمتبوع، .. إلخ. لكنّ اللافت للنظر في مدوّنة الرواية الصومالية علي وجه التحديد، وهي رواية حديثة النشأة نسبيا، قياسا إلي بقية الرواية الأفريقية الأسبق تاريخيا، أنها رواية تتقاطع مع هذا المشترك الثقافي والهويّاتي الأفريقي بشكل كبير، حتي إنّ ما يُكتب منها أو من الأدب الصومالي ككل باللغة العربية -وهو عدد محدود جدا ببعض الأسماء مثل السيدتين وريس ديريه وورسن شيري، ثم لحقت بهما الكاتبة زهرة مرسل- لم يتجاوز بعد حدود مثل هذه القضايا والثيمات الشائعة التي تضع هذا القطاع العريض من الروايات والنصوص الأدبية في قلب دراسات ما بعد الكولونيالية.
في هذا السياق، يمكن قراءة رواية »آجوران: عين أفريقيا»‬ »‬الصادرة عن دار الفارابي، 2015»  للروائية الصومالية المعاصرة  التي تكتب بالعربية زهرة مرسل، والتي أصدرت روايتها الأولي تحت عنوان »‬أميرة مع وقف التنفيذ»  »‬2012». تشتغل رواية »‬آجوران» -كما أفضّل وصفها، دون العبارة التعريفية الشارحة: »‬عين أفريقيا»- علي ثيمة التمرّد والرفض الذي تقوده فتاة تنتمي طبقياإلي أسرة ذات وضعية اجتماعية مرموقة؛ هي »‬آجوران» التي تحمل اسم مدينتها الأثيرة التي كانت إمبراطورية صومالية عظمي في القرن الخامس عشر الميلادي. واللافت للنظر هو تفتّح وعي هذه الفتاة »‬آجوران» مبكّرا، خصوصا في علاقتها بالجدّة اثرياب التي تمثل سرّة هذا العالم الروائي، وسرّة البيت كله، ومصدر الإشراق المعرفي فيه، وشيئا فشيئا تنضج علاقة آجوران بأبيها »‬أوجاس شريف»، وأخيرا تأتي علاقتها المتوتّرة بابن عمها وزوجها»‬ليبان» »‬ومعناه بالصومالية الأسد» الذي لم يدخل بها؛ حيث إنها تنجح، مصادفة، في فضح علاقاته النسائية المشبوهة ببعض الغانيات من أمثال زينب وغيرها. في هذه الرواية، سوف تظل آجوران في حالة بحث مستمر ومحتدم عن هويتها المفقودة، أو هو بحث عن نصفها الآخر الذي سوف تعثر عليه مجسّدا في هيئة التاجر سليمان الذي تستعيد من خلاله صورة الأب الغائب ذي النفوذ والحكمة وجموح الطائر المهاجر، فضلا عن كونه هو وحده الذي ارتضي مسايرة طموحاتها ونزقها المرتبط برغبة السفر والترحال واكتشاف الأنا والعالم عبر اكتشاف الآخر. وهنا تحديدا، سوف تجعل الرواية من شخصية التاجر سليمان ابمحمولات اسمه التي تستلهم الحكمةب موازيا ثقافيا لفكرة البيت أو المستقر الذي سوف ترسو علي متنه سفينة آجوران الطائشة.
تنهض الرؤية الثقافية في هذه الرواية القصيرة علي تمثيل إمبراطورية آجوران في القرن الخامس عشر باعتبارها إمبراطورية الصومال المنفتح علي الثقافات المجاورة، في إشارة كنائية »‬مسكوت عنها» إلي صومال الحرب الأهلية في الثمانينيات التي أتت علي الأخضر واليابس ونجحت في خلق صورة نمطية Stereotype عن شخصية »‬الصومالي» الآن. وهي صورة مضمرة تسعي الرواية إلي تفكيكها، عبر سردية استعادية تسترجع مناوشات الصومال مع الرحالة البرتغالي فاسكو دي جاما وجنوده في المنطقة الأفريقية، ومن بينهم البحّار البرتغالي »‬فيليب» الذي أحبّته الفتاة ليلي ابنة التاجر عبد الله.
علي الرغم من وجود بعض إشكالات الحبكة السردية، خصوصا في تعثّر حركة السرد في تلك المنطقة البينيّةالتي تخلط بين الراوي كلي المعرفة بضمير الغائب والرواي الشخصية بضمير المتكلم، وحدود مساحة الرؤية المتاحة لكل من المنظورين السرديين، فضلا عن موت بعض الشخصيات دون سابق إنذار سردي أو إيماءة درامية، أو تشتّت أهداف الروايةما بين الرواية التاريخية أو الإثنوجرافية أو الرومانتيكية أو النسوية، فإن رواية »‬آجوران عين أفريقيا» جديرة بالقراءة والتأمل؛ من حيث هي رواية اكتشاف للذات الصومالية، تستبطنها رؤية نسوية للعالم، تمثّلت في تمرّد آجوران الدائم ورغبتها في التحرر والانعتاق من أسر كل ما يكبّلها من السير قُدُمًا نحو سبل التقدم والوعي الخلّاق.في فضاء هذه الرواية القصيرة، لن تحضر آجوران باعتبارها شخصية روائية متخيّلة فحسب، بل بوصفها تمثيلا تاريخيا وثقافيا مركّبا استطاع أن يجمع في سردية واحدة بين الإنسان والمكان والهوية المفقودة.