رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

تِرتِر:رواية السؤال


جمال العتّابي
12/22/2018 9:38:42 AM

يقول الروائي والكاتب الروسي نابوكوف: "لا أعتقد بأن أية سيرة ذاتية قادرة علي الكشف عن خبايا حياتي الخاصة".
يعود بي الروائي نزار عبد الستار الي هذا القول، وأنا أقرأ روايته (تِرتِر) الصادرة مؤخراً عن دار (نوفل) للنشر، فهو السارد والصحفي المعروف، إلا ان نزار يكشف عن مواهب أخري له، لأن الرواية تقدم كاتبها في أقوي حالات تدفقه، مستثمراً رصيده المعرفي في التاريخ، والهندسة المعمارية، وتصميم الأزياء والإكسسوارات، والأثاث والديكور، والخبرة في الألوان، ومهتماً بنسج الملابس، هذه الخصوصية لا تترسخ إلا عبر تراكم الخبرة.
جمع نزار كل هذه المؤهلات لبناء سردي وفق آليات الانشغال في التنقيب والبحث عن الأعماق بدقّة ومهارة وصبر، ليحقق التمايز  في الشكل واستثمار التناقضات حيث تأتلف بما يشبه الغرابة لخلخلة الحياة الاعتيادية، بواقع سحري يجمع الحقيقة بالأسطورة، الصدق بالخيال، الحضارة في قلب التخلف، فتاوي دينية في مواجهة رياح العلم والحضارة، توجهات وطنية وإنسانية، وأخري تآمرية ومتخلفة، مع التداخل في الوصف المغرق بالشعرية والتفاصيل.
    يمكن أن توصف رواية (ترتر) أنها رواية (السؤال)، فالروائي وضع المتلقي منذ البدء في حيرة السؤال، يبحث عن المعاني والرموز والدلالات، (ترتر) التي لم ترد سوي أربع مرات في الرواية، ما تأثيرها في تشكيل الأحداث؟ وما معني اختيارها عنواناً للرواية، آينور هانز الشخصية المحورية الرئيسة في الرواية، وعشيقها رودولف الذي انتحر في السجن لأسباب غامضة،  هو الآخر موضع تساؤل .
خصوصية ترتر باختيار موضوع من تاريخ العراق وتراثه الغني بالروافد، فالرواية تتناول فترة زمنية تبدأ في اسطنبول 1898 إلي الحرب العالمية الأولي واحتلال الإنجليز للموصل 1918 ، عشر سنوات هو زمن الرواية، اتخذت منه محوراً لحركة الأحداث المتزامنة أو المتناوبة، ووضعت نفسها في إطار مكاني محدد (الموصل – المدينة)، واقتضت الضرورة نقل الفعل السردي من الزمان إلي المكان، لإعطاء حركة أوسع وخصوصية أعمق لواقعية الكتابة.
 الكتابة عن الماضي رغم صعوبتها، إلّا أنها تظل أكثر متعة وحيادية من الكتابة عن الحاضر، التي تبدو مثل الكتابة عن رمال متحركة، ومن هنا صعوبتها، كتابة عن عالم لم يعد قائماً، لذا ازدهرت الرواية التي اهتمت بالزمن، كما ازدهر الوعي النقدي فيها، وتشعب الاهتمام بأساليبها الفنية الرامية إلي إعادة ترتيبه واسترجاعه.
(آينور هانز) ابنة الضابط الألماني الذي قتل خطأً في ميدان الرماية، بعد ولادتها بسنة وأربعة أشهر، تعمل في وكالة توماس كوك الألمانية كمرشدة سياحية، يختارها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لمهات التمهيد لمد سكة حديد برلين- بغداد في الموصل، تنفذ آينور إرادة السلطان بالسفر إلي الموصل، في ظل ظروف الصراع بين الإنكليز والفرنسيين والألمان، ومخاوف الدولة العثمانية من متغيرات العصر، وما تضمره تلك الدول من أطماع استعمارية، تباشر آينور بتنفيذ مشاريعها في المدينة، بتأسيس صناعة نسيجية، ومساعدة التجار الألمان علي العمل والتوسع نحو بغداد والبصرة، وإنشاء مستشفي وأسواق جديدة، وجمعيات علمية، والتخطيط لبناء جامعة الموصل. فشرعت بالاندماج بالحياة الموصلية والتعلق بأهلها ونسائها، والشغف بجسرها وشوارعها، يؤازرها عدد من الخبراء والأصدقاء نساءً ورجالاً، كروغر هايس، شاؤول جلعادي، الطبيب جرجيس غزالة، حارسها تابور، وخادمتها بريتا، وجليلة السعرتي ابنة الوالي، والعازف زكريا. تزداد تعلقاً بساعات الفجر الموصلية، تمتلكها رعشة هادئة وهي تستنشق رائحة نهر دجلة.
رواية (ترتر)، ولدت في وسط معمار بشري متنوع، فهي رواية (الموصل)، لا تنفصل عنها، مثلما لا تنفصل (يوليسيس) عن دبلن، والبحث عن الزمن المفقود عن باريس، وأعمال كافكا عن براغ، (جعلت آينور الموصل تبدو كمدينة مريبة، فبينما وجوه الناس متغضنة بالتعب، والطرقات مسننة بمتيبسات الطين، ومختنقة بالغبار، كان متجرها للملبوسات في شارع الكورنيش، وسوق الألمان في باب الطوب يشيعان الترفع، ويبدوان كعلامتين علي لعنة قادمة).
سعت الرواية إلي التسجيل والتوثيق لمرحلة سياسة مرّ بها العراق، واعتمد الروائي الموروث شكلا ومضموناً، لكنه تدّخل في الذوات الإنسانية، باحثاً عن يقينيات جديدة، مضيفاَ ذلك إلي السجل التاريخي والجمالي للإنسان، فلجأ إلي فرض أشكاله ومضامينه وبُناه، يجرّب الرموز ويعود للأساطير فضلاً عن استعانته بتقنيات الكتابة الحديثة وسط مناخ سياسي واجتماعي دائم الحركة لا يعرف السكون. صراع يستمد مادته من طبيعته العقلية التي تتعارض مع مشاريع آينور الإنسانية، ومغامراتها التي تمضي بها نحو النهاية المحتومة، رجال الدين يسكتون عن نهب خزينة الولاية، ويغضبون لبيع ملابس داخلية شفافة! تُهاجم مؤسسات آينور وتُحرق الأسواق، وتهدد حياتها مع تصاعد هجمة معاداة التطور، (كانت آينور حزينة العقل متورطة القلب، تتوق للخلاص، تتمني أن تنثر القروش التي تملكها علي الأرض عند باب الجسر ليلتقطها كل عابر)، يخاطبها السلطان بعد عودتها إلي اسطنبول: لقد أثبت أنك أشجع من جيشي السادس .
يحضر الجنس في الكثير من فصول الرواية، وأغلب المشاهد لها علاقة بحضور رودولف المتخيل، فهل سعي النص إلي تصوير الجسد كقيمة فنية؟ وكانت اللغة الجنسية تخفي قمعاً من نوع آخر؟ أم أنها تمنح المتخيل واقعيته؟ فيبدو العالم الروائي الوهمي حقيقياً، بلغة لا تبدو متقاطعة مع لغة النص، وكلاهما تكشفان عن الحقيقة الإنسانية في عريها الفاضح: زيف المجتمع ونفاق الأخلاق، بوصفها ستائر (تِرتِر) ملونة لإخفاء البشاعات المضمرة . فالرواية هنا شكل معرفي تتداخل فيه الأجناس، في لغة سرد مؤطر بمناخ تاريخي، فحققت خصوصيتها الفنية كرواية بهوية عراقية ، وبنفَس محلي صميم مع فرادة التجربة الإنسانية وتميزها .