رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

أن تكتب عن ياسر رزق


طارق الطاهر
8/10/2018 2:47:23 PM

متعة كبيرة أن تكتب عن شخص بقيمة الكاتب الصحفي ياسر رزق، المتعة لها أسباب كثيرة، أهمها أنك تكتب عن شخص تشعر دائما أنه جزء منك، في لحظات يمتلك أن يكون مصدرا للسعادة لك أو الحزن، إلا أنه دائما ما يختار أن يكون مصدرا للفرحة، فهو لا يتواني عن تحقيق ما يستطيع تلبيته لأي شخص، مهما كان درجة قربه أو بعده.
تعرفت عليه منذ أكثر من 25 عاما، فهو يعتبر نفسه ــ كما يقول دائما ــ أحد صناع أخبار الأدب، باعتباره تلميذا مقربا للروائي الكبير الراحل جمال الغيطاني، الذي كثيرا ما كان يحدثني عن رفيق عمره فتحي رزق، وكان يشعر بسعادة بالغة وهو يتحدث ــ أيضاً ــ  عن الابن، باعتباره واحدا من أمهر من أنجبتهم مؤسسة أخبار اليوم، بل الصحافة المصرية عبر مسيرتها الطويلة، هذا الحديث جعلني كثيرا ما أتأمل ياسر ليس باعتباره »فردا»‬، بل »‬ظاهرة»  أحاول أن أرصد أبعادها المختلفة، فليس سرا أنه يكاد يكون الوحيد من أبناء جيله، الذي خرج عن حدود »‬الصحفي» بالمعني الضيق ليكون واحدا من صناع الأحداث التاريخية التي تمر بها مصر، لاسيما في السنوات الأخيرة.
ظروف عديدة جعلت بيننا قاسماً مشتركاً، يمكن أن أروي جزءا منها في هذه اللحظة، فعندما جاء الإخوان وبدأوا في وضع أيديهم علي الصحافة المصرية، كان مطلوبا أن يغادر ياسر رزق مقعده رئيسا لتحرير الأخبار، رغم إنجازاته الكبيرة فيها، وانحياز أرقام التوزيع لتجربته بشكل لا يمكن أن تخطئه العين، و أرادوا أن يخرجوه عنوة من بيته »‬أخبار اليوم»، التي بدأ عمله فيها وهو ابن الـ 18 عاما، »‬بمجرد أن انتهي من دراسته الثانوية، كان واحدا من فرسانها، ولم يكن في أي مرحلة من مراحله »‬رقم»، بل هو دائما الـ »‬موهوب» الذي يتحرك بصقل وثقة الموهوبين، الذين يلفتون الأنظار إليهم منذ اللحظات الأولي في أي عمل يقدمون عليه.
الإخوان لم يرضوا أن يكون ياسر رئيسا لتحرير الأخبار، رغم نجاحاته، لإدراكهم أنه بفطنته وذكائه وثقافته، يعرف جيدا ألاعيبهم، وقبل أن يتم الإعلان الرسمي عن التغييرات الصحفية المرتقبة من قبلهم، كانت هناك تسريبات عن استبعاده، فاتصلت به، وقلت له أنا علي استعداد للتضامن معك، وأن أغادر المؤسسة في اللحظة التي ستغادرها، إلا أنه رفض ذلك وطالبني أن نحافظ علي مؤسساتنا، وإذا كان هو اضطر للمغادرة، فعلينا أن ندرك حجم اللحظة التي تمر بها مصر، لم يكن ياسر محرضا ضد أحد، بقدر ما كان حاميا لوطن، استمر في الدفاع عنه بكل الطرق المشروعة، فكانت »‬المصري اليوم» التي تولي رئاسة تحريرها، عقب مغادرته للأخبار، فاضحة للألاعيب السياسية للإخوان، منفردة بحوارات من الطراز الرفيع، ولم يتوقف ياسر للحظة عن الدفاع عما يراه صحيحا ومتوافقا مع هوية هذا البلد، هذا الدفاع الذي أكسبه عداوات من نظام الإخوان وأتباعهم، وأكسبه ــ في ذات الوقت ــ  شعبية طاغية، ليس فقط في أوساط الصحفيين، بل بين المواطنين العاديين، لذا لم يكن غريبا أن يعود ياسر مرة أخري لمؤسسة أخبار اليوم رئيسا لمجلس إدارتها، محمولا علي الأعناق، ولم يكن من حملوه من أبناء المؤسسة فقط، وإنما أهالينا في شارع الصحافة، الذين آلمهم غيابه عن هذا الشارع، الذي أصبح بحواديته وتاريخه وحكاياته جزءا مرتبطا به.
عندما عاد ياسر إلي مؤسسته، كانت لاتزال متأثرة بما فعله الإخوان المسلمون، لكنه بهدوئه وإنسانيته، تمكن من أن يتجاوز الأزمات، ومنها ما كان يحدث في »‬أخبار الأدب» التي كانت من أوائل الإصدارات التي زارها، مؤكدا أنه مع أي اختيار للزملاء في الجريدة لمن يرشحونهم لرئاسة التحرير، مشيدا بعناصرها الموهوبة التي يتابعها منذ سنوات طوال، قائلا بوضوح إذا كنتم تلاميذ الغيطاني، فأنا ــ أيضا ــ تلميذه، وما يهمني هو أن تعود الجريدة لرونقها.
الحقيقة أنني خلال سنواتي التي تزيد عن السنوات الأربع في رئاسة تحريرها، وجدت منه كل الدعم لي ولزملائي ولأفكارنا، فليس سرا أن عودة مسابقة أخبار الأدب كانت واحدة من الأفكار التي أولاها عناية كبيرة، وتحمس عبر دوراتها الأربع التي شهدت في كل مرة زيادة في قيمة الجوائز وفي توسع مجالات منحها، وهنا لا أنسي إصراره علي حضور وتوزيع جوائز مسابقتها الأخيرة، في الحفل الذي أقيم منذ شهور قليلة، رغم أنه كان في مرحلة النقاهة بسبب إجرائه عملية جراحية في ساقه، إلا أنه أصر علي أن يقف علي قدميه أكثر من نصف ساعة، ليسلم مع المهندس خالد عبد العزيز وزير الشباب والرياضة السابق، ود. إيناس عبد الدايم وزير الثقافة، الجائزة تلو الأخري، في ابتسامة لم تفارقه، ولم يسمع لحديثي بأن يغادر المسرح بعد أن يسلم عددا محدودا من الجوائز، وأصر بأخلاق الفرسان أن يستمر للنهاية.
كذلك لا أنسي تعاونه معنا في الجريدة في أي أزمة نمر بها، يتعامل دائما من منطقة المساند والداعم، كأنه واحد منا، فالحقيقة أنه مدافع صلب عن الثقافة وجوهرها وأهميتها، وعن دور أخبار الأدب وتطويرها، فلولا حماسه ودعمه، لما استطعنا أن نقدم علي تجربة العدد الشهري لـلجريدة، الذي نتيح فيه في كل عدد، كتابا لموهوب، وكذلك نوزع معه كتابا من إصدارات المركز القومي للترجمة.
في النهاية نحمد الله علي عودته سالما إلي بيته وعائلته ولنا جميعا، فهو قيمة وموهبة استثنائية في تاريخ هذا الوطن.