رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

حدث في الشتاء الماضي:البحث علي جدران الذاكرة عن وجوه عابرة


ياسمين مجدي
9/8/2018 2:22:46 PM

من وجوه المحيطين بنا نصنع تاريخاً عميقاً، إنها الوجوه التي نملكها. ثروة هائلة من البشر نخزنهم في رؤوسنا، حتي لو بدا هؤلاء البشر فقراء وبلا قيمة. تحتفظ الذاكرة بوجوه كثيرة، وجوه كل العابرين بنا، لا نفلتها حتي لو رحلت أو ماتت لأنها صارت ملكا لنا مقيما بالذاكرة. إنها الوجوه التي تعمل كساعة زمنية لقياس مرور الأيام في مجموعة »حدث في الشتاء الماضي»‬ للكاتب محمود فهمي.
الأشخاص
 يسميهم الكاتب »‬بائعو البهجة» هذه هي الشخصيات العادية البسيطة والمسؤولة عن سعادتنا، يقيمون الألعاب في أيام العيد ثم يرحلون سريعًا. تمتلأ المجموعة بشخصيات مشابهة، شخصيات عادية وعابرة لكن لا يمكن مقاومتها، لأنها تؤسس لذاكرتنا الشخصية، مثل بائعة المناديل وبائع الجرائد والوجوه التي نلقاها صدفة علي أغلفة الكتب وفي الشوارع والأشخاص الذين توقعنا الوقوع في حبهم لكنهم اختفوا.
يصنع الشاعر محمود فهمي في قصص المجموعة، الصادرة عن دار الرواق، حالة شعرية مرهفة من الوجوه التي تقابلنا، فالسيدة التي تبيع المناديل لا تبدو مثل الآخرين، إنها "ليست شحاذة محترفة مثل الآخرين" و"تتساقط أيامها مثل أوراق جافة أسفل السيارات العابرة فتدهسها". تبحث القصص في هذه الوجوه العادية عن الأحاسيس التي يخبؤوها، والمناطق التي تخصهم ولا يشبهون فيها آخرين، ليبدو العادي مختلفا والمألوف لديه مساحات تخصه.
 الأشياء أيضا أحد المؤسسات العميقة لذاكرة الأبطال، مثل الحقيبة المهمة جدًا في إحدي القصص، فهي أول شيء يفتح البطل عينيه ليراه، وتصحبه في كل مكان، وهي علامته ليعرف إذا كان قد خرج من المنزل بالفعل أو لم يخرج. تصبح الحقيبة هي الدليل الوحيد الذي يحاول التأكد من خلاله إذا كان خرج ووقعت له حادث بالفعل أم إنه كان مجرد حلم.
الوقت
ينشغل الكاتب محمود فهمي في مواجهة الذاكرة بالغياب. الشيء وعكسه.. ذاكرة الوجوه وغياب الوجوه.. الأشخاص الحاضرة بشكل معتاد في الطريق.. وذهابها فجأة لتضيع من الحياة الحقيقية وتبقي في رؤوسنا فحسب. ففجأة تختفي بائعة المناديل ويحل مكانها آخرون.
تم استخدام الوجوه أيضًا بصفتها علامة علي مرور الزمن، فالرجل الذي يبيع الجرائد، يتحرك بقوة ثم تذبل صحته مع الأيام، حتي يغيب بائع الجرائد تمامًا. ويبقي منه مجرد دراجة علي أحد جوانب الطريق واقفة. الزمن والذاكرة ربما هما وجهان للحكايات، حين يمر الوقت في القصص، تبدو الشخصيات أكبر سنًا وهي تسترجع ذكريات قديمة، مثل قصة عن الرجال الجالسين والمنتظرين لظهور فتاة في الطريق. ستظهر الفتاة بعد قليل لكنها بعد كل تلك السنوات الماضية ستأتي من طريق آخر مختلف وممتلئ بالضجيج كما أن أيادي الرجال أصبحت ترتعش وهم يمسكون بالأكواب في انتظار ظهور الفتاة. فالوجوه هي الساعة الزمنية التي تقيس بها الحكايات مرور الأيام.
الفجوة
 بمجموعة »‬حدث في الشتاء الماضي» بحيث يظهر العابرون في حياتنا ثم يختفون بسهولة. في هذه المساحة البينية يختلط الحضور بالغياب، ويختلط أيضا الحقيقة بالخيال والوهم بالواقع، فتظهر قصص عن الأحلام، المنطقة المواجهة للواقع، فيحلم البطل في إحدي القصص بأنه يسير في ممر ضيق طويل نهايته نور، يسرع لكي يصل لكنه يكتشف هوة كبيرة في مواجهته، فلا يعرف أين يذهب. يبدو الاضطراب مصيبًا لشخصيات تتقلب بين حالتين من الخيال إلي الواقع. في أكثر من قصة يبدو الحلم رمزًا لهذا المزج بين الواقع والوهم، فثمة حلم بوقوع حادثة لكنه يتحول إلي واقع حينما تأتي الشرطة إلي البيت بالفعل وتعلن عن قبضها علي الجاني.
هذه المنطقة الوسيطة بين الخيال والواقع استغلها الكاتب معلنًا انحيازه للخيال علي حساب الواقع. فالخيال في قصص المجموعة يمتلك قوته ليتمرد ويخرج إلي الحياة الحقيقية، مثل ممثلة غالبًا ما يشاهد البطل أفلامها حتي يروح في النوم، وعندما ينام تخرج الممثلة من الفيلم وتغسل له ملابسه وتغطيه ثم تعود إلي الشاشة لاستكمال بقية المشهد.
تعد المجموعة هي العمل القصصي الوحيد للشاعر محمود فهمي. وتبدو القصة القصيرة ابنة شرعية للشعراء، لأن الشاعر في هذه المجموعة يكتب القصص برهافة شديدة ملتقطًا للتفاصيل الإنسانية والجوانب العميقة في أحاسيس الشخصيات. كما أن تقنية كتابة النصوص الشعرية تعتمد علي التكثيف لذلك جاءت القصة متخلصة من كل الإضافات الزائدة، وكتب المؤلف في قلب الحكاية بتكثيف شديد.
لأن الوجوه هي علامتنا للظهور.. فيتبني الكاتب نموذجا في أول قصة عن رجل يريد إخفاء وجهه علي طريقته، ويريد أن يصبح صرصوراً، لمجرد ألا يلفت الأخرين إليه.
بتلك القصة يوجه الشاعر محمود فهمي تحيته إلي كافكا، والتي استلهم فيها فكرة قصته »‬المسخ»، عن التحول إلي حشرة، ثم يوجه تحية ختامية أخري الي كافكا في القصة الأخيرة عن بطل يبحث عن وجه كافكا علي أغلفة الكتب ليشتريها.
»‬حدث في الشتاء الماضي» هي حكايات عمن أسماهم المؤلف »‬بائعو البهجة»، أصحاب تلك الوجوه العابرة التي لاتنسي.