رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

فتاوي تحسم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين


طارق الطاهر [email protected]
11/11/2017 10:34:59 AM

هذا الكتاب يؤكد ما يقال دائما من أن مواجهة التطرف والإرهاب، ليست مواجهة أمنية فقط، بل فكرية وثقافية في المقام الأول، فالأفكار المغلوطة هي التي تقود لفهم خاطئ للدين ويدفع ثمن ذلك أرواح بريئة، ولكن للأسف الشديد، هذه المواجهة بين التطرف والإرهاب من جهة، والأفكار الصحيحة من جهة أخري، لم تتم حتي الآن بالدرجة المطلوبة.. ومازالت مؤسسات ثقافية ودينية تتخلي عن القيام بواجبها في معالجة جذور هذا التطرف.. إلي الآن لا توجد استراتيجية بنقاط محددة وبرنامج زمني للتصدي لهذا التطرف الذي ينمو في غياب نشر ثقافة التسامح والتعايش.. فبلاشك أن هذه الجذور تتطلب منا جهدا يصل إلي الأذهان التي علي استعداد تام لتقبل الأفكار المتطرفة، مادامت تجد البيئة القابلة لهذا الفكر، في ظل غياب للمسار الصحيح.
إن التعامل مع التطرف والإرهاب، يحتاج إلي سيكولوجية تنفذ إلي أعماق هؤلاء المتطرفين، ومن يشايعهم ويساندهم وينتظر أفكارهم المتشددة لتبنيها.. من هنا لابد من الإشادة بكتاب هام صدر مؤخرا بالتعاون بين دار الإفتاء المصرية ودار الكتب، وهو بعنوان » العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.. من واقع فتاوي دار الإفتاء المصرية»‬ للدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية.
إن هذا الكتاب الذي يعالج قضايا شائكة في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، ويحسمها بأسانيد من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأقوال الصحابة وشواهد التاريخ، لجدير بأن ننتبه إليه، ومن وجهة نظري أولي محاولات الانتباه أن يتم طبعه وتوزيعه علي جميع مدارس الجمهورية والجامعات والمدارس والمساجد والزوايا والكنائس، لأننا لو استطعنا إيصال مضمونه، نكون ساهمنا في حسم قضايا شائكة في أذهان البعض وواضحة في الدين بلا لبس ولا غموض.
إن هذا الكتاب يركز بشكل واضح، حسبما ذكر المؤلف علي أن »‬ مقاصد دعوة الإسلام وموجبات الرسالة المحمدية في كل مراحلها نقطة فارقة في تاريخ الإنسانية من خلال إرساء قواعد وأصول واضحة للتعايش بين المسلمين وغيرهم وفق تنظيم حكيم ينطلق من أسس مستقرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا، لتحقيق العدل والمساواة ونشر روح التعاون وتعظيم المشاركة الإيجابية في العمل والإنتاج من أجل البناء والحضارة والعمران».
د. علام يشير – أيضا- في هذه المقدمة إلي الإشكاليات التي تؤدي إلي أزمات، استغلالا لعدم المعرفة الدقيقة للسياقات التي ترد فيها هذه الواقعة أو ذاك: »‬ ولئن شاب العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم بعض الإشكالات والتحديات التي يحلو للبعض طرحها في النقاش العام وتتداوله المشارب المختلفة، خاصة إذا حصل استدعاء لبعض السياقات التاريخية والملابسات الزمنية عند مناقشة مسائل وقضايا العلاقة مع الاخر، مما أكسبها تعقيدا شديدا، فإن جمهور المسلمين الأعظم ومؤسساتهم العلمية العريقة يحملون علي عاتقهم نصيبا أكبر في شرح حقائق ذلك وتعليمه لأبنائهم عبر الأجيال المتلاحقة، ويقوم علي ترسيخه وتأسيسه علماء الإسلام الأكابر في كل محفل وموقف حتي تتحطم هذه الأفكار الخبيثة والدعاوي الزائفة التي لا تدخر جهدا في الدعوة إلي الفرقة والجنوح إلي العنف وتكريس الصدام، بما يؤدي في النهاية إلي تفكيك الشعوب وتفتيت قوة اجتماعها وإسقاط بلادها».
يضع المفتي يده علي جوهر ما يحتاجه المجتمع في هذه اللحظة لمقاومة الافكار الخاطئة: »‬ والمتأمل في حال الأمة المعاصرة يجد أن الحاجة ماسة إلي مرجع واف يجيب علي أسئلتهم فيما يخص قضايا المواطنة ويصحح الصورة المشوهة التي يراد لها الترويج والإذاعة بأن الإسلام- زعما وإفكا- دين القمع والعنف، فضلا عن أن يشبعوا ظمأهم للقراءة النافعة التي تجلب إليهم التعرف بأحكام الشرع الشريف علما وعملا في المجالات المتنوعة بصورة وسطية معتدلة لا تشوبها أو يتخللها تفريط».
إذن كيف نصل إلي هذه الصورة المعتدلة، التي أصبحت للأسف غائبة إلي حد ما، وأن هناك دولا تربط دائما بين أفعال المسلمين وبين دينهم، إن تصحيح المفاهيم يجب في البدء أن ينتشر بيننا، وبعد ذلك نستطيع أن نعبر عن أنفسنا للخارج.
إن المتأمل لهذا الكتاب يجده تعرض لأخطر 15 قضية تخص العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، ويحسم بشكل لا لبس فيه أي أسس للاعتداء علي المسيحيين أو تبرير هذا الاعتداء، فنحن لا ننسي ما عانيناه طويلا، من اعتداء علي الكنائس، لاسيما بعد أن انتهي حكم الإخوان المسلمين لمصر بثورة شعبية، وجدنا إعتداءات بالجملة علي الكنائس في أماكن مختلفة في مصر، من هنا يستعرض د. علام الرؤية الإسلامية الصحيحة من القرآن والسنة، ليؤكد بعد أن أحصي النصوص الدالة علي حرمة هذا الإعتداء ، أن هدم الكنائس أو تفجيرها أو قتل من فيها  أو ترويع أهلها من الأمور المحرمة التي لم تأت بها الشريعة السمحة، بل ذلك يعد تعديا علي ذمة الله ورسوله، لكن هناك حالات حدث فيها تعد علي الكنائس في التاريخ الإسلامي،  استنادا لما يوجد في التراث الفقهي ومن بعض الأقوال بهدم الكنائس، وفي هذه النقطة يرد د.علام : هي أقوال لها سياقاتها التاريخية وظروفها الاجتماعية المتعلقة بها، و لايصح جعل هذه الأقوال حاكمة علي الشريعة، فالأدلة الشرعية الواضحة ومجمل التاريخ الإسلامي وحضارة المسلمين، بل وبقاء الكنائس والمعابد نفسها في طول بلاد المسلمين وعرضها، وشرقها وغربها، في قديم الزمان وحديثه، كل ذلك يشهد بجلاء كيف يحترم الإسلام دور العبادة وأعطاها من الرعاية والحماية ما لم يتوافر لها في أي دين أو حضارة أخري.
وبحسم شديد يجرم المؤلف أي اعتداء علي الكنائس أو حتي التهديد بالاعتداء عليها، فهذه التهديدات مخالفة لما أمر به الشرع علي سبيل الوجوب من المحافظة علي خمسة أشياء، أجمعت كل الملل علي وجوب المحافظة عليها وهي: الأديان، والنفوس، والعقول، والأعراض، والأموال، وهي المقاصد الشرعية الخمسة.
موضوعات  هامة يزال عنها اللبس في هذا الكتاب منها التعايش بين المسلمين وغيرهم، مفهوم الجهاد وهل هو الحرب ضد غير المسلمين، معاملة أهل الذمة، الوحدة الوطنية، العمليات التفجيرية، الصدام مع المجتمع، مشاركة أهل الكتاب في مناسباتهم، وغير ذلك من الموضوعات.
إنني أري أن هذا الكتاب خطوة جادة في طريق تجديد الخطاب الديني، فهو إلي هذه اللحظة مازال شعارا، لم يتحول إلي خطوات عملية، نحتاج إلي أن يطبع هذا الكتاب بأعداد كبيرة، وأن يترجم لأكثر من لغة، ولا نكتفي فقط بأن يكون لدينا هذا المرجع لنحتفظ به في مكتباتنا، التي أصبحت حاليا لا تحتاج لمثل هذه الكتب، بقدر احتياجنا أن تكون أفكارها في عقولنا.