رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

بين فقه الواقع وفقه الذات !

منطق اللغة الشعرية عند محمد الشحات


د. محمد زيدان
11/17/2018 1:28:39 PM

لابأس أن تتجلي مرة ثانية لغة المنطق الشعري في عصر يتساوي من حيث سياقاته وتجلياته-وضوضاؤه مع زخم الشعر العربي في زمن العصر العباسي، لغة تتحول من منطق المجاز الشعري الذي يسعي لتحريك القصيدة إلي أثر دلالي، أكثر من سعيه لتكوين شكل شعري، كما أن إمكانيات النص تختلف باختلاف المعاني التي يريد الشاعر أن تكون ضمن المنظومة الشعرية لعصر يحتاج إلي منطق الشعر ومجاز الفكرة أكثر من احتياجه لجماليات الصورة وترتيبات السياق، إنها تجليات فكرية تحتاج إلي قدر كبير من الوعي بالعصر، وتكويناته الاجتماعية، والسياسية، والإنسانية، زمن يري الشاعر نفسه مثلما كان يراه قبل ألف وأربعمائة عام، دور الشاعر النبي. مخلص البشر من همومهم، ولكن الدور الاكثر جدارة هو أن هذا الشاعر الذي يسعي إلي تكوين منظومة منطقية تتذرع باللغة الشعرية، هو أكثر المخلوقات هما ولوعة وانسجاماً بين فكر المجتمعات المعاصرة، التي يصغر فيها الإنسان أمام ضخامة الآلة الإعلامية، وضبابية الحياة الراهنة التي تمتليء بالمتناقضات، من هذا المنطلق يمكن الدخول إلي عالم الشاعر، محمد الشحات، وهو من شعراء جيل السبعينيات الذي آثر أن يكون له طريقاً يعتمد فيه علي موروث التفكير التراثي والشعري، لم ينجرف كما انجرف الكثير إلي حداثة اللغة الفارغة من دلالات تبدو واضحة في الأصل، ولكن الالتفات اللغوي، هو الذي حولها من أسلوب للتوصيل، لأسلوب للبحث عن المعني داخل الكتل اللغوية، وهذا في مقابل لغة شعرية تحاول أن ترسم تجلياتها ومعانيها من خلال مجموعة من آليات التعبير.
الأول: منطق اللغة الشعرية.
الثاني: السياق بديلاً عن المجاز.
الثالث: فكرة التجليات وحكمة التعبير.
هذه المداخل الثلاثة يمكن البحث عنها في خطاب الشاعر محمد الشحات بشكل عام، مروراً بأعماله الأولي والتي بدأت بديوان »الدوران حول الرأس الفارغ»‬ عام 1974، زمن المنطق الفكري الذي كان يحكم المجتمع المصري آنذاك، والتحديات السياسية والحضارية التي واجهته، وحلم التحول الاقتصادي الذي كان يراود أحلام الشعراء والناس علي حد سواء، وحتي آخر أعماله الشعرية، بالإضافة إلي أن لغة المنطق الشعري تتحول من مجرد فكرة شعرية، إلي أسلوب حياة، ومنطق عيشي، وضرورة من ضرورات التعامل مع المجتمع المصري بكل أشكاله، ولايخلو هذا المنطق من احتواء اللغة الشعرية عنده علي التفكير الرمزي، الذي يرقي إلي فكرة التفكير بالعلامة، سواء كانت هذه العلامة لغوية، أو كانت دلالية، لتكوين ما يمكن أن نسميته »‬بسييولوجيا الأتصال الأدبي» أو الفكري.
وهو أسلوب يتراوح بين الاعتماد علي التفكير اللغوي والمنطقي من ناحية، وأسلوب الاتصال الاجتماعي من ناحية أخري (1) هذا التوافق السياقي جعل الشاعر ينحاز إلي أسلوب خاص في التعبير الشعري دخل به إلي عالم معادلة واضحة منذ البداية، معادلة الفكرة والمعني، والانسجام المنطقي بين عالمين.
العالم الأول: السياق المرحلي للنص.
العالم الثاني: المنطق الفكري للنص.
والعالمان لاينفصلان عند الشاعر محمد الشحات، لأن كلاً منهما يتوازي مع الآخر، ويتقاطع في نسيجه بشكل يومي بعدم الفصل بين أي سياق فني واجتماعي، ولكن المرجعية الشعرية في البدايات علي الأقل، كانت تمثل هذا الهاجس الدائم عند الشعراء في مصر والوطن، وحتي الآن يمكن تطبيق هذا النموذج، أو الترسيمة تطبيقاً اعتبارياً، فالواقع العربي يعيد نفسه، وتاريخ الوطن يتشكل وفق مقطورات تتشابه وفترة الحسم في السبعينيات، مع اختلاف التحديات والمشارب وأوجه المقاومة، والتي تتخذ بدورها عدداً من الأشكال الشعرية الدالة علي توجه الشاعر من  ناحيته، وتوجه المرحلة من ناحية أخري، مثل:
- الالتفات إلي التراث.
- حوار الذات.
- الحكمة الظاهرة.
بدأ الشاعر ذلك في القصيدة التي تأخذ عنوان الديوان، ومنها سوف أطبق بعض المفاهيم التي تتصل بموضوع السباق الشعري، والمجاز الظاهر، وغير ذلك مما يساهم في رصد الظواهر الفنية للخطاب الشعري بشكل عام عند واحد من شعراء السبعينيات في مصر، اتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً بدت في الظاهر أنها سياق عام لمرحلة شعرية، وفيها حول الشاعر أفكاره إلي حالات فلسفية يصدر عنها من الحكمة أكثر مما يصدر عنها من تشكيلات تتصل ببناء النص الشعري.
أولاً: منطق اللغة الشعرية
منطق اللغة الشعرية عند محمد الشحات يرتبط بعدد من المفاهيم الذهنية التي تمثل المقام الخارجي للنص، من هذه المفاهيم ما يتصل بفكرة المنطق اللغوي، ومنها ما يتصل بفكرة الدوران حول مفهوم واحد، حدث، إحالة رمز، خرافة، ثم تبدأ عملية الانسجام الفكري في التفاعل، مما يجعلنا نميل إلي أربعة من هذه المفاهيم:
الأول: حوار الذات كأداة للكشف.
الثاني: الدخول إلي الإحالة داخل النص.
الثالث: صنع الارتباط بين الأداة والإحالة.
الرابع: استبطان الدلالة، وتنويعها.
أشار إلي بعض هذه الاشياء د. وليد منير في كتابه »‬جدلية اللغة والحدث في الدراما الشعرية (2) يقول الشاعر في قصيدة »‬الدوران حول الرأس الفارغ»:
أنزع رأسي
من فوق العنق الدموي الغائر في أوصالي.
وأنازله في حرب أبدية.
يتدحرج رأسي بين جماجم أجدادي الموتي [ويصارعهم.
ينقسم الرأس إلي نصفين.. إلي نصفين.. إلي نصفين فأذوب.. أذوب.. أدوب.
وأعود كما كنت بدائيا
قد ملأت رأسي كل هموم القلق.. الخوف
الجوع المرضي.. صراع الإنسان مع الإنسان
وروائح زيت الماتورات.
فنزعت الرأس.. ووجهي والجفنين
ومضيت أفتش عن رأس يحمل قسماتي.
في مدن الحكمة والعقلاء الرأس النور
في مدن أخري الرأس الصخر
أمضي منزوع القسمات
ماعاد الشرطي الواقف في الميدان الأزرق يتبعني
ما عادات أشياء الميدان تحدثني
ماعدت ألامس وجهي في المرآة
ماعاد.. وما عاد.. وما عاد
فصرخت.. صرخت صرخت
لكني أدركت بأني لا أملك رأساً (>)
القصيدة ترجمة ذاتية تميل إلي استكشافي الباطن النفسي للعنوان الذي يصرح بكل منطقية الدلالة المركزية التي يدور حولها، ولكن هذا الصراع النفسي ذاتي- والذي يشكله الشاعر/ الراوي من خلال لغة سردية تحمل إحالاتها في داخلها- هو الآخر صورة من صورة الصراع الاجتماعي لمرحلة سالفة الذكر من عمر الوطن، حيث يبحث الإنسان عن عقله وروحه من خلال منولوج استبطاني ينقسم فيه الشاعر إلي ذاتين متناقضتين،
الذات الأولي: الشاعر/الراوي.
الذات الثانية: الشاعر/الحالة /الرمز /المقام النفسي.
وهنا يمكن للمتلقي أن يقدم عدداً كبيراً من التأويلات- برغم أن اللغة الشعرية لاتحتمل ذلك في بعض المواضع، ولكن الأصل في الدلالة داخل القصيدة، أنها تفتح آفاقاً تجاور الأفاق الظاهرة، سواء جاءت هذه الآفاق في المسكوت عنه، في رمز نفسي، أو رمز وطني، أو حتي أن نفعل الصورة الدلالية للاستعارة التصريحية في البلاغة العربية، فنحرف المشبه، وهو الوطن - علي سبيل التمثيل- ويقدم الشاعر ظاهر الدلالة والتي تلتبس بالذات، ولذلك نرصد في النص عدداً كبيراً من الإضافات إلي ياء المتكلم، إمعاناً في سيطرة الراوي مع السرد، مع الاحتفاظ بالمسافة الفاصلة بين التراثية إذا اعتبرنا أن الذات الأولي هي الذات الحقيقية، وأن الذات الثانية هي الذات المؤولة: فنري.
أوصالي- وجهي- قسماتي- وهي أسماء مضافة لياء المتكلم.
يتبعتي تحدثني- قسماتي- ياء المتكلم المضافة إلي العقل.
وهذا يعني أن الهيئة الاسمية هي الأكثر سيطرة علي النص، وأن الإحالات إحالات مجازية، وليست إحالات حركية يمكن أن تنتمي إلي الواقع، والاحتمالية الظنية أكثر قرباً في الدلالة من اليقينية المرئية، والإحالات بدورها تنتمي إلي عالمين:
- عالم الكشف الروحي
- عالم الواقع المادي
العالم الأول يسيطر علي الشاعر سيطرة كاملة، والعالم الثاني يأتي كرد فعل لمحاولة الوجود، وهذا  أدلف إلي مدخل مهم من مداخل النص الشعري، وهو »‬منطق اللغة الشعرية»، والذي يبدو أنه يجافي واقع القصيدة باعتبارها رمزية من ناحية، ومنطقية اللغة فيها تمثل ناحية أخري متقابلة، هذه اللغة تتجلي في مقام التراث المصري في قصيدة »‬جمجمة فرعونية تزور ميدان التحرير»- والذي اتخذ رمزاً ظاهراً رمادياً حاول من خلال شغل منطق اللغة، ومنطق الدلالة، والحكمة- ظاهرة في المقابلة بين الزمن الحاضر/ والزمن الماضي، لكنه في القصيدة السالفة كان يعمل علي نسج وجهي النص بصورة استبطانية واحدة، حيث يمكن للتأويل أن يكون علي الجهتين وفي سياق فني واحد.
يقول الشاعر:
أذكر حيث رحلت أجول المملكة
أفتش عن تجسيد معاني الإنسان
بداخل هذا العصر.. فلم أجد حلولا
غير نقوش الصخر
جماجم من ماتوا قبل مجيء الشمس
فأسكن جمجمة الجد الرابع
كي يسقيني الحكمة
لكن خفافيش الموت الساكن في أوردة الجد
تجيء لتأكل وجه سؤالي الحائر
وتدور الأسئلة بداخل رأسي الحجري(>)
وظهر ذلك جليا في الإحالات الآتية:
- الإشارة إلي روح الطهارة ممثلة في الشاعر
- تنويع مصدر المقاومة بشكل جعلها غير ظاهرة
- الرجوع إلي الأصالة ممثلة في التراث الإنساني الفرعوني
- الحكمة هي الأثر الدلالي في القصيدة
- الأسئلة هي مصدر هذا الأثر الدلالي.
فالشاعر يبحث عن وطنه الذي بداخله كما عبر عن ذلك البياتي في حواره الشهير مع الدكتور حامد أبوحمد: »‬القيثارة والذاكرة: أن جنته هي التي يحلمها في قلبه، ومسيرته المجهولة.
هي موصله، والسر الأعظم هو حبه (3)
السياق بديلاً عن المجاز
الحديث عن السياق الشعري يحتمل أن نكون مؤولين ومكتشفين لأصول هذا السياق، ويحتمل أن نكون ملتزمين بأدوات هذا السياق، والذي أعده مفهوما قديماً بدأ بشكل واع مع أصول الفقه عند علماء الشريعة، حيث يعدل بهذا المفهوم أساليب الأحكام وطرقها، وأسانيدها، ويدخل المسائل في أكثر من حالة تجعل من الاهتمام بالسياق جزءا لايتجزأ من مفهوم رؤية الشارح، أو المفسر، أو مؤول النص، واذا  انتقل السياق بالأسلوب نفسه من مجال أصول الفقه إلي النص الأدبي فلن يقدم شيئاً يذكر للنص، ولكني أحوله من مفهوم واسع إلي أداة من أدوات التشكيل الشعري وبالتالي تتحول طريقة النظر إلي القصيدة، ومفرداتها، وأحوالها بتحول السياق، وهو يتوزع في الفكرة الرئيسية التي قدمتها إلي ثلاثة:
- السياق المؤسس للنص
- السياق المكون للنص
- السياق المؤول للنص
وإذا ضفر الشاعر هذه التكوينات بالرؤية السردية، فإن مفهوم البلاغة في القصيدة يختلف، حيث تتحول المسافةبين دلالات الكلمات إلي آفاق ممتدة تحاول أن ترسم ملامح السارد والمسرود عنه، وحرصت أن أقدم هذا الطرح من أحد الأعمال المتأخرة للشاعر، وهو ديوانه العاشر من الجزء الثاني- الأعمال الكاملة الصادر عام 2014، وهو ديوان »‬عندما هزني وجعي» ربما لاعتقادي أن اللغة الشعرية سوف تتحول بشكل لافت، ولكن المفاجأة أن منطق اللغة الشعرية مازال هو العنصر المهيمن مع الاتجاه الفني للقصيدة عند الشاعر محمد الشحات، ولكن الجديد أن الشاعر كوّن عدداً من مفاهيم السرد الشعري:
- أصبحت القصيدة تحتفي بعناصر السرد- الزمان- المكان- الحدث
- أصبح الراوي أكثر ظهوراً في النص
- اتجه النص إلي صورة مكتملة للحكاية
- استعاض الشاعر عن المعاني المطلقة بأخري فيها ما يشكل منظوراً فنياً، يقول الشاعر في قصيدة »‬اعترافات عاشق مفكر».
لم يعد في عيونك
ركن أهيم به
كان مزدحماً
بالمحبين
تخيرت
بعض حروفي
التي عشت بعض سنين أرتبها
لأطلقها
علها حين ترتد
تحمل في طيها موعداً
لم أكن
مثل كل المحبين
ظلت عيوني معلقة
بوجهك
عليّ أري أي بادرة
حلمت بك
قبل أن أعرف الحلم
ومن قبل أن يبدأ القلب دقاته
فحاولت أن أمتطي
رجفة العاشقين
غير أن خيولي محطمة
أنا الآن أبحث
عن صيغة للتراجع
سوف أجفف كل منابع شوقي
وأعتزل العشق
أحمل وهمي
الذي مات في مهده
ثم أرحل (>)
التأويل في النص مفتوح علي كافة المستويات المعنوية، وبخاصة تلك التي تجعل من صيغة الخطاب الدالة علي المرأة/ المعشوقة/ الوطن/ الأم/ الحياة مركزاً دلالياً للسياق الشعري، والذي حدده الراوي بداية من قوله: لم يعد في عيونك ركن أهيم به، كان مزدحماً بالمحبين، وهذا يرشح أن الفكرة تدور حول البلد/ الأم، وهي تزدان في عيون محبيها، ولاتعرف أهم يحبونها، أم يبيعونها في انتظار الفرصة، ثم يراوح الشاعر بينها كصيغة للدلالة علي سياق التوحد في روح الوطن بين البداية وبين عدد من الإحالات التي تساعده علي فهم الواقع، واقع نفسه أولاً، وليس
أولا: الحلم: باعتباره الأمل.
ثانيا: الانكسار: باعتباره الواقع.
ثالثا: التراجع: باعتباره وجهاً من أوجه المقابلة.
إن محاولة الشاعر تحويل الفكرة إلي سياق تتجلي بصورة واضحة في الإحالات الآتية:
> كان الخطاب الدال علي الرمز المحذوف، والذي يمثل صورة دلالية للاستعارة
> المقاومة التي تبدو كعالم نفسي
> تصوير الحلم والانكسار والتراجع باعتبارها أدوات للمقاومة
تحويل الصورة الكبيرة في النص إلي مجرد صور جرئية
وعلي عكس ذلك نجد الاتجاهات الحديثة في النص المعاصر تحاول التخلص من مفردات الصور الصغيرة لتحول الصور الصغيرة إلي صورة واحدة تمثل وجهاً من أوجه المنظور السردي، وهذا ما جعله يوحد بين الأفكار كأنها سياق دلالي واحد حينما يجعل فكرة التفاني للوطن فكرة صوفية تتجلي في قصيدة »‬مواقيت حزني» من الديوان نفسه.
يقول الشاعر:
قال لي وجعي
وهو ينظر لي
هل عرفت مواقيت حزنك؟
هل أسكرتك المواجع؟
ما استل حزنك سيف المقاتل
وانسل يغزو مواطنها
ما عاد وجهك
يصفح عن حزنه
وما عدت تعرف
أن تنام المواجع (>)
الفكرة نفسها تتجلي بالسياق الدلالي نفسه، فكرة التحول من الإحالة إلي الآخر كأداة من أدوات النص. إلي الإحالة إلي الذات نفسها، باعتبارها الرجع الأول والأخير  الذي يجعل من القصيدة مرجعاً أساسياً من مراجع وحدة الشعور التي تقوم بدور حالة الوصل بين الذات/ النفس وبين الذات/ الوطن. وبالأسلوب السردي  الذي يظهر في بداية القصيدة علي أنه حوار حكائي لكني سرعان ما يتحول إلي حوار درامي، يسعي الشاعر فيه إلي تنويع مصادر الدلالة والتشكيل داخل النص، وباللغة المنطقية نفسها التي يمارسها في كل  أعماله، تلك اللغة التي تنبع من ثلاثة مصادر أساسية لدي الشاعر:
المصدر الأول: البساطة اللغوية التي يعتمد عليها
المصدر الثاني: المباشرة في التفكير الشعري
المصدر الثالث: تحويل الصورة إلي دراما شعرية
والملمح الأخير بشكل خاص يرشح نصوص الشاعر محمد الشحات لأن تتحول إلي دراما مسرحية بشكل خاص، فالحس المسرحي يتوافر بشكل لافت في الكثير من القصائد، وهذا يؤهلها لعملية اللقاء لأن اعتماد التشكيل علي عدد من ضرورات هذا التحول نجدها كالآتي:
> الجملة الشعرية القصيرة
> الوصول إلي الدلالة الرئيسية بأسلوب ظاهر
> الاعتماد علي المجازات الصغيرة
كل هذه الإمكانات تؤهل النص لدراما الواقع الذي يعيش فيه، ودراما الصورة التي تنبع من ذاكرة الراوي المعاصر، يقول الشاعر في قصيدة »‬مملكة الحزن» من ديوانه »‬أدخلوني علي مهل» الصادر عام 2013:
في ذاكرتي
كان أبي يتمدد متكئاً
لا أعرف كيف انسّل الحزن
من الوجه
واضطجع علي جنبيه
وظلّ يراقصني
حين سألت أبي
من سيقاسمني حزني
أومأ لي
وتفرس وجهي
ثم وقف قليلاً
وارتشف الماء
وغادرني (>)
الدراما في القصيدة تأخذ شكلاً مغايراً عن ظاهرة الإحالات الدلالية المباشرة، إلي الإحالات الدلالية السردية، إذ يبدأ الراوي بتحويل الفكرة الشعرية إلي فكرة درامية من نوع الاستبطان الذاتي، والذي يساوي فيه الشاعر بين استبطان الذات، واستبطان الوطن، والمساواة هنا أسلوب من أساليب الاتحاد بين الفكرة- وأثرها، والسياق ودلالته.
الذات= الوطن
هذا الاتحاد الذي نوع فيه الشاعر بين فقه الواقع، وفقه الذات التي تلتبس بالوطن ليكون لها هو الأمل الوحيد في النجاة من كل شيء، وبهذا فالدراما هنا جزء من سياق كبير فكري واسع يتحمل الشاعر ضروراته الفنية التي تراوغ أحياناً في النص، وتظهر أحياناً بشكل جلي.