رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

صيف في بادن:في محبة دوستويفسكي!


يوسف نبيل
12/14/2018 11:38:16 AM

قصة هذا الكتاب غريبة ومثيرة. مؤلفه ليونيد تسيبكين ليس أديبًا متمرسًا. هو طبيب وباحث شهير نشر ما يقرب من مئة بحث علمي في الإتحاد السوفيتي وخارجه. هو من أصل يهودي عاشق لدوستويفسكي، مثله مثل عدد كبير من اليهود الذين كان دوستويفسكي يصورهم دائمًا بأشنع صورة ممكنة في أعماله، وهي ظاهرة غريبة، فلماذا أحبه اليهود إذن؟ إن أغلب النقاد الذين تناولوا تفاصيل حياة وأدب دوستويفسكي كانوا من اليهود. ظاهرة غريبة عن كاتب غريب، ولكن مواجهة المتناقضات فيما يتعلق بصاحب »الجريمة والعقاب»‬ لا يجب أن تثير تعجبنا، فأين يمكننا أن نجد في حياته وكتابته شيئًا لا يعج بالمتناقضات؟
قلنا إن ليونيد تسيبكين من أصل يهودي، وعانت عائلته معاناة شديدة إبان حملات التطهير الستالينية، ونجا ليونيد بأعجوبة في ظل ظروف قدرية غريبة، وفُرِض عليه العمل الشاق طوال عمره حتي يتمكن من كفالة أسرته، بالرغم من أنه كان يشغل مكانة مرموقة. كانت يكتب لنفسه ولم يقدم أعماله للنشر، فهو عاشق للأدب الروسي علي نحو مؤثر، بالإضافة إلي هوسه بالإتقان وتواضعه الشديد. إن إيمانه بالأدب عجيب أن يجعله يواصل الكتابة دون أمل في النشر.
بدأ تسيبكين كتابة روايته عام 1977 وأنهاها عام 1980، وكان من المستحيل تصور نشر الرواية في الاتحاد السوفيتي ولكن الأمل ظل مرهونًا بنشرها في الخارج، وهي الطريقة التي كان يلجأ إليها كثير من الكتاب الروس، وهو ما أخَّر نشر أعمال عظيمة داخل روسيا ، مثل »‬المعلم ومارجريتا» لبولجاكوف التي قرأها الغرب قبل أن يقرأها الروس.  تمكن أحد أصدقاء تسيبكين من تهريب الرواية معه إلي الولايات المتحدة ونشرها هناك في صحيفة »‬نوفايا جازيتا» وهي صحيفة روسية أسبوعية تصدر في نيويورك، وظهر أول جزء من الرواية مصحوبًا ببعض الصور في العدد الصادر في 13 مارس 1982. بعدها بسبعة أيام بالتمام لفظ تسيبكين أنفاسه الأخيرة.
>>>
لم تحظ الرواية بأي اهتمام يُذكر في الولايات المتحدة حتي وقعت تحت يد الكاتبة والصحفية الأمريكية الشهيرة سوزان سونتاج بمحض الصدفة، وشعرت بالذهول بعد قراءتها، وتولت مهمة تعريف القاريء الغربي بها وكتبت لها مقدمة رائعة. كل ذلك والقاريء الروسي لا يعرف شيئًا عن الرواية، حتي اضطلع النقاد علي ما كتبته سوزان سونتاج عنها. قصة عجيبة عن رواية أعجب.
تدور الرواية داخل إطارين متوازيين... القاص في طريقه إلي (لينينجراد - سان بطرسبرج)، بالتوازي مع منتصف إبريل  1876 حيث يغادر الزوجان دوستويفسكي سان بطرسبرج صوب بادن، لكن الرواية تتناول رحلتهما في الخارج بشكل عام وليس في بادن فقط. يتوالي السرد بين ضمير المتكلم (الراوي الأصلي) وضمير الغائب حيث ينتقل الخط الروائي للزوجين دوستويفسكي. يحتل السرد عن دستويفسكي وزوجته الجزء الأغلب في الرواية، ولا تظهر أية فواصل في هذا السرد المحموم بين الخطين، فالقارئ لن يلاحظ الانتقال سوي في الأساس من تغير الضمائر... سرد أشبه بذلك الذي نراه مع تيار الوعي.
الحقيقة أن هناك عدة روايات تعاملت مع سيرة دوستويفسكي... هناك رواية كويتزي »‬سيد بطرسبورج»، وهناك رواية »‬مثل ترنيمة.. قناع هندي لحياة دستويفسكي» للكاتب الهندي بيرومبادافام سري دهاران. اطلعت علي الأخيرة، ووجدت الرواية جميلة أيضًا، لكن تناول تسيبكين مختلف من حيث الشكل والمضمون. رواية تسيبكين هي في الأساس قصيدة حب... ولكن الحب هنا محاولة لسبر أغوار متناقضات دوستويفسكي، فالحب كما يقول عالم النفس والاجتماع إريش فروم: »‬فالحب يمثل ولوجًا إيجابيًا إلي جوهر الآخر لا تهدأ فيه رغبة المعرفة إلا بالاتحاد. وبفعل الاتحاد أعرفك وأعرف ذاتي وأعرف الجميع، ولا أعرف شيئًا. أعرف بالطريقة الوحيدة التي تكون فيها المعرفة النشطة ممكنة للإنسان بخبرة الاتحاد وليس عن طريق المعرفة التي يمنحها لنا الفكر. يكمن السبيل الوحيد للمعرفة الكاملة في فعل الحب الذي يتخطي الفكر والكلمات... إنه اختراق جسور إلي جوهر الآخر.. اختراق جوهري». هذا ما تقدمه لنا رواية تسيبكين، فهي تزودنا بتحليلات نفسية عميقة لفهم تصرفات دستويفسكي المحمومة... براءته الساذجة وقسوته العنيفة... إدمانه للقمار وركضه خلف النساء، ومسيحيته التقية! مجموعة هائلة من المتناقضات نحتاج فيها إلي كثير من الحب للولوج إلي قلب هذا المبدع لنفهم بعضًا منها، وهذا ما فعله تسيبكين، مع الخط الموازي من السرد الذي يتناول لمحات من حياة الكاتب داخل النظام السوفيتي.
>>>
لمع كثير من الأسماء الروسية  في النصف الثاني من القرن العشرين لأسباب سياسية في الأساس، فقد حمل البعض لواء مقاومة النظام السوفيتي ورواية فظائعه في أعمالهم الأدبية، وإبان اشتداد وطأة الحرب الباردة كان المعسكر الغربي يرحب قطعًا بهؤلاء الأدباء، فرأينا نوبل تمنح جائزتها لأكسندر سولجينيتسين علي سبيل المثال، علي الرغم من أن قيمته الفنية قد لا تكون مبهرة إلي هذا الحد من وجهة نظري الشخصية، أما تسيبكين فهو يكتب عن الأدب... إنه إبداع عن الإبداع، لذلك فالإشادة به لم تكن إلا علي أساس أدبي بحت لا علاقة له بالسياسة، علي الرغم من تعرض الكاتب وأسرته إلي أهوال النظام السوفيتي بقسوة، وهلاك كثيرين من الأسرة علي يد النظام.
تسيبكين كاتب حساس إلي أبعد حد... يتشبث بالجمال في زمان شديد القسوة. هذه هي أهمية العمل الأولي.. إنه عمل جميل عن الجمال.
مترجم العمل هو المترجم القدير د. أنور ابراهيم، وقد ترجم إلي المكتبة العربية العديد من الأعمال من أهمها »‬مذكرات آنا جريجوريفينا دستويفسكايا». نال د. أنور ابراهيم الدكتوراة في الاتحاد السوفيتي وكان البحث عن رواية »‬الأبله» لدستويفسكي. إذن نحن أمام عاشقين لهذه القامة: تسيبكين  - أنور ابراهيم. وبحكم خبرتي المحدودة في اللغة الروسية، أدركت من خلال قراءة الرواية بعضًا من العقبات التي واجهت د. أنور ابراهيم في ترجمة العمل. تسيبكين يكتب بلغة محمومة، مليئة بعدد هائل من الجمل الاعتراضية، وينتقل بين المشاهد دون إنذار... تيار من السرد لا يتوقف، وهذا يزيد من صعوبة الترجمة، لكن القاريء سوف يقرأ عملا بلغة عربية رصينة وجميلة، وفي الآن ذاته يمكنه التعرف علي ملامح أسلوب الكتاب بوضوح. من الأخطاء الشائعة التي يسقط فيها بعض المترجمين هو الاهتمام البالغ لفهم بنية النص الأجنبية، دون فهم مماثل لبنية العربية، فتأتي الترجمة بلغة عربية خالية من الجماليات، وغريبة، محملة بأساليب بنيوية أجنبية لا تناسب النص العربي، لكن هذا النص يمكن قراءته والاستمتاع بجمال اللغة في يسر وسهولة.
تبقي الإشارة إلي أن العمل صادر عن سلسلة الجوائز  - الهيئة المصرية العامة للكتاب.