رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

صياد الملائكة : بين المتاهة والمصيدة


اعتدال عثمان
12/30/2017 10:45:12 AM

ينجح هدرا جرجس في روايته »صيّاد الملائكة»‬ (2014 – الطبعة الثانية) في اصطياد القارئ في شبكة نص متعدد المستويات الدلالية ببساطة آسرة، وموهبة إبداعية لافتة. فالنص يوحي علي المستوي الدلالي الأول بأنه يقدم أزمة حنا، الشاب القبطي المصري المهمش، المنعزل علي المستوي النفسي والاجتماعي، الذي ينسج الحكايات الغريبة من أحلام تراوده في الصحو والمنام، ويعيش بغير اكتراث أو مبالاة بما يحدث حوله، فهو كالحي الميت أو الميت الحي، الطالع علي حافة مستنقع الدنيا كعشب شيطاني، لا أهمية له أو ضرورة.
أما  المستوي الثاني، فيمثل الوعي الإنساني باعتباره الطريق الموصل إلي فهم الحقائق الاجتماعية، والطريقة التي يفكر بها الإنسان في الخبرة التي يعيشها، وذلك من خلال تصوير واقع الحال من منظورين متقاطعين ومتناظرين للشخصية الرئيسية والراوي المشارك.
>>>
يدور الحدث في مدينة صغيرة غير مسماة بجوار أسوان، حيث تظهر المفارقة بين الأسماء الرسمية لشوارع المدينة والحالة التي آلت إليها، فميدان النهضة يتحول إلي سوق بهائم وموقف لعربات الكارو والحنطور، والنافورة التي كانت في هيئة سمكة جميلة لامعة تتحول إلي ماء راكد حيث تنبعث من حولها رائحة الخضار الفاسد، وتختلط برائحة روث الدواب، والمدينة كلها يغلفها غبار لا ينقشع، فيما تعاني حالة ركود مستديم، فيقطع ناسها الفراغ والملل بعيون كالكاميرات تلتقط أي شيء وكل شيء، حيث يراقب الجميع الجميع بإدانة جاهزة، فيما يدّعون أنهم حراس للفضيلة. إنها مدينة مهمشة مثل الشخوص التي تعيش فيها، تعاني الفقر والجهل والتمييز علي أساس ديني، كما هو حال كثير من المدن الصغيرة والكبيرة والقري والنجوع في جنوب مصر وشمالها، مما يجعلها معادلة لأزمة وطن.
وعلي مستوي ثالث تأملي تخييلي يصلنا المؤلف بلا وعي الشخصية الرئيسية عبر تسريب ذكريات حنا في زمن الطفولة، ومطلع الشباب وسط الأسرة، وعبر استحضاره المتخيل لأحلام الهذيان برؤية الجنة، فهناك »‬ملائكة صغيرة حلوة ولها أجنحة حملته وطارت به إلي هناك، إلي سهل منبسط حتي حدود المدي، ممتد من الأرض إلي السماء... وتركوه يجري فرحانا في تلك الحديقة الرائعة، فاتحا ذراعيه للهواء الذي يعزف بين فروع الأشجار.» إنه الحلم الذي يعد بخلاص لم يتحقق علي مستوي واقع حنا المأزوم، فظل قابعا في المسافة الفاصلة بين اليقظة والحلم، يحاول أن يرمم الجدار القائم بين الوعي واللاوعي حتي لا ينهار فيُجّن. لكنه يدرك أيضا أن اللاوعي هو الذي يمرر له القصص عبر الأحلام، ويري أن التفكير بهذه الصورة هو أصل الإبداع.
تستهل الرواية من منتصف الحدث المركزي الذي يقع في يوم واحد، و تمثل ذروته اقتحام الجيران وأهل الحي شقة حنا للقبض عليه متلبسا بفعل فاضح هو أنه همّ - دون أن يفعل-  بمعاشرة فتاة منتقبة، هي في الواقع بنت هوي تتخفي بهذا اللباس، وما ناله من ضرب وحشي وإهانة وتجريس وحبس وتعذيب قاده إلي الجنون، وهدد باندلاع فتنة طائفية حين فجّر المتطرفون الكنيسة كانتقام بائس.
غير أن الحدث ليس بهذه البساطة، بل يبدأ بمشهد بغير عنوان، لا يتحدد إلا بكلمة عادية هي »‬صدفة». إنها صدفة يلتقي عبرها حنا بصديقه منصور في دكانه، بينما يتزامن عرض التليفزيون لمشهد يعيد بثه مرارا وبالتصوير البطيء ل» أسد يأكل بني آدم» مع دخول الفتاة المنتقبة صفية.  سوف يعيد الكاتب المشهد نفسه في منتصف الرواية تماما (ص 88 من  صفحة176) بعد مشاهد استرجاعية، تضيئ شخصية حنا، كما تتماس مع شخصية صديقه منصور العدمية، إلي جانب إضافات تمهد لوقوع الواقعة والقبض علي حنا وصفية في حالة شبه تَلَبُس، وما ناله حنا من عنف وحشي يتوازي مع وحشية المشهد الذي يفترس فيه الأسد واحدا من بني آدم، ويتبين أنه مشهد حقيقي وليس مشهدا مصنوعا في فيلم سينمائي، تماما مثل المشهد الذي سيحدث لاحقا مع تقدم الحدث.
>>>
 فهل الاستباق ثم العودة إلي المشهد الافتتاحي في منتصف الرواية تماما كانت مجرد صدفة أم هو تدبير فني محكم، يجذب القارئ إلي بؤرة الحدث منذ مفتتح الرواية، ويقوده بمكر فني جميل إلي شباك النص التي لن يستطيع منها فكاكا حتي النهاية؟ هل الصدفة هي التي قادت الوعي الراصد للحقائق الاجتماعية والإنسانية الصادمة لكي يتداخل مع اللاوعي لحظة الكتابة، مستدعيا الحالة الحيوانية في مشهد الأسد حين تنفلت غرائز البشر من عقالها، فتنحو إلي الاستقواء المتوحش علي نحو ما يفعل المتعصبون والإرهابيون بضحاياهم؟ أسئلة يتركها النص مفتوحة لفطنة القارئ المنتبه.
هذا القارئ المنتبه نفسه سيلاحظ في مواضع متعددة من الرواية الإحالات إلي الحالة البشرية بصورة عامة، إذ يطرح النص أسئلة الوجود الكبري، وحيرة الإنسان بحثا عن معني، وحين لا يجده، فإنه يهرب بالدخول في متاهة الصمت واللامبلاة العبثية أو بالنوم الذي هو حالة من الموت المجازي في الحياة، كما يفعل حنا، منتظرا أن يمرر له اللاوعي القصص عبر الأحلام. إنه يري أن الأصل هو الإنسان، والبشر يمتلكون روحا واحدة بيضاء ونقية، قبل أن تصيبهم لعنة الدنيا العمياء، وكيف تحول جنس البشر إلي مسوخ شائهة، لا جدوي من عودتها الي حالتها الطبيعية، وتنتظر »‬نيرانا صاعقة تنزل من السماء وتقضي علي الكل كي يعاد تشكيل العالم من جديد، بنظافة، كما حدث في طوفان نوح.»
إن السرد عبر وساطة عناصر مستمدة من إحالات تراثية، ومن الذاكرة و الحلم، وتداخل الوعي واللاوعي بهدف تقديم المروي عنه في حالاته الإنسانية المتباينة، هو ما أتاح للرواية أن تنفتح علي أسئلة تتعدي رصد حياة البطل الضائع في متاهته إلي تأمل تجربته في مرآة الوضع الإنساني بصورة عامة، ومحنة الإنسان في العالم كله بوصفها قضية وجودية إنسانية، تشمل البشر دون أن تقتصر علي زمان ومكان وشخوص الرواية.
>>>
وما بين متاهة المروي عنه وشباك النص تتشكل البنية السردية، إذ يتلقي القارئ السرد من خلال راو متعدد الوجوه، فهو ينتحل أحيانا صفة راوي السيرة الشعبية مقدما المادة الحكائية، متحكما في مرويّه، يعلن عن الحدث بعبارات دالة مثل: »‬ هذا ما كان» أو »‬ وإذا أضفنا .. يمكننا أن نتوقع» أو »‬سيحدث ذلك علي النحو التالي» أو »‬إذا ما استعرضنا.. ولكننا لن نفعل». وقد يتخذ أحيانا أخري سمة الراوي في المسرح بوصفه ممثلا للشخوص ومتحدثا عنهم، وراويا في الوقت نفسه للأحداث، ومعلقا عليها. وهو في أحيان ثالثة الراوي الذي يقف خارج النص وداخله في آن، فهو يستبطن شخصية حنا والشخصيات الأخري بما يشبه الحياد، بينما هناك خيط خفي يربط الراوي بالمروي عنه، علي الأقل من حيث حلم الكتابة، كما يتدخل بنبرة هادئة للتعقيب علي اشتعال الحدث، إثر واقعة اقتحام الشقة والإمساك بحنا وصفية، فيضبط الإيقاع اللاهث بإيقاع موزون، وقد يتماهي مع مرويّه، فيختلط الأمر علي القارئ حين لا يتبين أيهما صوت المؤلف/ الراوي، وأيهما صوت الشخصية القصصية.
إن تعدد وجوه الراوي تحقق وظائف سردية عدة، فهي تساعد المؤلف علي اقتناص حرية واسعة في توجيه الحدث، وفتح آفاق النص علي البعد الإنساني العام من جانب، فيما يتلقي القارئ من جانب آخر رسالة يشركه الكاتب في اكتشاف دلالاتها، لأنه نظيره في المعاناة التي تشمل البشر علي اختلاف مواقعهم في السلم الاجتماعي هنا وهناك وفي كل مكان، فيشعر وهو واقع في شباك النص بالإمتاع والمؤانسة، وربما أيضا إيقاظ الوعي لاسترداد آدميته المهدرة.
كذلك المسافة الذي يحتفظ بها الراوي وهو يروي من خارج الحدث تساعده علي رسم شخصية حنا كشخصية خاصة بتكوينها النفسي وأحلامها وهذياناتها وهمومها، بحيث يصعب تعميمها كنموذج لطائفة دينية بعينها، تفتقد أحيانا غياب بعض خصائص المواطنة من منظور شرائح اجتماعية، يدفعها التعصب أو التمييز الديني إلي إهدار آدمية النظير والشريك في الوطن، كما أن تلك المسافة جعلت النقد الاجتماعي المر، المتضمن بذكاء في نسيج العمل، لا يقتصر فحسب علي انحرافات تلك الشرائح عن الفهم الصحيح للدين، ولا العنف غير المبرر في عصيان صريح للقانون الذي تمارسه الشرطة في أقسام البوليس، ولا مهزلة التحاق حنا خريج قسم الفلسفة بكلية الآداب بوظيفة مساعد »‬بار مان» في مركب سياحية، ولا تخلي راعي الكنيسة عن مساندة حنا في محنته، بل تعدت ذلك كله إلي مجتمع كامل تعرض للتشويه والتمزق وسادت فيه المتناقضات.  
تلك الوجوه المتعددة للراوي أعطته مرونة في التحرك بين مستويات النص الدلالية، كما جعلته لا ينحاز لشيء سوي كرامة الإنسان، ولا يدعي أنه يملك إجابة علي الأسئلة الكثيرة التي يشتمل عليها النص، إنما ربما إعادة النظر في الأسباب التي أدت إلي تدهور الوضع البشري العام، والأوضاع المتردية التي تسود الواقع المعيش في الوطن.
>>>
غير أن الحرية المطلقة التي منحها الراوي لنفسه جعلته يلجأ أحيانا إلي استطرادات وتعقيبات وإحالات دينية تخرج عن منطق النص، كأن يحمل الفصل الأخير عنوان »‬ الجلجثة» ليوحي بنوع من التناظر بين المكان الذي يقع خارج مدينة القدس ويرد في الإنجيل أن السيد المسيح صلب عنده، والصلب المعنوي الذي تعرض له حنا، إضافة إلي التعذيب البدني. كذلك قد يجد القارئ مفارقة تتمثل في منطق يعلو فوق منطق الشخصية المروي عنها، فليس من المتصور مثلا أن يورد الراوي علي لسان صفية، الفتاة البسيطة في تكوينها الفكري بسبب ظروف التنشئة - بصرف النظر عن أنها بنت هوي-  حكمة مبنية علي تفكير فلسفي عميق يظهر في قولها: »‬ الخير ليس خيرا كله، والشر ليس شرا كله، هناك مستويات وطبقات، منها الأعلي، ومنها الأدني .. اعص سيدك ولكن لا تهرب منه، ولا تكابر، فالعبد العاصي خير من العبد الهارب.»  
وعلي الرغم من أن هذه الاستطرادات والإسقاطات الدينية والفلسفية تبدو نافرة، وتثقل جوانب من النص بغير ضرورة فنية، إلا أن براعة الكاتب تتجلي في قدرته علي أن يأسر القارئ في شباك نصه، ولايفلته إلا بعد أن يجعله يواجه الواقع المصور في الرواية، فيعرف أنه قد حانت »‬ مواقيت التعري» (عنوان رواية للكاتب) عندئذ يدرك أنه »‬بالضبط .. يشبه الصورة» (عنوان متتالية قصصية للكاتب) بينما يظل حنا في متاهته يمد الكاتب والقارئ معا بمادة حكائية آسرة.