رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

سيرة الرواية المحرمة:ثرثرة مع أولاد حارتنا


محمد جبريل
12/22/2018 9:35:27 AM

حين دخل نجيب محفوظ الصالة العليا في كازينو أوبرا ظهر الجمعة 25 ديسمبر 1959 كنت واحدًا من الحضور الذين قرأوا فصول رواية»‬ أولاد حارتنا» حتي أتم »الأهرام» نشرها. اكتفيت بما تفرضه التلمذة لغالبية الموجودين، بينما تعالت الأصوات تسأل، وتناقش، وتبدي الرأي، وإن تلخصت الآراء في القول بأن الرواية محاكاة لقصص الأنبياء، أو أنها عرض للتاريخ الديني منذ آدم إلي عصر العلم الذي نعيشه، بحيث يصعب نسبتها إلي فن الرواية المعاصرة.
نفي نجيب محفوظ أنه حاول المحاكاة، وإن أشار – في الوقت نفسه – إلي أن التشابه وارد في الإبداع، وأنه لا يوجد إبداع تغيب عنه شبهة التأثر بأعمال أخري.
لم يظهر نجيب محفوظ انفعالاً من أي نوع، لا دهشة، ولا استياء، ولا غضب. قال في لهجة واثقة: لو أنكم أشرتم إلي إبداع ما، حديث، فسأدلكم علي أعمال مشابهة في السرد العالمي.
ذكر أصحاب الرأي عديدًا من الأعمال، فذكر محفوظ أعمالًا مشابهة. ظلت المساجلة قائمة، حتي خلت الأذهان من أمثلة جديدة، فرفع أحمد عباس صالح يديه مهللًا: انتصرت يا نجيب!

استعدت ذلك النهار البعيد، وأنا أقرأ كتاب الزميل الكاتب الصحفي محمد شعير عن "أولاد حارتنا – سيرة الرواية المحرمة".
إذا كان الكتاب قد لقي حفاوة نقدية، يستحقها، عرضت لما تضمنه الكتاب من اجتهادات، فإني أستأذنك في أن أقصر تناولي علي هوامش، هي أقرب إلي وقفة الشاطئ المتأملة لأفق البحر.
>>>
ربما لأن جائزة نوبل أشارت – في مبررات فوز محفوظ بالجائزة إلي أولاد حارتنا – فقد كان من أبرز تأثيرات الحدث حملات الهجوم التي شنت علي محفوظ، بداية من يوسف إدريس الذي كان يري نفسه أحق بالجائزة، وانتهاء بالجماعات السلفية التي استعادت معاركها القديمة ضد رواية محفوظ.
ثم انتقلت "أولاد حارتنا" من الصحف ومنابر الوعظ والملتقيات إلي ساحات المحاكم. رفع أحد المحامين دعوي ضد محفوظ، يتهمه بازدراء الأديان، وإضافة الجبلاوي اسمًا جديدًا إلي أسماء الله الحسني.
وإذا كان حكم محكمة المنصورة قد صدر برفض الدعوي، فلعلي وجدت في إفادة المحامي عن محفوظ، القانوني الكبير الدكتور أحمد السيد عوضين، من وجهة نظري حول الرواية، ما أشعرني بإسهام – مهما يبلغ تواضعه – في الدفاع عن القيمة المحفوظية.
لكن الأصوات المنتقدة لمحفوظ ما لبثت أن هدأت في صخب مولد نوبل. حتي القادة العرب الذين قاطعت دولهم مصر السادات، ومحفوظ، لموقفه المؤيد للاتفاقية، فضلًا عن الأصوات القديمة الرافضة لأولاد حارتنا.. كل هؤلاء تخلوا – في وهج نوبل – عن مواقفهم، وهنأوا نجيب محفوظ بالجائزة.
>>>
نقل الكاتب قول محفوظ لإبراهيم الورداني في "الجمهورية" إنه أراد بأولاد حارتنا أن يدعو إلي الاشتراكية، وتقديم العلم بطريقة الدين.
رأيي أن هذه الكلمات تلخيص لفلسفة محفوظ، حتي وإن أشار – في حواراتنا – إلي مواقفه التي تعبر عن وجهات نظر، لكن من الصعب أن تسمي بفلسفة الحياة.
لعلي قرأت أعمال محفوظ، منذ مقالاته المتفلسفة في مجلة سلامة موسي. توصلت إلي ما اعتبرته فلسفة حياة في كتابات محفوظ، والتي لخصتها في عربة اسمها الاشتراكية، يجرها جوادان هما الدين والعلم.
يستعيد الكاتب قول عدلي كريم (الشخصية الفنية المقابلة لشخصية سلامة موسي) لتلميذه كمال عبد الجواد: لا تنس العلم الحديث، يجب ألا تخلو مكتبتك –إلي جانب كتب الأدب– من كتب داروين وفرويد وماركس وإنجلز، هؤلاء علماء، ولكل عصر أنبياؤه، وأنبياء هذا العصر هم العلماء".
يستطرد الفنان بالقول عن تأثره بشخصية المفكر الراحل سلامة موسي، الذي وجهه إلي شيئين مهمين، هما العلم والاشتراكية" ومنذ دخلا مخًي لم يخرجا منه إلي الآن".
نقل الكاتب كذلك عن نجيب محفوظ قوله إن العلم ظن أنه في غني عن الجبلاوي، فقتله، وهي نهاية أوصلته –العلم– إلي الخواء، وإلي الإحساس بمرارة الحياة.
والحق أن الإنسان هو الذي قتل الجبلاوي في نفسه. الجبلاوي بمعني اليقين الديني، وليس الذات الإلهية. الجبلاوي ليس تجسيدًا للذات الإلهية، وليس أدهم ولا إدريس هما الوحيدان اللذان بدأت بهما قصة الخلق. ثمة ملائكة وجان ومخلوقات أخري لا حصر لها، لكن الجبلاوي هو التعبير عن فكرة الدين، عن اليقين الديني في نفوس البشر. وحين قتل عرفة الجبلاوي، فإنه قتل فكرة الإيمان، اليقين الديني، ومحاولة إعادة الحياة إلي الجبلاوي تعني إعادة الحياة إلي الإيمان الذي ذوي في النفوس. الجبلاوي في داخل كل منا، إذا تخلصنا منه، فنحن نتخلص من فكرة الدين، من اليقين الديني.
نجد هذا المعني في قول محفوظ إن الجبلاوي بالعقل ليس هو الله المطلق الخالد، إنما هو الإله في أذهان بعض البشر، لا يمكن أن أمثّل الله بشيء، لأنه ليس كمثله شيء.
وإذا كان محفوظ قد ذكر – في موضع آخر - إنه بدأ كتابة الرواية التي تصور الصراع بين الأنبياء والفتوات، في إطار سؤاله لرجال الثورة: هل تريدون السير في طريق الأنبياء، أم الفتوات؟، فإن مبعث هذا القول –
في تقديري - هو التطورات السياسية والاجتماعية
التي أعقبت زوال حكم عبد الناصر. جري الكثير من المراجعات التي فرضتها المرحلة الساداتية. أحدثت المرحلة ما يشبه الانقلاب في مسار ثورة يوليو، ومن الصعب أن نضع كتابة محفوظ لرواية "الكرنك" في سياق منفصل عن رؤاه بعد رحيل عبد الناصر، وتولي رئيس آخر، أحني رأسه لتمثال عبد الناصر، ثم حطم ما سماه سجون التعذيب!
ويورد الكاتب قول محفوظ إن" أولاد حارتنا" مجرد عمل أدبي، يجب النظر إليه بهذا المفهوم، وإنه رواية تنتهي بتأكيد أهمية الإيمان بوجود الذات الإلهية. بل إنه يرجع الارتباك الذي ربما ينشأ من قراءة إبداعه إلي أن قلبه يجمع بين التطلع لله، والإيمان بالعلم، والإيثار للاشتراكية، أبعاد الدين والعلم والعدالة الاجتماعية ( الاشتراكية ) عبر قراءاتي لأعمال محفوظ منذ بداياته المتفلسفة في مجلة سلامة موسي.
وللأسف، فإنه إذا كانت" أولاد حارتنا" قد تماهت –في غالبية الاجتهادات– مع التفسير الديني للتاريخ، فإن العديد من الاجتهادات حاولت إخضاع الروايات التالية لتفسيرات دينية. أشير –علي سبيل المثال– إلي قراءة لويس عوض لرواية " الطريق"، والدلالات التي صارحني نجيب محفوظ بأنها لم تكن في باله حين  بدأ في كتابة الرواية، ولا حين أنهاها!
ويستوقفنا قول الكاتب إن نجيب محفوظ كان يتجنب في الستينيات أية إشارة إلي الخلفيات الاجتماعية لأولاد حارتنا، أو إلي منعها لأسباب سياسية، لكنه –والكلام لمحمد شعير– كان أكثر جرأة في الإشارة لذلك.
أذكر – بالمناسبة – زيارتي والصديق المبدع السوري الكبير هاني الحاج إلي محفوظ في "الأهرام"، قدمت الحاج إلي محفوظ، واكتفيت بمتابعة حوارهما حول " الكرنك"، وردود محفوظ علي أسئلة الحاج بما يؤكد أنه لو كتب الرواية في في فترة حكم عبد الناصر، فسيكتبها بالروح نفسها التي كتب بها " ثرثرة فوق النيل" و" ميرامار" والعديد من القصص الكثيرة.
***
اللافت أن حوارات محفوظ تعددت قبل فوزه بالجائزة، وتعددت آراؤه، بما يمكن تلخيصه في قول محفوظ" لا ينبغي أن نشغل أنفسنا بتلك الجائزة أفرادًا ومجتمعًا، فهي ليست جوازًا للمرور إلي عالمية الأدب، وليست مقياسًا للأدب الجيد". أضاف الرجل إلي ذلك قوله إنه سيرفض الجائزة لو منحت له بالفعل، لأنه –في الحقيقة– في غني عن رضا الصهيونية. والجائزة –إلي ذلك– تحتاج قاعدة انتهازية، وعلاقات عامة، واتصالات دائمة بهنا وهناك.
يضيف الكاتب ما ذكره رجاء النقاش في كتابه عن نجيب محفوظ: نحن نستطيع فهم موقف نجيب محفوظ من الصلح مع إسرائيل، إلي رد أحمد عباس صالح علي سؤال محفوظ: هل في إمكاننا أن نحارب إسرائيل؟ قال عباس صالح: ليس بوسعنا الحرب. قال محفوظ: بما أننا لا نستطيع الحرب، فلابد أن نسلك الطريق الآخر، طريق التفاوض.
>>>
نقل الكاتب – عن مجلة "البوليس" أن نجيب محفوظ بلغ السابعة والأربعين دون أن يتزوج، وهو ما كان يتصوره الجميع. حتي توفيق الحكيم سأله: لماذا لم تتزوج حتي الآن، ثم طالعنا رجاء النقاش في تحقيق عن احتفال المجتمع الثقافي بعيد الميلاد الخمسين لمحفوظ بقول الرجل إنه متزوج، وله ابنتان.
والواقع أن تكتم محفوظ علي جوانب من حياته، لم يقتصر علي زواجه. ثمة الكثير مما حرص علي إخفائه، لأنه كان يحرص علي عدم اجتماعيته. حتي عنوان مراسلاته في المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب ظل هو الرقم 10 شارع رضوان شكري بالعباسية، بينما كان قد انتقل إلي شقة الطابق الأرضي ببناية العجوزة.
في زياراتي لمكتبه في قصر عائشة فهمي بالزمالك، لاحظت أنه عندما كان يتسلم رسالة تنتظر الرد الفوري، حرص علي فتحها في داخل الدرج، فلا يقرأها سواه. وأذكر –بالمناسبة- نصيحته بألاَ أتحدث عن عمل لي إلا بعد نشره.
أما إحساس محفوظ بالصدمة من خديعة عبد الحميد السحار، حين التقط منه فكرة رواية الأجيال، فأصدر روايته "في قافلة الزمان" قبل أن ينهي محفوظ ثلاثيته التي كان دائم الكلام عنها في بدايات ندوة كازينو أوبرا. غاب السحار بضعة أشهر، ثم التقي أصدقاء الندوة وفي يده النسخ الأولي من روايته.. تلك الواقعة كانت -في الحقيقة- دافعًا لأن يحرص محفوظ علي إضمار حياته، وكان تأثره البالغ، وحرصه علي حجب ما يتصل بحياته الشخصية والإبداعية، لأن عبد الحميد السحار كان من أقرب أصدقائه إلي نفسه. واعتبر محفوظ اقتراح السحار –في أثناء سيرهما في جنازة– بتكوين لجنة تصدر أعمالهما المودعة في الأدراج، عاملًا مباشرًا في تفريج أزمة النشر، ليس لرواياته وحدها، وإنما لروايات الجيل الذي تسمي باسم اللجنة، وهو جيل لجنة النشر للجامعيين.
ظل محفوظ مدينًا لفكرة السحار، وما تبعها من إيجابية متمثلة في إقناع شقيقه سعيد بنشر كتب اللجنة (بالمناسبة: سبقت مكتبة مصر تكوين لجنة النشر للجامعيين بالعديد من السنوات).
يصعب القول إن خديعة السحار –علي حد تعبير الكاتب– هي التي دفعت نجيب إلي التوقف عن الكتابة. ذلك ما نفاه الكاتب بقول محفوظ إن مسئوليات حياته فرضت عليه أن يجد عملًا إضافيًا يحصل منه علي دخل إضافي، وكان ذلك العمل بالفعل هو كتابة السيناريو. حتي قول محفوظ إنه لم يعد هناك ما يقوله عقب ثورة يوليو يحتاج إلي مراجعة في ظل انشغاله بكتابة السيناريو للعديد من الأفلام.
ويربط الكاتب بين صفتي الروائي والناشر في حديثه عن عبد الحميد السحار، عندما حاول تدبير لقاء بين حسن البنا ومحفوظ، لكن نجيب محفوظ اعتذر عن ذلك اللقاء، لأنه – كما ذكر إبراهيم عبد العزيز في كتابه عن محفوظ – لم يكن يطيق هذه السيرة أبدًا.
والحق أن سعيد السحار، وليس شقيقه عبد الحميد، هو ناشر نجيب محفوظ. لم يكن عبد الحميد إذن هو الذي اعتذر عن نشر الثلاثية في حجمها الكبير، واقترح أن تصدر الرواية –لكبر حجمها– في ثلاثة أجزاء. وكما روي لي سعيد السحار، فإن عبارة "إيه الداهية دي" التي ذكرها الكاتب نقلًا عن كتابات سابقة، لم تصدر عن سعيد السحار. إمكانات الطباعة والتسويق أملت عليه اقتراحه بتحويل" بين القصرين" إلي ثلاثة أجزاء. وأسمح لنفسي باستعادة اقتراح سعيد السحار أن تصدر روايتي رباعية بحري في أجزاء، حتي يسهل طباعتها، وتسويقها، وقراءتها.
>>>
إشارة الكاتب إلي عدم اكتمال نص رواية "أولاد حارتنا" في كل من طبعة "الأهرام" وطبعة دار الآداب، ذكرتني بما عشته شخصيًا في رواية نجيب محفوظ "أصداء السيرة الذاتية". كتب محفوظ مسودة الرواية بيد تعاني تأثيرات الإصابة الغادرة في عنقه، نشرت –فيما أذكر– في "الأهرام" و"أخبار الأدب"، وحفلت الطبعتان بأخطاء طباعية، لصعوبة قراءة المسودة. ورفض محفوظ طلب الناشر بطباعة الرواية، خشي أن تسئ إليها كثرة الأخطاء. واقترح السحار ما أسعدني، وهو أن أعني بمطابقة المسودة علي النص المطبوع. وافق محفوظ علي اقتراح الناشر، وأقبلت علي مقابلة المسودة ببروفات الكتاب، ولجأت إلي نجيب محفوظ في استجلاء ما غمض، حتي صدرت الرواية بالحد الأدني من أخطاء الطباعة. أعدت المسودة إلي سعيد السحار، وظني أنها مودعة في مكتبة مصر حتي الآن.
أما نشر الحلقات الأولي من "أولاد حارتنا" في "المساء" فقد كان مبعثه تصوري الشخصي  وهو  تصرف أعترف بسذاجته!  إن موافقة محفوظ علي أن أعيد نشر بعض قصصه القصيرة في المساء، وفي مجلة "النصر" التي كانت تصدرها الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، تمتد فتشمل إبداعاته المنشورة الأخري، ومنها "أولاد حارتنا".
رغم خطأ تصرفي، فقد حماني أستاذي الجميل من هواة الصيد في الماء العكر، ومن قضية هدد ثروت أباظة برفعها ضد "المساء". حسم الأمر بكلمات معناها إن المساء جريدة صديقة، وهو لا يريد إفساد علاقته بها.
>>>
في إشارة ذكية، عرض محمد شعير لموقف الحاكم -حين وفاة نجيب محفوظ - من الثقافة والمثقفين، حتي لو كان المعني بالاهتمام شخصية في حجم نجيب محفوظ. كتب ما نصه: "رحل نجيب محفوظ مساء التاسع والعشرين من أغسطس 2006، وتم تأجيل إعلان خبر الوفاة لحين إبلاغ رئاسة الجمهورية. وقبل الإعلان الرسمي كان رجال من أمن الرئاسة قد اتجهوا إلي المستشفي ليصبح جثمان محفوظ تحت "الرعاية" الكاملة لخبراء المفرقعات في رئاسة الجمهورية. منذ تلك اللحظة أصبحوا مسئولين عن كافة تفاصيل الجنازة، ومسئولين أيضًا عن تفتيش أفراد العائلة والأصدقاء تفتيشًا دقيقًا، حرصًا علي سلامة الرئيس الذي سيشارك في تشييع أديب مصر. وبعد كل هذه الإجراءات كان لابد من تمرير الجثمان في أجهزة كشف المفرقعات، وحراسته بعد ذلك، ومنع أي أحد من الاقتراب منه حتي موعد الجنازة. لم يحلم محفوظ بجنازة شعبية، كانت مفاجأة لعائلته، ما دفع زوجته أن تخبر الأصدقاء المقربين أنه تمني أن تخرج جنازته من مسجد الحسين، في الحي الذي ولد وتربي فيه، وارتبط به، لكن هذا الحلم أيضًا لم يتحقق. إذا كان النعش الذي حمل إلي مسجد الحسين فارغًا، بلا جثمان، بينما نقل جثمان محفوظ مباشرة إلي مسجد آل رشدان، حيث الرئيس والجنرالات في الانتظار. لم يتحمل الرئيس السير في الجنازة سوي ثلاث دقائق فقط من أجل التصوير أمام الكاميرات، انسحب مع مرافقيه وحراسه، تاركين الجثمان". ( ص220 )
>>>
لعلي كنت أرجو لو أن محمد شعير قصر تحقيقه الجاد، والممتع، علي "أولاد حارتنا". "اللص والكلاب" تبدو هامشًا في متن التحقيق. أجد فيها عملًا مهمًا ينتسب إلي مرحلة إلقاء الأسئلة في الحياة وما بعدها، وهي المرحلة التي مهدت لها "أولاد حارتنا"، وتشمل – إلي جانب "اللص والكلاب" – روايتي "الطريق" و"الشحاذ"، فضلًا عن مجموعة "دنيا الله".
أما سؤال المفكر الراحل نصر أبو زيد: هل كانت "الحرافيش" صيغة أخري من "أولاد حارتنا"، فلعلي أذكر أن ذلك هو ما طرحته في كتابي "نجيب محفوظ – صداقة جيلين" (1993). وإذا كان محفوظ قد أجاب علي سؤال نصر أبو زيد بأن الروايتين منفصلتان، فإن الإجابة يصعب قبولها في ظل رأي محفوظ الذي اعتبر إساءة المخرج السينمائي حسن الإمام، عندما حول "بين القصرين" إلي قعدات حظ وفرفشة وهز وسط، بالإضافة إلي مظاهرات يغلب عليها الافتعال بما لا يحدث الأثر الذي أراده المخرج في وجدان المتلقي.
وكما أري، فقد كانت "الحرافيش" هي الرواية الأجدر بتناول الكاتب في سياق تحقيقه عن "أولاد حارتنا". وحسب تصوري، فإن نجيب محفوظ كتب "الحرافيش" في مرحلة تالية، قريبة من نشر "أولاد حارتنا".
"أولاد حارتنا" –في نظر البعض– أشبه بالتسجيل التاريخي لقصة الأديان، لكنها أساءت إلي الذات الإلهية، وإلي الأنبياء. وكتب محفوظ "الحرافيش" التي تقترب –في استلهامها التاريخ والأسطورة- من "أولاد حارتنا"، فضلًا عن تركيزها علي البعد الاجتماعي، وهو ما يشحب في "أولاد حارتنا"، وإن توضحت قضية الدين والعلم. يؤكد ذلك أن "أولاد حارتنا" تختلف، في لغة السرد والتقنية، عن أعمال محفوظ منذ "اللص والكلاب".
 >>>
قد يجد القارئ في تعدد الموضوعات التي عرض لها الكاتب في ملحقه الوثائقي، ما يضيف إلي حصيلته المعرفية، وإن كانت محاضر التحقيق مع محفوظ والمتهم بقتله هي الأقرب إلي ما تضمنه الكتاب.
أتوقف عند قول المتهم إنه لم يقرأ الرواية، إنما قرأ لمحفوظ أربعة كتب أخري لا يتذكرها، وهي إجابة تذكرنا بسؤال قاسم أمين للشاب الذي طرق باب بيته، وطالبه أن يجلسه إلي زوجته.
سأله قاسم أمين: لماذا؟
قال الشاب: أليس هذا هو ما دعوت إليه في كتابك "تحرير المرأة"؟
قال قاسم أمين: هل قرأت الكتاب؟
قال الشاب: أنا لا أقرأ كتبًا ملحدة!
الموقف نفسه، رغم تباعد الزمن، فالعقلية واحدة!