رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

بكاء فاطمة

الافتتاحية


طارق الطاهر [email protected]
12/9/2017 8:30:23 AM

الذهول هو الإحساس الدقيق لما يمر به الوسط الثقافي الآن.. مبعث ذلك هذه المرة ليست قرارات صدرت لا نرغب فيها، إنما رحيل مفاجئ لمبدع موهوب، لا يختلف اثنان علي موهبته وصفاته، فهو صاحب عفوية وتلقائية تجبر الجميع علي احترامه وتقديره، باستثناء من هم مرضي لا يمتلكون أي رصيد حقيقي، يمكنهم من موازاة رصيد مكاوي.
أنا لست من أصدقائه المقربين، التقيت به مرات عدة وتحدثنا قليلا، لكن عندما سمعت خبر رحيله أصبت بصدمة كبيرة، وقتها كنت أستعد لكتابة موضوع لبستان »أخبار الأدب»‬، استمررت في جمع مادته لمدة شهور، لكنني لم أستطع أن أبدأ في الكتابة.. فعدت مرة أخري للفيس بوك، وهو مصدر معرفتي بخبر الرحيل، لأعرف أنه سيتم صلاة الجنازة عقب صلاة العصر بمسجد السيدة نفيسة، أي بعد ثلاثين دقيقة، وعلي وجه السرعة قررت النزول والذهاب لمكاوي سعيد، هذه هي المرة الأولي التي أقرر فيها الالتقاء به ليس بطريق المصادفة.. وصلت المسجد متأخرا وكانت صلاة العصر قد أقيمت، مما أربكني وجعلني أدخل إلي ساحة المسجد دونما توقف لأري من هم في الخارج، في هذه اللحظة كان المسجد ممتلئا بالمصلين، ولحقت بالتكبيرة الأخيرة، وكنت أعتقد أن هذه هي صلاة جنازة مكاوي، بعدها خلا المسجد بسرعة، ليكون أمامي الكاتب الصحفي حلمي النمنم واقفا شاردا مهموما، يتأمل بلا تركيز سقف المسجد، وهنا قال له الشاعر أحمد الجعفري: نحن في انتظار وصول الجثمان.. هز النمنم رأسه قائلا »‬ في الانتظار» وسكت، وقفنا ننتظر مكاوي، وعندما جاء أدينا الصلاة.. وهممنا في الانصراف.
في الخارج تواجد العديد من الجيران والأصدقاء والزملاء، الجميع في مرحلة من الانهيار، بدت واضحة حينما اقتربنا جميعا دونما اتفاق من السيارة التي تحمل النعش.. في محاولة أن ينال كل منا النظرة الأخيرة دون حجاب.. مر النعش من بين أيدينا وأجسادنا، التي كادت أن تحول دون وصوله للاستقرار في السيارة، حالة من عدم الإتزان أصابت الجميع، بكاء شقيقته د. فاطمة هزنا من داخلنا ولم نكن في احتياج لبكائها، فنحن أساسا مهزوزون ومنهزمون، في هذه اللحظة زادت دموع فاطمة من ربكتنا وحيرتنا.
مكاوي الذي دفعني إلي النزول من بيتي مسرعا لأشارك في تشييع جثمانه، ولم أكن من المقربين له، إنما يعكس مدي تغلغل هذه الشخصية بإبداعاتها وسيرتها ومسيرتها في نفوسنا.. مرد هذا النفوذ العميق هو أنه حالة متفردة في حياته وسلوكه وكتاباته.. ومثل هؤلاء مؤثرون بعد رحيلهم، كما كانوا قبل الرحيل، فمكاوي سعيد لم يكن مجرد اسماً عابرا.. قوته من تواجده الجسدي.. إنما هو حالة فريدة لن ترحل أبدا.
في هذا العدد يلتقي أصدقاء مكاوي في البستان، ربما لم يلتقوا جميعا، مثلما التقوا الآن، لا هم لهم سوي أن يحدثونا عن صاحب »‬ تغريدة البجعة»، لم يغرقوا فقط في تفاصيل يومياته المدهشة، التي جعلت منه هو والمكان حالة واحدة، إنما – أيضا- أشاروا إلي نقاط القوة في إبداعاته، وعوالمه الساحرة، هذا العدد قد يكون دافعا لنا ولغيرنا لقراءة أكثر عمقا لأعمال مكاوي، التي تستحق بكل تأكيد هذا الأمر.