رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

حنة سويسي: كيف تصبح مكانًا؟


ياسمين مجدي
2/9/2019 12:17:22 PM

يكتب حاتم مرعي كأنه »رصيف مشتاق لبيوت»‬ متتبعًا مفردات مدينة تتجلي بحضورها خلف الأحداث، فمشاعر الحزن والانكسار والحب لا تمثل فعلاً لافتًا إلا بوجودها داخل حيز المكان. الشوارع شاهدة، والجدران تتآمر والنوافذ تتبدل وبينها جميعًا ينبت سر المكان.
»‬جايز مكانها الفريد بين المدن غرها/ جايز جبلها العنيد للحروب جرها" هذه مدينة  ديوان العامية »حنة سويسي" للشاعر حاتم مرعي. تأخذنا النصوص الأولي إلي مفردات أماكن السويس مثل: الغربان، الرمل والبحر، عتاقة، مسجد الشهدا. ويبدو الامتزاج بين الشخص والمكان انعكاسًا لانتماء الإنسان العميق إلي مدينته حد التلاشي المربك: »‬أنا من هنا/ ولا هنا مني/ أنا طفل بائس/ ولا / عجوز محني».
يستعمل الشاعر الأماكن باعتبارها المقيمة الشاهدة، وباعتبار الإنسان عابرًا، لذلك يمتليء العمل بشواهد مكانية بداية من الإهداء، فيهدي الشاعر العمل إلي »‬كل حارة عشوائية في قلبي هدها التنظيم»، ثم يتوالي استعمال الأماكن، فيحركنا الشاعر في مدخل النص الأول بين عدة أماكن بسرعة، علي اعتبار أنها مقر الحدث، متنقلاً بين الشوارع.. أنين البحر.. الشط. وستمثل الأماكن شريكًا في الحدث أو شاهدًا عليه: »‬كان الجبل/ مستني لحظة طلوعك/ تحضني المجاريح».
حتي الناس يحولهم الشاعر إلي أماكن، ما يمكن تسميته بـ»‬أمكنة الشخوص»: »‬بابي خشب مكسور وبوابتك نور»، »‬رشيني بماية وملح/ أقري في أركاني ما تيسر/ من آيات الفرح... جايز ألقاني/ قصر في الجنة/ طوبة من فضة". كما يعبر المؤلف عن العلاقات والمشاعر باستخدام وسيط مكاني، مثل: »‬سابت ما بينا فنار مطفي وبيت مهجور».
التاريخ والمكان
يخوض ديوان العامية »‬حنة سويسي» في تفاصيل مدينة السويس، مانحًا للقارئ لمحات شعرية مطعمة بتاريخ المدينة، فيقدم الشاعر تفاصيل فترة التهجير والذكريات التي عاشها. وفي نص آخر يرصد تحولات مدينة السويس في السنوات الأخيرة، ووضع سلك شائك علي منطقة الكورنيش لتأمين قناة السويس، دون أن يخوض في السياسي: »‬علي الكنال سلك شايك/ ممنوع يعديني/ وقاعدة التمثال بتنده الغايبين/ بلد القنال يا مطلعة عيني».  
ويزوِّد حاتم مرعي نصوصه بمفردات من المدينة وشوارعها، مثل شارع الجيش وشارع شميس، »‬مالعين السخنة ولحد الخور»، »‬كفر عبده»، »‬شارع الجيش»، »‬السمسمية». وتقدم النصوص دفتر لمفردات مختلفة من المدينة مثل طبقها الشهيرة: »‬ البقلويظ»، ويذكر أسماء شخوص معروفة بالمدينة مثل: »‬الغريب»، »‬غزالي».
الأماكن بطل أصيل في العمل، لأنه لا قيمة للحدث بمعزل عن المكان، ويقوم حاتم مرعي بإضفاء روح المكان علي الأشياء، أو ما يمكن تسميته بأمكنة الأشياء، فيحوِّل بيته إلي بحر: »‬ندرًا عليه لأذوَّق الشقة/ وأجيب ستاير/ زي موج البحر»، »‬قفلت قلبي بالقزاز والشيش»، فيتحول قلبه في النص إلي شباك وأعماقه إلي حجرة مغلقة ومعزولة.    
الفرح والحزن
تتغير الأماكن وفقًا للأحداث والحالة النفسية، فإما مدينة صفراء للحزن، أو تمتد زرقة البحر لتنتعش مساحات السعادة: »‬ما بحبكيش في الأصفر/ ألبسي لي سماوي/ هما يومين مش أكتر/ وألاقي موجك رغاوي»
ورغم أن مصطلح الحنة السويسي هو مصطلح يشير إلي الفرح والسعادة، لكن ثمة انكسارات تتعرض لها أجواء النصوص : »‬راح الكلام في حتة تانية بعيدة/ عن واد وحيد/ وبنت زية وحيدة/ رسموا السما ألوان/ ومصر جديدة/ ووشهم دبلان/ من السهر والرسم».
غير أنه يبدو غريبًا كوّن عنوان الحنة هو رمز للسعادة، بينما تمتليء النصوص بالانكسار والحزن، ربما أنها أغنية اختارها الشاعر للخروج من قلب الحزن بسعادة: »‬غني يا حزين»، »‬أنا صانع الحواديت/ اللي رافض يحكي/ أنا اللي من حزني بضحك/ وأنا اللي من فرحي ببكي».
يتمسك الديوان في ختامه بغياب الأشخاص وبقاء الأماكن »‬واكمني تراب/ علي فردة شيش/ حبة هوا عدوا/ ملقتنيش»، هكذا يرحل الأشخاص وتبقي الأماكن، يأخذنا الشيش إلي تصور غرفة باعتبارها الحيز المكاني، بينما يرحل الأشخاص سكانها العابرون الذي بدا مرورهم مثل غبار.