رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

في مديح الأفلام: السينما فائض محبّة وفرح


د. سمية عزّام
9/15/2018 10:53:59 AM

مرّ عامان علي صدور كتاب "في مديح الأفلام" لسعد القرش 2016؛ وأشدّ ما لفتني أنّه لم يحظَ بقراءة متمعّنة في ما يتعدّي الكلمة والصورة، والحدث الموصوف. إذ إنّ للدراما تاريخاً يعود للإغريق، كما أنّ للدراما المصريّة ونقدها شأنًا جليًّا. في كتاب يتناول تأمّلات في معاني السينما، وصناعة الأفلام، وحركة التثاقف من طريقهما، قراءة في كتاب مفتوح علي الحياة، وعلي الإنسان وعوالمه، ما ظهر منها وما بطن. كيف لا؟ والسينما ظاهرة  فنيّة واجتماعيّة، بل هي "أجمل حقيقة اهتدي إليها الإنسان، وأروع خيال خلقه؛ فصدّقناه" علي حدّ تعبير صاحب الكتاب.
يتكشّف الكتاب ترحالًا في عالم التخييل المتجسّد لحمًا ودمًا، حركة وصورة، ورحلة ذهاب وإياب بين التجربة الذاتيّة في التلقّي من جهة، والتجربة الدرامية المحاكية. وثمة فارق بين تلقّي العمل الرّوائيّ من خلال دفّيّّ كتاب، وأن نكون في قلب الحدث المصوّر مع الشخصيّات التي تؤدّي أدوارًا مابين رمزيّة وواقعيّة، أو بمعني نقدي آخر، مابين العامليّ (بتعبير ألجيرارد جريماس) والممثّلي.
الرحلات الموصوفة في عوالم السينما أو الشاشة المحاكية، ولأجلها  بغية تتبّع ما تنتجه ثقافات الأمم، تحيلنا إلي أدب الرحلة وما يقدّمه المسافر من تأمّلات هي بمنزلة مسار داخلي وجودي بموازاة المسار الزمكاني للسفر. والكاتب كان قد أضاف للمكتبة العربيّة ولأدب الرّحلة كتابًا بعنوان "سبع سماوات" يصف فيه انطباعاته عن الأمكنة بمقدار وصفها؛ وكأنّ هذا الكتاب "في مديح الأفلام" جاء ليكمل ما بدأه؛ فتغدو رحلاته مثلّثة المسارات، أو ثلاثيّة الأبعاد: زمكانيّة، ووجوديّة نحو الدّاخل، وافتراضيّة تخييليّة- فنّيّة، ليعود بثمرة التجربة في كتابين؛ إذ إنّ الإنسان شمول، وكلّ لا يتجزّأ، وإن جاء نتاجه مجزّءًا.
يفضّل الكاتب أن يبقي في أرض برزخيّة، فنصب خيمته الخاصة  خيمة الشغف بالسينما وعشق الجمال في الفن-  في المابين: بين النقد  السينمائي والخبرة في ضفة، والمشاهدة الانطباعيّة في ضفة أخري. أراد، بهذا الكتاب أن يردّ الجميل لهذا الفن؛ إذ يري نداء خفيّا يصل بينه وبين السينما بمهرجانتاها وعروض أفلامها. غير أنّه لا مجانية في الكتابة؛ في أي كتاب ثمة رسالة مستبطنة، ورؤية دفعت بالكاتب لكي يقول ما يقوله. فما هي رؤية الكاتب في "في مديح الأفلام"؟
لعلّ العبارة "لا شفاعة في الفن. القضية لا تتعلق بمَ تقول الأفلام، وإنما كيف تقول ما تريد قوله؟ القضايا الكبري لا تصنع وحدها أفلامًا"، هي الأكثر كثافة وتعبيرًا عمّا يرمي إليه صاحب الكتاب. فالدرس الفنّي لأي سينمائي، أو مشتغل بالفن، أو ناقد له، يكمن في الروح التي يريد إيصالها للمشاهد، وإن اختلفت اللغة والثقافة. الفيلم عابر للثقافات والأزمنة واللغات، وينبغي أن يمسّ الجوهر الإنسانيّ، ويثير دهشة أجيال لم تولد بعد. كما يري أنّ وظيفة المخرج، والفنان عموما، ليست الاستسلام لحادث معروف وتقديمه حرفيّا، لأنّ الجمهور يريد "المشاهدة" لا "الفرجة".
لذا، يميّز الكاتب بين عدّة تصنيفات للأفلام وفق عناصر صناعتها. بحسب الإنتاج، نجد أعمالًا تجاريّة وأخري فنّيّة أصيلة. وينقل في هذا المقام، كلام رئيس لجنة تحكيم  مسابقة الأفلام الروائيّة الطويلة في المهرجان القومي للسينما المصريّة (2013)،  في انتقاده للسينما التجارية: "كان النجاح يقاس بالأثر الطّيب الذي تتركه في المشاهد، وقوّتها في تشكيل الوجدان. أفلام اليوم تقاس بالإيرادات". لكنّه يطالب بعدم القسوة علي الأعمال التجاريّة، واتّباع الديمقراطية في الحكم، قائلًا بأنّ في الديمقراطيّات الفنّيّة تتجاور كلّ الأشكال، علي أن تكون المنافسة في المهرجانات من نصيب الأفلام غير التجاريّة. فإطلاق الأحكام الاستعلائيّة علي الأفلام التجاريّة غير مبرّر لأنّها مهمّة لتزييت آلات الإنتاج، ووقود حيوي لإنتاج أفلام ذات مستوي فنّي عالٍ. أمّا بحسب القدرة علي التمثيل، فنعثر علي الافتعال أو العفويّة والتلقائيّة، ليغدو اختفاء الممثل والمخرج أمنية؛ حيث يبدو الفيلم أكثر واقعية وصدقاً وجمالا من أي حقيقة يعبّر عنها الخيال في إتقان تجسيده. ووفق الموضوع والإخراج، تقسّم الأفلام  قصّةً أو مناظر. فيلخّص الفيلم في إجابة من كلمة واحدة: هل الفيلم درامي أو أنه يحفل بالمشاهد الساخنة؟ كما تحدّث عن الخلطة غير الفنية في بعض الأفلام التي تقول كل شيء لكي لا تقول شيئًا.
وبشيء من الحسرة والقلق علي مستقبل السينما المصريّة، يعبّر الكاتب عن دورها في خمسينيّات القرن الماضي؛ إذ كاد الفيلم المصري يكون سفيرًا ورسولًا ثقافيًّا. ولفت إلي انعكاس الوعي النقابي علي السينما، في إرهاص تبدّي في بداياته لدي الشّيّالين في محطة باب الحديد، ذلك في فيلم  يحمل الاسم نفسه. وعن تجسيد علاقة المثقّف بالسّلطة، يري أنّ  المثقف يظل شخصية باهتة في الأدب والسينما في علاقته بالسلطة؛ إذ يبدو في بعض الأفلام النادرة غير صالح لخدمة أي نظام، بل يضيق به: نظام الحكم، ونظام الأسرة.. أمّا عن النقد السينمائي، فيلحظ أنّ صفحات السينما تخلو ممّا يستحق عناء الاهتمام.
لا يسعنا، في ختام هذه العجالة، إلّا أن نتماهي مع سعد القرش في عشقه للسينما، وشعوره بأنّ الدنيا أجمل، وأنّ الحياة تحتمل في رؤية الجمال الذي يلامس الروح والوجدان لمشاهد تجعلك تصدّقها وتستبعد التمثيل فيها. وأن نؤكّد رأيه في انتفاء التقدّم من دون خيال وغيرة من ذوي الخيال. فالفنون فائض محبة للبشر والأماكن والأزمنة، والفرح بالفن لا يوازيه إلا الفرح بالحياة نفسها!

ناقدة لبنانية