رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

نساء في عرين الأصولية الإسلامية:قراءة تشريحية في عقل التطرف


شعبان يوسف
11/10/2018 1:31:13 PM

عندما يتساءل أحد: هل مصر أنجبت عقولاً بعد نصر حامد أبو زيد وفرج فودة وخليل عبد الكريم وغيرهم ممن أضاءوا وأشعلوا مساحات الفكر بما يطرحونه من محاور مهمة، بل وخطيرة، وكانت كتاباتهم مدويّة وساطعة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات وما بعد ذلك؟! ويبدو أن هذا التساؤل وما شابهه من أسئلة، ليس تساؤلا بريئا، وليس تساؤلا استفهاميا، بقدر ما هو تساؤل استنكاري بشكل واضح، ويريد هذا التساؤل أن يقول أولا: إن بلادنا نضبت من التفكير والبحث النقدي والعلمي لإشكاليات الدين والتراث التي كانت مطروحة في الساحة من قبل، وثانيا: أن كتابات نصر وفودة وعبد الكريم وغيرهم، لم تكن بالأصالة التي تنتج وتستمر في أجيال لاحقة، وهذا ينزع عنها شرعية الأصالة، ولذلك نعود لما كنا عليه من قبل، ونخضع لما كان سائدا من قبل، ومن ثم فالتساؤل المطروح وما يتبعه من تساؤلات شبيهة، لا يخلو من خبث واضح ومغرض ولئيم، وفحواه أن نرضخ للعقلية التي تم انتقادها، وللفكر الذي تم تشريحه علميا بفضل هؤلاء الباحثين والمفكرين، الذين دفعوا حياتهم فرج فودة، وحريتهم نصر حامد أبوزيد وأمانهم خليل عبد الكريم، بشكل يمثّل بطولات شامخة، في مواجهة الخنوع والخضوع والركوع أمام الأفكار الجاهزة والشائعة.
وجدير بالذكر أن هؤلاء المفكرين والباحثين، هزّوا ثوابت كانت راسخة في وجدان الناس، وقلّبوا في التراث الفكري الإسلامي، ليكتشف كل واحد منهم أسبابا عميقة تجعلهم يقولون ماقالوه، حتي لو دفعوا فواتير باهظة للغاية، ولأنهم واجهوا وقلّبوا وبحثوا ونقّبوا بصدق ومجهودات واسعة، اكتشفوا تاريخا مختلفا، وتفسيرات مختلفة، وهكذا أصبحت سيرة هؤلاء، استكمالا لمسيرة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه »الإسلام وأصول الحكم»‬، والأستاذ خالد محمد خالد في كتابه »‬من هنا نبدأ»، وما بعده، ولكن بعد رحيل نصر وفرج وعبد الكريم وسعيد العشماوي بطرق مختلفة، انخفض صوت الاجتهاد الفكري المتمرد قليلا، لكنه لم ينغلق تماما، وظلّ الأمر محصورا بين أبحاث أكاديمية شبه منغلقة، وكتابات متناثرة هنا وهناك.
>>>
وليس من باب المصادفات أن يرافق انخفاض صوت التمرد الفكري، صعود التحقق التنظيمي والشعبي لجماعات التطرف الإسلامي، وعلي رأس هذه الجماعات »‬الإخوان المسلمين» ، وجماعات السلفية، وعلي هامش هاتين الجماعتين، بل علي سفح الجبل تناثرت جماعات وتنظيمات صغيرة، ولكنها كانت أكثر عنفا، وتريد أن تثبت ذاتها أمام تنظيمات تاريخية، لاقت تحققا واسعا ومتغلغلا في البيئات الأكثر عشوائية والفقيرة، وفوجئ المصريون بأنهم أمام حشد من الجماعات والتنظيمات والأفكار المختلفة، وربما المتناقضة، والتي ارتضت وتسامحت أن تخضع لقيادة الجماعة »‬ الأم» ، وهي جماعة الإخوان المسلمين، واتضح هذا الأمر بقوة، عندما أتاحت الظروف التاريخية، وبعض الملابسات الداخلية والخارجية، استيلاء الجماعة الإخوانية علي مكتسبات 25 يناير، ليصلوا إلي مقاعد الحكم، وبعد بروفات برلمانية عديدة، كانت بمثابة تمارين رياضية لمقعد الرئاسة ذاته.
من هنا بدأت أقلام كثيرة تنفض بعض غبار عنها، وتفدّم فكرا جديدا جريئا، وهناك أقلام أخري قدّمت تجاربها من داخل الجماعة نفسها، وعلي رأس هؤلاء الباحث ثروت الخرباوي، ثم حسني تمام، كما قرأنا سيلا من الروايات الأدبية لتشريح الجماعات المتطرفة جميعا، منهم ماهر فرغلي وأحمد حسام الدين وغيرهم، وكانت كل هذه التجارب مثيرة للجدل، وإعادة البحث مرة أخري في تاريخ وصيرورة هذه الجماعات، وفي قلب هذه الكتابات، جاءت الكاتبة والباحثة والإعلامية رباب كمال، لتضع أمامنا أبحاثا جادة للغاية، وقراءة عميقة وواسعة وشاملة في عقل التطرف، وهي أبحاث تليق بأن تكون امتدادا طبيعيا وجدليا لكل من ذكرناهم، وجرأة علي كافة المستويات، ومناقشة واضحة لكافة الأمور، دون التمحك في النصوص الدينية، بالإضافة إلي ذلك، جاء كتابها الثالث »‬ نساء في عرين الأصولية الإسلامية» ، والصادر عن دار بن رشد، مخصصا للمرأة، وكيف صارت المرأة أمة وخاضعة وخانعة في ظل أشكال من التركيع، وكثير من النصوص المتطرفة، تلك النصوص التي دعمت عقلية ذكورية وسلطوية بقسوة.
قبل أن تصدر كتابها الأول »‬ من وحي العلمانية»  في إبريل 2016، شاركت رباب كمال التي تعمل أساسا بإذاعة البرنامج الأوروبي، وتقدم برامج عن قضايا المرأة والقضايا السياسية والثقافية باللغة الإنجليزية_ في عدة ندوات موسعة ومؤتمرات دولية مهمة، منها مؤتمر »‬ الدين والشرعية والعنف»  في الأردن، ومؤتمر »‬ العلمانية في مواجهة الإرهاب»  في بروكسل، وقدمت محاضرات في عدد من الدول الأوروبية منها »‬ التحول الديمقراطي والعلمانية»  في بروكسل، وغير ذلك من المؤتمرات التي ساهمت في تقديم الباحثة كإحدي المدافعات البارزات عن الديمقراطية والعلمانية وقضايا التمييز ضد المرأة وغيره، ونشرت عددا من المقالات التي جمعتها فيما بعد في كتابها الأول »‬ من وحي العلمانية»  2016.
>>>
وجاء كتابها الثاني »‬ دولة الإمام.. متي تخلع مصر عمامة الفقيه؟»  لتؤكد وتعمل علي تعميق ما شرعت في عرضه وكتابته من قبل، وهو مجموعة مقالات متفرقة، كتبتها الباحثة في مواقع مختلفة، وقدّمت لها الدكتورة إلهام مانع، أستاذ العلوم السياسية في جامعة زيورخ، واستهلت مانع تقديمها بـ: »‬دبابيس.. دبابيس تنقر في أورام داخل منظومتنا الدينية، الثقافية، السياسية، تنفذ فيها بفتحة دبوس صغيرة لتكشف لنا بوضوح باهر عن القبح المتفشي في واقعنا ..كلمات الإذاعية الصحافية المفكرة رباب كمال، هي تلك الدبابيس .. تدخل في صميم الموضوع ، بدون لف ولا دوران، لا تنافق، ولا تجامل، ولذا فإن قلمها أصبح محبوبا ، ننتظره بشغف وهي تقدم لنا الواقع كما هو، وهي تحلم» .
وتسترسل الدكتورة إلهام في الاشتباك مع الفصول الخمسة، والتي تتخذ عناوين واضحة وشائكة في الوقت ذاته، وكذلك تعمل الباحثة علي فضح الأفكار السائدة، وتشتبك معها، وعناوين كالتالي:  »‬ الحرية العقائدية والتمييز الديني في مواجهة ثقافة العيش، حرية التعبير والإبداع، تجديد الخطاب الديني، توظيف الدين في الخطاب السياسي الثوري، الخطاب الثقافي في مواجهة المد السلفي» ، وعلي سبيل المثال لا الحصر، تشتبك رباب كمال مع الاعتقاد السائد حول د. عبد الوهاب المسيري ، حيث إنه يثير قدرا من الالتباسات العديدة، وهو ينال قدرا كبيرا من التقدير الإيجابي لدي قطاعات عريضة من المثقفين، وأظن أن كثيراً من المثقفين يتعاملون مع ما يشاع دون الفحص والتشريح، ودون الرجوع إلي المصدر الرئيسي للإشاعة، التي تضعه في مصاف الكتاب والمفكرين الطليعيين، بينما هو في أحسن الأحوال مفكر توفيقي بامتياز، وهذا رأيي الخاص منذ زمان بعيد، فقد ارتكن الرجل إلي مغازلة التيارات الدينية، بعد أن طل أفكاره بقشرة يسارية مقبولة، وهنا تتعرض الباحثة له في كتاب المسيري »‬ العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» ، والذي اعتبر فيه أن العلمانية قرينة أساسية للإلحاد، وهنا تقول الباحثة: »‬ يبدو أن فلسفة الكتاب كانت شديدة التضارب، تبنّي فيه المسيري ما أسماه (العلمانية الجزئية)، وهي علمانية غير شاملة فلا تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية، فأقرّ المسيري أن المرجعية الإسلامية هي المجال أو الطريق الوحيد لحلّ مشاكل هذا المجتمع، لأن أي مجتمع لا بد أن يكون له مرجعية نهائية واحدة، كما دافع عن شعارات الإسلام هو الحل، وأقرّ أن فصل الدين عن الدولة يتجاهل البعد الإنساني والروحي» !!، وتستكمل رباب ما تطرقت إليه عند المسيري، مسترشدة بما أقرّته في هذا التقديم السالف، وساقت لنا فقرات كاملة دون اقتطاع من السياق، لتكشف عن سلفية، كانت تكمن في الخطاب الفكري للدكتور، وبهذا اشتبكت رباب كمال مع الفكرة السائدة التي تقول بطليعية المسيري، وكشفت زيفها بسهولة، بعد تشريح هذا الخطاب، وإعادته إلي أصوله الحقيقية.
وهكذا راحت الباحثة تكشف زيف ووهمية شعارات وأفكار سادت الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية، حتي القطاعات التي تزعم التنوير والتقدم، وتنتمي إلي تيارات تدّعي الطليعية، وراحت لتردّ في ثنايا أبحاث الكتاب علي الذين يزعمون بأن العلمانية كفر، وأوضحت بأن العلمانية ليست كفرا ولا إيمانا، واستطردت بأنه لا ديمقراطية دون علمانية، فالعلمانية هي المنهج الوحيد الذي يضمن للمنتمين إلي ديانات مختلفة، ولغير المنتمين إلي أديان سماوية، حياة كريمة دون اضطهاد ودون تنكيل بهم، لأنهم يعتنقون الديانة البهائية، أو الهندوسية، أو لمجرد أنهم ينتمون لمذهب يخالف المذهب السائد، مثل طائفة الشيعة، وقد علني كثيرون من جرّاء استخدام سلاح التكفير والازدراء الديني.
وتستطرد رباب كمال في المواجهات العديدة، وتكشف عن أوهام عديدة سادت، وتكرّست تلك السيادة، حتي صارت وكأنها حقائق دامغة، ولا تكتب رباب من واقع نصوص تقرأها، ولكنها تستمد طاقة المواجهة من خلال تجارب خاضتها بشكل عملي مع ساسة وباحثين ومفكرين وأدباء ومواطنين لا ينتمون إلي عالم البحث والكتابة، في مقال لها بالكتاب عنوانه »‬الشريعة الإسلامية ليست دستورنا، هذا ما قلته لعمرو موسي» ، وسردت رباب ما يشبه القصة القصيرة، فعندما كانت تشارك فيما يسمي ب »‬الحوارالمجتمعي حول الدستور» ، كتبت : »‬ اعترضت في جلسة الحوار المجتمعي في لجنة الخمسين لتعديل الدستور المصري علي شعار (القرآن دستورنا) شعار الإخوان المسلمين الذي استخدمه السيد سامح عاشور في افتتاح إحدي الجلسات في يوم 23 ديسمبر 2013، وقلت حينها: (إنه لا سبيل لنا لحماية مصر من غزوات المتطرفين إلا بدستور علماني الطابع، كما أن المادة الثانية نفسها مادة تؤسس للطائفية وتنسف مفهوم المواطنة)، فجأة انقطع صوت الميكروفون، وسمعت هذه الكلمات : شكرا للعضوة» .!!!
وتستطرد رباب: »‬ لم أكن حالمة بأن القاعة ستغمرني بالإشادة، بل كنت أسجل موقفا فحسب، لأن صمتنا أصبح مخجلا، فالدستور المدني الذي الذي وعدتنا به لجنة الخمسين ليس من المفترض أن يكون دستورا ينافس الإخوان شعاراتهم ، فالمعتقدات ليست دساتير للبلاد» .
>>>
هكذا تحدثت رباب كمال، وهكذا كشفت هذا التسلف الغارق في كافة المؤسسات والكيانات، رغم التشدق أحيانا بما يوحي بعكس ذلك، ولكن الاستغراق قليلا كما فعلت الكاتبة بحثا وفعلا_ يكشف كوارث موقوتة تكمن داخل مؤسسات القضاء والتعليم بكافة أنواعه والإعلام والثقافة، فما بالنا بالمؤسسات الدينية نفسها، الأزهر وجامعته والمساجد والزوايا، وما ينتج عن ذلك لتكريس التقاليد الراسخة، والتمييز الواضح في التوظيف والمناصب وكل ما له علاقة بالقوام المجتمعي، والذي تضرب كل أشكال التطرف عنقه كل يوم،دون أي محاولة للإصلاح، بل تكريس هذا التطرف الذي تناولته رباب كمال بعمق وتوسع واستفاضة في كتابها الثاني »‬ دولة الإمام .. متي تخلع مصر عمامة الفقيه» .
بعد هذين الكتابين اللذين صدرا في عامين متتاليين 2016 و2017، صدر كتابها الثالث »‬ نساء في عرين الأصولية الإسلامية»  في هذا العام 2018 عن دار ابن رشد، لتؤكد رباب كمال علي شرعية وأصالة ما كتبته من قبل، ولم تكن صيحتها صرخة عابرة في فضاء عابر، ولم تعد الباحثة تتراجع، ولكنها كادت تصرخ في كل كلمة كتبتها، واقتبست فقرة من كتابات ابن رشد تقول : »‬ الله لا يمكن أن يعطينا عقولا ويعطينا شرائع مخالفة لها» ، وأطلقت تلك الصرخة في كل سطور الكتاب، وفي فضاء هذا العالم المتطرف والظالم والمجحف في ممارساته تجاه المرأة، وعبر كل الظواهر العربية المعاصرة، وناقشت كافة النصوص والتفسيرات الدينية للمرأة حديثا وقديما، وقبل أن تدخلنا الباحثة في مناقشات كافة ماتتعرض له المرأة من قمع ومنع وإبعاد وتكريم مزيف، طرحت تجربتها المثيرة مع جماعة الإخوان، ورغم قصر عمر التجربة من 2003 إلي 2004، ورغم أنها لم تكن تجربة تنظيمية، أي أنها لم تنخرط في الجماعة، إلا أنها استطاعت أن تكشف وتعرّي ماتنطوي عليه تجربة هذه الجماعات من خراب وتخريب شبه كامل للكائن الإنساني المتمثل في المرأة المسلمة.
تحكي رباب، وكأنها تكتب رواية خيالية ذات طابع واقعي سحري، ففي مقتبل عام 2003، كانت الباحثة كأي فتاة تذهب إلي أحد مساجد حي مصر الجديدة كي تؤدي صلاة المغرب، حيث محل سكنها، وكانت هناك تشديدات أمنية في هذه الفترة، وكانت التعليمات تقضي بإغلاق المسجد بعد الصلاة مباشرة، ما عدا الفترة الممتدة بين صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وكانت هذه الفترة هي التي يتم فيها استقطاب أو اصطياد الفتيات والنساء، حيث يمكثن في المسجد، فالأمر لا يحتاج إلي ذهاب وإياب، ومن ثم تدور حوارات كثيرة ومنظمة وهادفة لتجنيد النساء والبنات والفتيات إلي تنظيم الجماعة.
>>>
تسرد رباب تجربة تضافر كل الملابسات لصالح المنحي السلوكي والخطابي في مواجهة حرية المرأة، وتعمل المنظومة الأخوانية المتطرفة بكامل طاقتها لتكفين هذا الكائن الإنساني الكامل، لا خطيئة له سوي أنه امرأة، يتم تجريدها من كل حقوقها، بداية من خطيب المسجد، مرورا بل استغراقا في السلوك المجتمعي المتردي، وصولا إلي القوانين والشرائع الوضعية التي تستمد شرعيتها من تفسيرات لنصوص دينية، وعن الخطيب تقول الباحثة : »‬ حدثنا الخطيب في خطبة الجمعة عن خطورة الحركة النسوية التي ضربت البلاد الإسلامية في مطلع القرن العشرين، وأسماها بالزوبعة في الفنجان، ووصف حقوق المرأة بالبدعة وقال إن كل بدعة ضلالة، وإنه لا يوجد أكثر ضلالا من دعوات تحرير وتمكين المرأة، التي خلعت حجابها وطالبت بالمساواة بوجه مكشوف لتناطح الرجل في قوت يومه، لقد تراءي للشيخ الجليل! أن فرصة المرأة المتكافئة في بيتها، تنتظر زوجها حتي يدعوها للفراش فلا ترفض وإلا لعنتها الملائكة، ولا تخرج للعمل حتي لا يستشرفها الشيطان، ودعا المجتمع أن يحارب فتنة النساء، وأنهي خطبته العصماء بعد كل ما قاله ب »‬ رفقا بالقوارير» ، أي رفق هذا الذي يتحدث عنه» .
هذا هو ما يلوكه كثير من خطباء المساجد، وهذا أيضا ماتتبناه النساء اللاتي يذهبن للصلاة شكلا، ولتجنيد الفتيات مضمونا، وبأساليب تكاد تكون ناعمة في البداية، ثم تتخشّن هذه الأساليب، وهناك كتب يتم تقريرها وتحفيظها وتلقينها للفتيات الصغيرات والشابات والنساء الناضجات، كتب تحمل متفجرات وتفسيرات ليست معادية للمرأة في حريتها فحسب، بل هي معادية للانسان عموما، وتعمل الباحثة في الفصل الأول من كتابها علي سرد قصتها مع جماعة الإخوان، ثم تعمل علي تشريح الخطاب العدواني الذي يكمن في هذه الكتب التي تطبع بآلاف النسخ عبر عقود عديدة سلفت، وهذا لتربية الوحش المتطرف، والذي يفاجئ المجتمع الآمن يوما بعد يوم بعمليات قتل وسفك دماء بريئة في كل ربوع الوطن.
الكتاب يقع في 350 صفحة، وينطوي علي سبعة فصول ومقدمة ضافية، وهي علي التوالي : في رحاب الأخوات، روح الله في مواجهة نساء الفرس، رمال الوهابية المتحركة، نساء في عرين الأزهر: مآذنة الوسطية ترفع آذان الأصولية، نساء في ظل حكومة الله: أسلمة حقوق المرأة في الخطاب التشريعي والحكومي، نساء في سطوة الموروث، ثورة الجسد في وجه الأصولية» .
ولا يسعنا هنا أن نناقش هذه الفصول الموسعة مناقشة مستفيضة، وربما نعود له مستقبلا، فالكتاب يعبّر عن ضرورة قصوي في كشف العقل المتطرف، ليس في تحجيمه وتنقيبه وتحجيبه واستبعاده للمرأة فقط، بل هذا العقل الذي تم تشريحه وتفكيكه إلي منابعه التاريخية والاجتماعية الأولي، أصبح يشكل خطرا علي مجتمعنا المصري والعربي، وكذلك علي المستوي الانساني عموما، ولا تكفي التحية للباحثة الجادة رباب كمال التي صرخت بما فيه الكفاية، وقدمت لنا جدارية مهمة في تشريح ومواجهة العقل المتطرف، والذي بات خطرا علينا جميعا، وقبل مواجهته ، لا بد من فهمه وتشريحه كما جاء في هذا السفر المحترم.