رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

الافتتاحية

تحية لـ «محمد شعير»


طارق الطاهر [email protected]
9/1/2018 9:40:29 AM

يستحق الزميل العزيز محمد شعير التحية، لأنه استطاع أن يحرك الكثير من المياه الراكدة أو الساكنة في الثقافة المصرية، فبمجرد صدور كتاب » أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»‬ عن دار العين، بدأت الأنظار تتجه مرة أخري إلي هذه الرواية بكل إشكالياتها، المرتبطة بالتفسيرات والتأويلات حول أحد أهم أعمال نجيب محفوظ.
شعير لم يحرك المياه الساكنة من خلال الكتاب – وهو ما سأتوقف عنده فيما بعد – ولكن من خلال ما أثارته ندوته التي شهدت جدلا فيما يتعلق بالنظرة لمواقف نجيب محفوظ، وربما ما ذكرته الناقدة القديرة والمثقفة الكبيرة سيزا قاسم، أثار جدلا انتقل من القاعة إلي ساحة المقالات في الصحف والمواقع، وقبلهما ما شهده الـ »‬ فيس بوك»، وهناك من انتصر لرؤيتها وهناك من هاجمها بضراوة، لكن في كل الأحوال فإن ما أثاره الكتاب والندوة يستحق التقدير والاهتمام.
والحقيقة أن شعير أثار هذا الجو من النقاش، عندما نشر ما سماه مؤخرا بـ »‬ الصيغة الأولي للكتاب» في ملف بأخبار الأدب في أغسطس 2014، بعد ما يقرب من الشهرين من قيامي بتحمل مسئولية رئاسة التحرير، ووقتها عرض علي شعير فكرة ملفه بعنوان  »‬رواية الرواية»، فقلت له إن كل صفحات الجريدة مفتوحة لك، أي أن العدد سيبني علي ما سيتركه لنا من صفحات، لإدراكي ما يتمتع به من مهارات في تحقيقاته الصحفية التي يقوم بها.
وبالفعل عندما صدرت الجريدة بهذا الملف، الذي جاء بمثابة قطعة أدبية ونقدية وتاريخية فريدة، في أن يقوم صحفي بتتبع مسار رواية مثيرة للجدل، وربطها بالشأن العام بمثل الكفاءة التي أدي بها شعير هذه المهمة.
ولعل هذا ما دفع الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطاني أن ينشر في الأخبار خمس مقالات، أعتقد أنها أهم ما كتب حتي الآن عن هذا الملف الذي تطور ليصبح كتابا غنيا بمعلوماته، ليس فقط عن »‬ أولاد حارتنا»، بل عن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية، و - أيضا – عن المعارك العلنية والخفية تجاه هذا العمل.
الغيطاني أوجز في واحدة من هذه المقالات بعبارة بليغة جوهر أزمة أو محنة »‬ أولاد حارتنا»، باعتبارها كاشفة لمحنة الثقافة المصرية عامة والعربية خاصة، في مواجهة السلطتين السياسية والدينية، وأعتقد أن هذا ليس ببعيد عن الجملة الأخيرة التي اختتم بها شعير كتابه »‬ وهكذا ظلت أولاد حارتنا في دائرة الضوء منذ أن نشرت مسلسلة في الأهرام في صيف العام 1959، وحتي بعد رحيل محفوظ، عندما صدرت لأول مرة في مصر بمقدمة كأنها صك براءة لاهوتية لعمل فني خيالي» .
إن جوهر أزمة »‬أولاد حارتنا» في أبسط تعبيراتها، هي أزمة الخلط بين الأوراق.. الخلط بين الإبداع والدين، الخلط بين الرمز والتفسير والتأويل، وهي أزمات لا تتعلق بهذه الرواية، بقدر ما تتعلق بالنظرة الشاملة للإبداع.
ما فعله شعير هو درس عميق في احترام »‬ الخيال» وفي فضح الألاعيب التي تحاول تحجيمه، وأعتقد أن ما قام به هو جزء من مشروع هام لإعادة قراءة الأعمال الكبري في إطار السياقات العامة، وربطها بالمناخ السائد بكل تعقيداته.
ويبقي نجيب محفوظ قيمة يجب أن نحافظ عليها، بإعادة قراءة سيرته، فمن وجهة نظري مازال هناك الكثير الذي يمكن أن يكتشف في مسيرته التي أهلته للفوز بجائزة نوبل في الآداب، بل أظن أن شعير في هذا الكتاب، ربما أجاب عن سؤال مطروح منذ 13 أكتوبر 1988 وحتي الآن.. لماذا لم يفز عربي بجائزة نوبل للآداب مرة ثانية.. وهل هناك أمل في فوز قريب أم لا؟.