رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

مجهول:أخيلة الغياب المضاعف، وتأويلاته


د. محمد سمير عبد السلام
5/19/2018 12:48:47 PM

»مجهول»‬ رواية للكاتب المصري المبدع يوسف القعيد؛ صدرت طبعتها الثانية حديثا عن الهيئة العامة للكتاب 2017، ويمزج الراوي – في النص – بين الدلالات الفلسفية، والثقافية العميقة لموضوع غياب بعض أهالي قرية تدعي كفر المرحوم، وثراء الخيال الشعبي، وتأويلاته للحدث، وللأخيلة التي تستدعي صورة الكنز من الذاكرة الجمعية، ويقوم الراوي بتوثيق أقاويل الشخصيات، وطرائق وعيها بالعالم، وبوجودها النسبي، وأخيلتها المرتبطة بالحدث، أو بالبحث عن بطل / ضحية للصعود إلي الجبل، ويبدو الجبل – في النص – معبرا لما وراء الواقع، ومفتتحا لتداخل الأكوان الجزئية، والواقع الافتراضي المحتمل، وعودة طيفية لأصوات الماضي، وأخيلته المتجددة في فضاء كوني استعاري مستعاد، وكأن النص يستنزف بنية الحضور المركزي المحدد، ويستشرف تصورات ما بعد الحياة، إذ يراوح بين واقعية اختفاء كل من حسن، وزوجته، والابنة أحمده، وتجدد المستوي اللاشخصي من الحضور، والذي يوحي بالتصوف، ويذكرنا بالثقافات الشرقية، وحالة النيرفانا، وإن ارتكز بدرجة كبيرة علي تجدد تصورات الخيال الشعبي بصورة كونية افتراضية مستوحاة من تجلي علامة الجبل كمعبر لتجاوز الواقع، والمدلول النسبي للحظة الحضور.
وتوحي عتبة العنوان / »‬مجهول، رواية بلا نهاية» بدلالتي إرجاء مدلول العودة، وحالة الدهشة الصامتة المصاحبة لتجدد النماذج، والرؤي، والتصورات، والأصوات المتجاوزة للواقع فيما وراء علامة الجبل؛ وكان البطل الغائب / حسن أبو علي، قد غاب عن القرية، وأسهب الراوي في تتبع الأقاويل، والتفاسير، وبعض العلامات؛ مثل الكنز، وبعض صور لأجانب، وغموض مصير الابنة أحمده، ثم غياب الزوجة أم علي نبوية؛ ليرجئ العودة؛ وكأن بنية الغياب تؤول كمعبر لما وراء الحياة، أو تستنزف لحظة الحضور نفسها، وتفكك مركزيتها التاريخية؛ فقد تحيا الشخصية الفنية في واقع تشبيهي حلمي، أو تختفي ضمن صيرورتها الواقعية نفسها؛ فتلتبس بالصور، والأخيلة، والأطياف المستعادة من اللاوعي الجمعي وفق تعبير يونج.
ونعاين – في رحلة صعود عرفات – نوعا من الدهشة الممزوجة بالصمت إزاء تفكيك مدلول الزمن، ودلالات الخروج، والتجاوز، والأخيلة المؤولة للخير، والشر، والعقاب، والفردوس؛ فمدلول الجبل يؤجل حالة التجسد النسبية، ويتحد بحالة الاتساع الكوني، والاتحاد الأول بالعالم الواسع في اللاوعي.
إن غياب أودسيوس – في الأوديسا – اقترن بصخب للرحلة، ولمدلول الغياب نفسه، ثم انتهي بالعودة، بينما جاء غياب حسن مفتتحا لإرجاء بنية العودة من جهة، وإغواء بغياب الآخر / الآخرين؛ مثل الزوجة، وأحمده، وعرفات من جهة أخري.
ويري دريدا – بصدد فعل الإرجاء في الكتابة – أن العلامة تفلت من السؤال المؤسس للفلسفة؛ »‬ما هو؟»، عبر التأويل، والمنظور، والاختلاف، والأخير- عنده - يتضمن الإرجاء في بنيته. (راجع، دريدا، الكتابة، والاختلاف، ت: كاظم جهاد، مراجعة: محمد علال سيناصر، دار توبقال بالمغرب، ط2، سنة 2000، ص 119، 120).
إن التأجيل الذي يثري بنية العلامة في آثارها الجمالية التصويرية في الكتابة، والإكمال – لدي دريدا – يذكرنا بحالة إرجاء مدلول العودة في نص يوسف القعيد؛ إذ يفسح لتجلي التوقعات، والتفاسير، والأخيلة، وبروز الواقع الافتراضي الذي تتداخل فيه الأصوات، والصور، والنماذج الثقافية البدئية بصورة إبداعية لا مركزية.
لقد ارتكز السارد أيضا علي تتبع الزوجة للأثر الذي بدا جماليا، وواقعيا في آن؛ وهو صرة تركتها أحمده؛ فيها دواء لمنع الحمل، وصور مع بعض الأجانب، و نقود تومئ إلي أخيلة الكنز المفقود في الخيال الشعبي لأهل القرية.
إن علامة الكنز تبدو مؤجلة أيضا، وتقترن بالمحو، والغياب، وتجاوز مدلولها الواقعي؛ وإن اقترانها بالغياب، يذكرنا بوادي الألماس – في قصة السندباد البحري في كتاب ألف ليلة- إذ كان محاطا بالمخاطر، والحيات؛ فالكنز علامة مؤجلة في النص، ومحاطة بالغياب الذي يشبه مدلول القربان في الذاكرة الجمعية؛ فتواتر البحث عن الكنز، يتصل بالغياب، أو العبور لما وراء الواقع.
وتتداخل بني الأحداث، والشخصيات الفنية – في النص – مع البني الثقافية، والحضارية، والاجتماعية؛ فثمة مفارقة بين كل من العمدة، ونصرت باشا، وبساطة الخيال الشعبي لأهل القرية، وتتعارض صفات الديب / الممثل للشر، وحضوره الفائق مع جمال أحمده، وغيابها، وتشير تضحية عرفات الرمزية بمساءلة النص السردي لفكرة البطل المخلص، أو تعليق الآمال علي أخيلة الكنز؛ فالبطل يبدو وكأنه في حالة تحول، أو صعود نحو المجهول الافتراضي الذي قد يومئ ببنية أدبية استعارية للخروج من البني الاستاتيكية لواقع القرية الاجتماعي.
* وظائف الراوي بين التوثيق، والإرجاء، واحتمالية لغة السرد:
يقوم الراوي بتوثيق آراء الشخصيات الفنية، والرواة، وتوقعاتهم، وتأويلاتهم حول حدث غياب حسن، وتوابعه، وملابساته، وارتباطه بالبني الاجتماعية، والثقافية للمجتمع، وينتقل من التوثيق ومحاولة الإحاطة بالشخصية إلي محاولة تفسير المصائر المجهولة المؤجلة، وتفكيك بنية العلم بالشخصية نفسها؛ فقد يرصد تضارب الروايات حول اختفاء حسن بين ذهابه للترب للاطمئنان علي الكنز، أو غيابه مع الغرباء الأجانب، أو أنه لدي الديب، أو أن تكون نبوية باقية في القرية، وتتصل بالأب، وأحمده سرا؛ وقد تؤجل وظيفة العلم بأخبار أحمده في استشراف الراوي للاستكشاف الذي يؤدي إلي غياب، أو احتجاب مضاعف للشخصية؛ إذ يشير – في متوالية البحث – أن الأم ستبحث عن أحمده في بئر الساقية، وشواشي الشجر، وستسأل الضفدعة، وأوراق الشجر إن فهمت لغتها.
إنه يستقصي ما يوحي بالإرجاء، واستحالة الإحاطة بحدث الغياب، أو الاحتجاب المضاعف.
وتبدو احتمالية لغة السرد في رحلة صعود عرفات للجبل؛ إذ تبدو داخلية حلمية، وخارجية في آن؛ ويشير الراوي إلي تجاوز عرفات للمعلوم باتجاه المجهول، أو التفكير في العودة إلي البداية؛ فهل العودة ستكون للكينونة النسبية المحددة، أم لعوالم ما قبل النشوء؟
إنها عودة احتمالية لوجود متموج غير مستقر، ومتجاوز للحضور التاريخي الشخصي، حيث تحيا أطياف الذاكرة الجمعية في فضاء استعاري تتداخل فيه اللحظات الزمكانية الحضارية.
التحول الجمالي للشخصية:
يبحث راوي يوسف القعيد عن التشكل الإبداعي الفريد للشخصية، وتحولها الجمالي الذي يعكس استراتيجية الاختلاف في تداعيات السرد الروائي؛ إذ يمكن أن تؤول شخصية حسن كأثر جمالي للغياب؛ فمنذ العتبة الاستهلالية للنص يتجلي حسن في لحظة تقع بين المحو، والحضور في وعي الآخر / الآخرين؛ إذ نعرفه من داخل ذكريات نبوية، وأقاويل الشخصيات؛ أما أحمده فتنتقل من التجسد الجمالي إلي الغياب المفاجئ، ثم إلي التجسد الطيفي في العوالم الداخلية للشخصيات؛ ومن ثم تكتسب حضورا ظاهراتيا جديدا؛ فهي تقع بين حالتي الاختفاء، والتجسد التصويري في وعي، ولاوعي الآخر.
وتتطور شخصية أم علي نبوية تطورا ديالكتيكيا من تجسيدها لبهجة التجسد إلي الاختفاء الطيفي المفاجئ؛ وهي تختلف عن بينلوبي – في الأوديسا – التي ظلت في انتظار العودة؛ إذ أعادتصورة نبوية إنتاج حالة الاحتجاب المتكرر الذي يستعصي علي التأويل.
 ويجسد الديب نموذج الشر، بينما يمنحه السارد سمات تتجاوز الواقع؛ فيبدو كامنا في مكان مظلم، يشم رائحة أنفاس أهالي القرية، ولا يعلم إن كانت له أنفاس؛ وكأن السارد يراوح بين قوة تجسد الديب، وحضوره الطيفي في وعي الآخر.
أما شخصية أيوب خادم صاحب المقام فتجسد نموذج الخلود المتجاوز لأثر الزمن؛ إذ إنه لا يتقدم في العمر، ولا يتناول الطعام؛ وكأنه يقع بين اللاوعي الجمعي والفضاء التصويري الروحي الاستعاري، ويومئ عرفات إلي التحول من التفكير المنطقي إلي مواجهة طفرات المجهول فيما وراء الجبل، والعالم الروحي الذي تتداخل فيه الأصوات، والآثار الجمالية المتجاوزة للغة، والمنطق.
إن مثل هذه التحولات – في نص يوسف القعيد – تؤكد التجسد السيميائي المتجدد في الكينونة النسبية للشخصية، وعلاقتها بالبني الثقافية من جهة، واحتجابها الجمالي الذي يفتح الباب للتأويل، والتعددية، والاختلاف من جهة أخري.
*بلاغة تشكل الفضاء الافتراضي:
لا تنفصل علامة الجبل عن فاعلية الذاكرة الجمعية، ونماذج الخير، والشر، والجحيم، والنعيم، كما تبدو كمعبر جمالي للعالم الافتراضي الحلمي الآخر المتجاوز لمآسي القرية، وللمفاهيم التقليدية حول الوجود، والكينونة في آن.
ويري نورثروب فراي – بصدد التشكل الرمزي التصويري للنماذج – أن تمثيلات العالم الجحيمي تتعارض مع الرمزية الرؤيوية، وتتجلي في الكوابيس، وحالات الألم، والاضطراب، وقد يمثل الماء – في الرمزية الرؤيوية – ما قبل التخلق، أو التحلل بعد الموت؛ وهو يدور في الجسم الكوني، كما يدور الدم في الجسد. (راجع، نورثروب فراي، تشريح النقد، ت: د. محمد عصفور، عمان بالأردن، سنة 1991، ص 185).
وقد جمع الفضاء الافتراضي الاستعاري – فيما وراء الجبل – بين أخيلة الجحيم، والنعيم، أو التعالي الروحي معا في المخيلة الجمعية لشخصيات القرية، بينما تداخلت هذه التصورات، والتشبيهات التي تتجاوز اللغة في معاينة عرفات لطفرة المجهول، وانشقاقه عن دور البطولة أو التضحية السابق لرحلة الصعود.
لقد نشأ كفر المرحوم في فضاء الجبل، وعالمه المحمل بالواقع الافتراضي، وحياة علامات الذاكرة الجمعية، ونماذجها، كما يمنح السارد شخصية المرحوم نفسه تناقضات فوق واقعية؛ ومن ثم يجسد الكفر نوعا من العودة التخيلية الحلمية المؤجلة لأخيلة الجيل، وفضائه الافتراضي الذي يحيلنا إلي إعادة تشكيل بعض علامات التراث الثقافي في نوع من التناص، يقوم علي التحويل، وإعادة القراءة، وتداخل اللحظات الزمكانية.
لقد صار الواقع مائيا تشبيهيا يثير الدهشة، ويبعث الصمت، ويتجاوز مقولات الواقع جميعها، ويفكك دور عرفات، وهويته التمثيلية السابقة.
يقول الراوي:
»‬وهو رأي في قاعة العرش ما لا يستطيع أن يتذكره، وإن تذكره كيف يجد لسانه ليحكي ما رأي». ص 453.
تتداخل العوالم، وتوحي بوجود متعال تأويلي مختلف، ومستمد من التشكل التصويري الجمالي للفضاء، وفاعليته في المشهد الحضاري، والكوني.