رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

الزوجة المكسيكية: استراتيجية سينمائية تستثمر التفاصيل الدقيقة


محمد سليم شوشة
12/14/2018 1:32:41 PM

رواية »الزوجة المكسيكية»‬، الصادرة عن دار الشروق للكاتب إيمان يحيي، من الروايات الحافلة بالجماليات وجديرة بقراءات متعددة، من هذه الجماليات علي سبيل التمثيل السمت التخصصي للغة الرواية ومفرداتها، فهي حين مقاربة حياة الأدب والبحث النقدي الذي هو تخصص سامي عجيب تبدو الرواية علي درجة عالية من الدقة والوعي، فلا يكون هناك أدني شك في شخصية أستاذ الأدب العربي الذي يعمل في جامعة حكومية ويتم انتدابه للتدريس في الجامعة الأمريكية، ويطلب مشورة أستاذه الناقد الكبير في كثير من أموره العلمية، ويقدر علي توجيه طلابه جميعا وبخاصة سامانثا علي نحو عال من الدقة والبراعة في التخصص، والأمر نفسه يتحقق في كافة التخصصات الأخري مثل مجال النضال السياسي ونشاط اليساريين في الخمسينيات، وكذلك مجال الفن التشكيلي وكتابة الأدب والرواية وعالم الفنانين والصحفيين، وكذلك الوعي التاريخي بمفردات العصر علي نحو جيد، وما أقصده باللغة هنا ليس مجرد تحقيق المعلومات بل كذلك اللغة المستخدمة في كل عصر ومعجم كل تخصص وكل حقبة تصدت لها الرواية، فلدينا في الرواية عالمان متقابلان، عالم الماضي/ خمسينيات القرن الماضي، وعالم الحاضر/ بداية القرن الجديد، وكل مرحلة تتجلي بكامل مفرداتها وشواغلها السياسية ولغتها التي هي جزء من سياق حضاري وثقافي كامل تمكنت الرواية من الفصل بينهما بحيث لا تكون الرواية في مجملها عن شخصيات تعيش في مصر وحسب، بل أنتجت مدتين تاريخيتين متمايزتين، ولكل مدة ملامحها الخاصة وجوهرها، برغم أن هناك مواضع اتفاق وتشابه وتكرار كثيرة.
>>>
مسألة الدقة هذه في لغة الرواية وظهورها علي قدر عال من مطابقة التخصص برغم تفرع الرواية وركضها وراء مجالات عدة بين الفن التشكيلي والأدب والسياسة واليسار هي من الأشياء الجوهرية جدا في فن الرواية لأن أي خطأ أو تساهل في استخدام لغة حقل من الحقول مع حقل آخر كاف تماما لفصل القارئ عن عالم الرواية وجعله يتجاوزه إلي مرحلة من التشكيك والبحث خارج النص بشكل سلبي، وهو ما يعد خروجا عن الوظائف الأساسية لفن الرواية الذي يسعي في الغالب إلي الهيمنة والاستحواذ علي المتلقي وبلوغ أعلي مراتب الإيهام والتصديق. إذا تصورنا أن علاقة القارئ بالرواية وبالتحديد فيما يخص البحث خارجها قد يتخذ مسارين؛ الأول قد يكون من النوع التعضيدي أو التأكيدي وهو ما يحدث حين يبحث خارج النص عن معلومات ومفردات فيتأكد من دقة الرواية واتساق عالمها، فإن هناك مسارا آخر قد يكون سلبيا في جانب البحث خارج الرواية عما له ارتباط بعالمها؛ لأن المتلقي قد يطلع علي معلومات تنقض أو تهدم بعض مفردات أو جوانب من عالم الرواية أو ما طرحت عليه من أخبار، وهذا أمر في غاية السلبية وكانت رواية الزوجة المكسيكية علي درجة عالية من التوفيق فيما يخص هذه النقطة. علي سبيل التمثيل التسميات التي تعامل بها اليساريون مع بعضهم وانفتاح رؤيتهم علي اليسار بشكله العالمي وكذلك مفردات التعامل بين المهتمين بالسياسة أو المناضلين فيها، وكذلك الألقاب واللغة المستخدمة بين الفنانين التشكيليين وكيف يفكرون ويحسمون أمورهم. فهنا اللغة يمكن فهمها في إطار من تشكيل ذهنية كاملة لشخوص علي درجة كبيرة من الخصوصية والتباين فيما بينهم، وقد وفقت الرواية في إبراز خصوصية كل شخصية من جانب هذه الذهنية المتمايزة بمفرداتها ولغتها وذكرياتها. فعلي سبيل التمثيل كذلك وفقت الرواية في التنقيب بشكل علمي دقيق فيما كان وراء رواية »‬البيضاء» من الدوافع النفسية وأثرها علي أصدقاء يحيي من اليساريين وكيف كانت عاطفتهم ومشاعرهم تجاهها وكيف رأوا فيه فنانا يحاول التبرير طوال عمره، ويستخدم الفن لإعلان براءته من الشيوعية أو لإظهار موقف أيديولوجي جديد تبناه. أتحدث عن هذه السمة تحت ما يسمي باللغة لأن لدينا قناعة بأن تعريف اللغة أكثر اتساعا من مسألة التركيب النحوي أو الموقف البلاغي للغة السرد من تشبيهات وأساليب بلاغية أو بيانية تقليدية، وكذلك هي أيضا أكثر من التجلي المعجمي، فتقريبا لكل عصر لغته ولكل مجال كذلك وربما لكل مجتمع ولكل منطقة أيضا، والرواية حين تكون لديها هذه الحساسية الدقيقة تجاه اللغة أو حين يكون الروائي علي علم بمفردات العوالم التي يتصدي لها تصبح الرواية عاكسة لهذا التفاوت بما يكفل درجة كبيرة من التكامل في ملامح هذه العوالم ودقتها وكله يصب في نقطة الإيهام وإقناع القارئ بما يقرأ ويجعله في أعلي مراتب التصديق. نقطة أخري مهمة تتجلي فيها مسألة الدقة اللغوية هذه، ففي الفصول التي تأتي بصوت يحيي/ يوسف إدريس تبدو اللغة علي درجة عالية من الاقتراب لروح لغة يوسف إدريس وطريقته في السرد، ولا يعني هذا الاقتراب التقليد، بل الأمر أقرب للتمثيل وتمثّل روح هذه اللغة الخاصة وجوهرها. ففي وقت معين ترتفع الوتيرة ويبدو يحيي علي نحو مطابق تماما في لغته من لغة يوسف إدريس المعروفة بحب الزعامة والثقة في النفس والاعتداد بالذات وبتعظيمها في كثير من الأحيان. يحكي قصته بلغة لا تبتعد عن لغة رواياته، فيما يبدو اقترابا شديدا من ذهنية يوسف إدريس. في موضع معين يتحدث عن الأدب والقص ويقول أخذتني نداهة القص والأدب، و»‬النداهة» هي إحدي قصصه الذائعة التي تم تحويلها إلي فيلم سينمائي. والمفردة نفسها جزء من عالمه ومفرادته.
في بنية شخصيات الرواية يتضح أن ثمة تبايناً كبيراً في ذهنية كل شخصية بحسب اختلاف الثقافة وما تأصل في تكوين كل شخصية، فيحيي يتعامل بالمنطق الشرقي حين يحاول الاقتراب من روث ويقرر -وفق منطقه – اصطيادها، بينما روث وأبوها يتعاملان وفق ذهنية مختلفة حين تبحث هي عن السعادة متحررة ومنطلقة وتحاول أن تجد في الحب فقط الأمان وتبدو أكثر مجازفة منه، وكذلك أبوها الذي لا يشغله شيء غير قدر حب هذا العربي لابنته، وبرغم هذا التباين يحدث تحت وقع الحب نوع من الامتزاج الكامل الذي يمثل مفارقة ليست فقط علي مستوي المكان، حيث المكسيكية التي ترتبط بالمصري وتتعلق به وهو كذلك، بل علي مستوي الثقافة أيضا برغم هذا التباين في الذهنية تحاول الرواية البحث عن مساحة مشتركة معنويا تتمثل في النزعة الشيوعية ومناصرة السلام ومحبة الفن، فيكون في النهاية قد نتج عن هذا التركيب والخليط من التوافقات والاختلافات حالة إنسانية طبيعية أقرب لما هو متحقق في الحياة نفسها، ولتتجلي في هذا التصوير قدرة الحب علي صهر البشر ومزجهم برغم ما قد يكون بينهم من الحوائل والخلافات.
>>>
في الرواية نوع في غاية البراعة من استثمار التفاصيل الصغيرة وإنتاج الدلالة منها والخروج بها عن طبيعتها المحدودة إلي إطار عام من التساؤل والشجن الإنساني والمشاركة في الألم. علي سبيل التمثيل توظيف المفتاح الذهبي للشقة التي تشاركا العيش فيها، والذي أصر يحيي علي تقديمه هدية لروث وعدم اقتناعه بفكرة الصائغ الذي اقترح عليه أن يصنع له من الذهب مفتاح الحياة الفرعوني لأن مفتاح الشقة في النهاية لن يتم استخدامه لأن الذهب لا يصلح لفتح الأقفال. تكشف بشكل غير مباشرة هذه المعلومة العابرة عن ذهنية يحيي وعناده وطبيعته التي ترغب في تجاوز التقليدية أو ما يدرج عليه الناس ورغبته في التميز، فلو قبل بمفتاح الحياة – والأرجح أن الصائع اقترحه لأنه رائجا أو معروفا- فسيجد نفسه مثل بقية الناس وهذه ليست طبيعته النفسية الباحثة عن الاختلاف والتميز والنابعة ربما من كونه مبدعا عنيدا بالأساس.
ويتجاوز توظيف هذه التفصيلة نفسها إلي نوع من الاستطراد واسترجاع ذكريات الشخصية، فيكون المفتاح الذهبي في مغلفه أو (المظروف) الذي يحتويه باعثا علي استدعاء صفة نفسية مهمة في شخصية روث التي كانت تحب استطلاع الأشياء ومعرفتها أو قراءتها بأناملها، ويخرج منها إلي ما كان بينهما من ترك نفسه لها لتقرأ ملامحه أو صفاته عبر أناملها، فيحدث نوع من التمديد للمشهد، وهذا التمديد مرتكز علي جانب نفسي أو معنوي جوهري، فيبدو بعيدا عن الإطالة أو الاستطراد الزائد بل يبدو السارد/صاحب الصوت مضطرا له تحت ضغط هذه التناظرات أو التماثلات في الفعل، ففي اللحظة التي يرغب هو فيها في معرفة ما بداخل الظرف عبر أنامله - حتي يتم تدريج الصدمة وكأنه يستشعرها – يتذكر عادتها هي معه في قراءة الأشياء وتحسسها بأناملها.
علي النحو ذاته من استثمار التفاصيل الصغيرة وتوظيفها توظيفا فنيا بارعا ما نجده في دلالة الصوت الذي يصدر عن الكاميرا وقت تصوير روث ويحيي معا في مؤتمر أنصار السلام حين طلب منها أن يتصورا معا، وإحساس روث بالصوت الصادر عن الكاميرا وكأنه رصاصة إعلان بداية (سباق عَدْو) للمشاعر، ليخرج الصوت هنا عن طبيعته العادية إلي مجال نفسي أكثر رحابة ولتظهر الشخصيات هنا ومشاعرها علي قدر كبير من الامتزاج بالمادي أو الظاهري، فتمتزج القيم المعنوية الخفية مثل المشاعر بالقيم المادية الظاهرة أو المدركة بالحواس.
من النقاط التي يتم توظيفها علي نحو بارع كذلك من الناحيتين الجمالية والدلالية أغنية بول ربسون (دع شعبي يرحل/ let my people go) وتعليق يحيي علي الأغنية ليربطها بوعي ثقافي كبير هو في النهاية جزء من القيمة المعرفية لخطاب الرواية، حيث يكشف الأبعاد الإسرائيلية للأغنية لكونها مستلهمة من سفر الخروج وقصة اليهود وموسي مع فرعون مصر والرغبة في تحريرهم من ملك مصر، وانعكاس الموقف النفسي الراهن ليحيي من اليهود الذي وصم الأغنية بالصهيونية تحديدا دون اليهودية أو الإسرائيلية متأثرا في مشاعره هذه بالسياق التاريخي الذي يعيشه بعد هزيمة القوات العربية في حرب 48. والاستطراد إلي أكثر من ذلك من تاريخ روبنسون نفسه مع الشيوعية ومعاناته من الحقبة المكارثية في أمريكا لتتجلي في هذا الإطار الحال العالمية بشكل عام من الصراع بين الرأسمالية والشيوعية وكذلك موقف المصريين أو هذه الدائرة الإنسانية الضيقة المتمثلة في شخصيات الرواية من هذا الإطار العام.
>>>
يأتي الحلم في الرواية بمساحة صغيرة نسبيا لكنه في غاية البراعة وينتج أكثر من قيمة جمالية، ففي الحلم يصبح سامي عجيب الأستاذ المعاصر مع حبيبته سامنثا في لندن في مسرح البيكاديللي، هو يشاهد عرضا يحبه وهي كذلك تختار عرضا آخر، ولكل عرض هنا دلالته، وكذلك يري سامي في الحلم روث ويحيي بعدما أصبحت ذهنيته مشغولة بالبحث عنهما وتحقيق قصتهما وتزاحم الأفكار التي يبحث عنها في عقله، فيري كذلك بول روبسون، وآخرين من الشخصيات التاريخية التي قرأ عن اشتراكهم في مؤتمر أنصار السلام في ديسمبر 1952. ويحدث لقاء في الحلم بين سامي وسامنثا يبدو أكثر جموحا ورغبة ينتهي باختفاء سامنثا ومطاردة البوليس لسامي. يناظر  هذا المشهد ويقابل بالضبط مشهدا آخر في حياة يحيي وروث حين يدخلان بيتا مهجورا ليحصلا علي بعض المتعة فتداهمهم دورية القوات الدولية، ليتجلي في هذا التناظر والمقابلة بين الواقع والحلم عدة قيم جمالية مهمة، فالرواية من الناحية الشكلية تنتج وحدات متناظرة تخلق تناغما شعريا في بنيتها يناظر ما في القصائد الشعرية من تكرار بنيات بعينها لتصنع ما يشبه الحلية الموسيقية المكررة أو ما يشبه القافية مع الفارق. ومن الناحية الدلالية يبدو ما يعيشه سامي مجرد الوهم وأن حظه لا يتجاوز التخيلات والأحلام بخلاف يحيي الذي كان عمليا وحصل من الدنيا علي ما يريد، فلا يمكن تجاهل الفوارق في الطبيعة النفسية بين شخصيتي سامي ويحيي إذا ما حاولنا أن ننظر لهما بوصفهما الأساس والظل، والأمر نفسه مع سامنثا وروث، في إطار العلاقة نفسها، علاقة الظل بالأساس أو العكس. فشخصية سامي هي الشخصية المترددة القلقة من العلاقات النسائية بخلاف الصياد يحيي الذي لا ينتظر طويلا حتي ينال فراشته ويقتنصها. فيبدو أن نصيب سامي هو مجرد الأحلام والمطاردة، بينما يحيي فينعم بحب حقيقي تحت وصاية قوات دولية فيطلق عليه حب أممي. هنا تبدو بعض الوحدات السردية في الرواية وبعض مشاهدها في حاجة لأن تتم قراءتها في ضوء بعضها مهما كانت المسافة الفاصلة بين هذه الوحدات والمشاهد أو أن السابق منها قد يستدعي لاحقا أو العكس، وهو ما يمثل نوعا من الربط وإنتاج الشعرية الكلية للنص، فيبدو كله جسدا واحدا متناغما تختلف فيه الشخصيات وتتناظر في الوقت نفسه في بعض المساحات أو الصفات أو المصير.
مساحة الحلم في هذه الرواية تكشف عن أن هناك استراتيجية فنية في غاية الدقة للنص الروائي، فالحلم يأتي هنا في موضعه المناسب من فضاء الرواية حين يكون سامي قد قطع شوطا كبيرا في البحث في قصة الزوجة المكسيكية والتنقيب في المعلومات التي تحيطها هي وأسرتها وما يخص مؤتمر أنصار السلام الذي التقيا فيه لأول مرة وكان سببا في ارتباطهما، في هذا الموضع تحديدا بعدما تزدحم ذاكرة سامي يكون طبيعيا من الناحية النفسية أن تحضر هذه الشخصيات إلي أحلامه بشكل عبثي هو جزء من طبيعة الأحلام لكنه في الوقت نفسه يكتنز دلالة خاصة وقيما جمالية في هذه العبثية كما وضحت فيما يخص مشاعره التي هي محض أوهام. ولكن ما أنبه إليه هنا هو استراتيجية خطاب هذه الرواية التي وزّعت المشاهد وفق خطة تبدو بدرجة كبيرة سينمائية حين يبدأ أولا من مشهد القبض علي سامنثا ليلا من شقة في السيدة زينب وترحيلها، لتكون مجرد حافز أو ما يشبه الإطار الموسيقي الذي تبدأ به الأفلام السينمائية مع (التيترات) أو بيانات الفيلم. ثم تبدأ الأحداث وفق هذه الاستراتيجية السينمائية من مشهد آخر هو مشهد النهاية في علاقة روث بيحيي حين تستدعيه السفارة وتمنحه آخر شيء تركته له وهو مفتاح الشقة الذهبي الذي هو بمثابة الحافز (motive) يجعل المتلقي متطلعا لمعرفة المزيد ليكشف عن سر هذا المفتاح الغريب. والحقيقة أن هذه الاستراتيجية السينمائية هي التي تنتظم كافة البني السردية للرواية وتنتظم محتوياتها وأصواتها حتي النهاية فلا يكون هناك جزء يكفي أو يغني عن بقية الرواية، بل تظل هناك حاجة لمعرفة المزيد حتي آخر كلمة في الرواية، بل ربما بعدها يبقي القارئ مشغولا بما بعد النهاية ويفكر فيه.