رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

جولة سريعة في قراءات 2017


منصورة عز الدين
12/30/2017 10:42:57 AM

حفل عام 2017 بالعديد من الإصدارات المهمة، أشير هنا إلي بعضها مع التأكيد علي أن هذه العناوين تخضع لذائقتي الشخصية وحدها، كما أني اخترتها من بين قراءاتي هذا العام، إذ قد تكون هناك عناوين أخري كانت جديرة بالانضمام إليها إلّا أنني لظرف أو لآخر لم أقرأها بعد. وبما أن الجودة الفنية كانت معياري الأول، فقد أضفت إلي قائمة ترشيحاتي هذه عناوين صدرت في سنوات سابقة غير أنني لم أطلع عليها سوي في 2017، كما أن هناك عملاً واحداً لم يصدر بعد، لكنني قرأته مخطوطاً وأراه من أفضل قراءات العام.

• »المكشوف والمحجوب: من خيط بسيط إلي بدلة بثلاث قطع»‬ للباحثة والروائية مينيكه شيبر، ترجمة: عبد الرحيم يوسف، (دار صفصافة):
قبل سنوات قرأت »‬إياك والزواج من كبيرة القدمين: المرأة في أمثال الشعوب» لشيبر وأعجبني كثيرًا، لذا لم أتردد في قراءة »‬المكشوف والمحجوب» بمجرد صدور طبعته العربية، وفي الحقيقة لم يخيِّب الكتاب ظني. بحس روائي وثقافة موسوعية تتناول شيبر هنا العلاقة الإشكالية بالجسد وتاريخ تغطيته وتباين مفهوم العيب عبر العصور والثقافات المختلفة. كتاب عميق وطريف معًا.
• ديوان »‬77» للشاعر أحمد شافعي، (الكتب خان):
أحمد شافعي من الشعراء المفضلين عندي، ويعجبني في شعره أنه يدفعني دوما للتفكير في ماهية الشعر وتعريفه كنوع أدبي.
•  »‬بيتي له بابان» للشاعرة فاطمة قنديل، (دار العين):
تشريح حساس وحكيم للذات والوحدة. قصائد الديوان مكتوبة بعصب عارٍ دون التخلي عن نبرة تأملية هادئة. الذات هنا كأنما تراقب نفسها من مسافة محسوبة، تنفصل عن حياتها وتراها كبناية دورها هي فيها مجرد حارس لبابها. يحضر الأسي في كثير من المواضع، لكنه لا يتحول أبدًا إلي رثاء للذات.
• »‬مكتباتهم» للكاتب والمترجم المغربي محمد آيت حنا، (دار توبقال):
كتاب ذكي وماكر من الصعب تصنيفه ضمن نوع أدبي بعينه. هو تأملات المؤلف حول الكتابة والقراءة والمؤلفين والقرّاء وحول فكرة المكتبة ومفاهيمها المتنوعة وغير المعتادة. من شدة استمتاعي بالكتاب قرأته ببطء شديد وعلي مراحل.
• رواية »‬أنت قلتَ» للروائية الهولندية كوني بالمن، ترجمة الشاعرة التونسية لمياء المقدم (سلسلة الجوائز/ الهيئة العامة للكتاب):
تعيد الرواية تشييد العلاقة الشائكة بين الشاعر الإنجليزي تيد هيوز والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث. أحببت في الرواية – المروية بلسان هيوز - وعي الكاتبة بدواخل الشخصيتين الرئيسيتين، وعدم اكتفائها بتقديم سيرتهما معاً فقط، إنما طرحها أفكار فلسفية حول الفن وعلاقته بالذات والحياة والأسطوري والغيبي انطلاقاً من رؤية هيوز بالأساس للشعر والفن في تقابلها مع رؤية بلاث لهما.
•  السرد والجنوسة في سيرة بني هلال.. د. محمد حسن عبد الحافظ (معهد الشارقة للتراث):
يحاول المؤلف خلخلة ما درج الباحثون عليه من ربط للسيرة الشعبية بعالم الذكور، ويقدم سيرة بني هلال كحكاية من خلق النساء وإبداعهن، »‬بينما يمثل الرجال حراسا للسيرة الهلالية ورواة ومؤدين لها، علي نحو أتاح لهم حرية صوغها في أشكال شعرية تتسم بالفحولة.» ومن موقع الحراسة هذا، أصبح للرجال سلطة التشويش علي السمات والأنساق النسوية داخل السيرة الهلالية، ووسمها بما يتفق مع رؤيتهم.
• »‬هيا نشتر شاعراً».. أفونسو كروش، ترجمها عن البرتغالية المترجم التونسي عبد الجليل العربي (دار مسكيلياني):
رواية ديستوبية ساخرة تتخيل عالماً بلا فن أو مجاز ولا يعترف إلا بالمادي والمجسد. الخطير فيها أنها تكثف ما هو موجود فعلاً في المجتمعات الحديثة من تهميش للفنون وتقديس للاستهلاك وعبادة كل ما هو مادي. تضع كل هذا تحت عدسة الفن المكبرة لنخرج بصورة كاريكاتورية تُركَّز فيها هذه السمات لندرك أي جحيم يمكن أن نصل إليه إذا استمر الوضع علي ما هو عليه.
تُقدم شخصية الشاعر أيضا في مبالغة كاريكاتورية تتسق مع الجو العام للرواية فيبدو ككائن غريب ينطق بما يبدو للآخرين كألغاز ولوغاريتمات، لكن سكنه في بيت الأسرة التي اشترته يخلخل عالمها ويغير شخصيات أفرادها. ووفق منطق الحكايات الرمزية البسيط يكتشف الأب فائدة مادية ملموسة للشعر. تمنيت فقط لو لم يضف الكاتب لروايته القصيرة الجزء الأخير المعنون بـ»‬ما يشبه الخاتمة» والذي يشير فيه إلي حال الفن في البرتغال، لأن هذا الجزء التقريري خصم من الرصيد الفني للرواية وحصرها في دائرة »‬المغزي» و»الرسالة» والصرخة ضد تهميش الفن في مجتمع مادي استهلاكي.
• رواية »‬أصوات المساء» للكاتبة الإيطالية نتاليا جينزبورج، ترجمة: د. أماني فوزي حبشي (دار الكرمة):
جينزبورج كاتبة بارعة تتقن المواربة والإخفاء والتلميح باعتبارها الأبواب المشرعة علي الفن. يلعب الحوار دوراً رئيسياً في العمل، فهو طريقة المؤلفة في قول الكثير بأقل الكلمات الممكنة، من خلاله نعرف دواخل الشخصيات وخواء حياتهم، وميل بعضهم إلي ثرثرات لا نهائية تُقابَل غالباً بصمت الطرف الآخر، فالحوار هنا ليس آداة تواصل وتحاور بقدر ما هو آلية لإعلان القطيعة النفسية بين الذات والآخر. من أكثر ما أحببت في الرواية سخرية نتاليا جينزبورج  الخفيفة التي تكاد تكون متجهمة، ورغم هذا التجهم أو ربما بسببه، أراها تتسم بالذكاء والفرادة. يُحسب للمترجمة تقديمها ترجمة جميلة حافظت علي روح النص الأصلي والسمات الأسلوبية المميِّزة للكاتبة الإيطالية الكبيرة.
• ديوان »‬خوف الكائنات» ياسر الزيات، وسوف يصدر في يناير القادم عن دار المتوسط:
 في ديوانه هذا، الذي قرأته مخطوطاً، يكتب صاحب »‬دمي ملوّث بالحب» سِفر تكوين شعري يتسم بتخييل مدهش نادرًا ما نصادفه في الشعر وحس سردي عالٍ لا يقلل من شعرية النصوص.
• »‬معجم الوأد.. النزعة الذكورية في المعجم العربي» د. محمد فكري الجزار.. دار إيتراك:
الكتاب صادر عام 2002 ولم ينل وقتها ما يستحق من اهتمام، وفيه يعري المؤلف النزعة الذكورية في المعجم العربي مبينًا بعض صور تحامله علي المرأة لدرجة نفيها لغويًا ووأدها رمزيًا. ويري المؤلف أن السبب في هذا يرجع إلي أن قدر اللغة العربية كان أنها جُمِعت ودرست اعتماداً علي فترة زمنية ذكورية بامتياز هي البداوة، ومن جغرافيا محددة بدقة هي البادية. وأظن أن رأي د. الجزار في »‬البداوة» وتفريقه بين لغة البادية ولغة القرآن يحتاجان إلي نقاش موسع.
• »‬تانجو الخراب» لاسلو كراسناهوركاي، ترجمة: الحارث النبهان، (دار التنوير):
ينجح كراسناهوركاي هنا في تحقيق معادلة نادراً ما ينجح فيها أحد وهي الحفاظ علي قدر عالٍ من التشويق في عمل ذي إيقاع هادئ متأمل وجمل طويلة متشابكة وسرد مشغول بالوصف الدقيق والمشاهد البصرية التفصيلية.
وسر نجاحه في هذا يكمن في قدرته علي المحافظة علي درجة محسوبة من الغموض لا تزيد فينصرف القارئ عن العمل، ولا تقل فتضاعف من بطء الإيقاع فيغرق القارئ في الملل. يلعب المخيال الديني دوراً مركزياً في هذه الرواية الفاتنة التي أضعها بين أفضل ما قرأت منذ سنوات.