رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

تلميذ مصطفي حسين

الافتتاحية


طارق الطاهر [email protected]
9/8/2018 10:00:48 AM

في الثقافة العربية ترسخت فكرة »الشيخ »‬ و »‬المريد».. والشيخ ليس المقصود به المتفقه في الدين فقط، بل صاحب الطريقة في مختلف مجالات الحياة، وكثير من المريدين أو التلاميذ يسيرون خلف شيوخهم، محاولين اقتفاء آثارهم، فقد أصبحوا جزءا من تكوينهم.. ومن وقت لآخر يرون في أعناقهم دينا لهم، خاصة بعد رحيلهم، وهو أن يواصلوا مسيرتهم ويحسنوا تقديمها والكشف عن جوانبها الخفية، التي  يعرفونها جيدا، بسبب قربهم من هذا »‬الشيخ» أو ذاك.
هذا ما شعرت به، وأنا أقرأ كتاب »‬مصطفي حسين.. عبقرية فنان»  الصادر في سلسلة كتاب اليوم الثقافي، للزميل الفنان طارق عبد العزيز، فقد نذر نفسه منذ سنوات وبوفاء نادر، بأن يحافظ علي سيرة مصطفي حسين، كأن طارق هنا بمثابة الحامي لذاكرة هذا الفنان صاحب القيمة والمسيرة الكبيرة، فلم يكتف بأن يقدم عنه رسالة ماجستير متميزة، تم مناقشتها في كلية الفنون الجميلة، بل أصدر منذ أيام هذا الكتاب الشامل لرحلة إنسان استثنائي في مجال الثقافة والفن، فهو من الفنانين القلائل الذين يعرفهم رجل الشارع العادي.. فقد استطاع برسوماته الكاريكاتورية وشخصياته الشهيرة التي مست الوجدان وعبرت عن مشاكل وأوجاع المجتمع، وكانت بمثابة تاريخ شعبي يوازي التاريخ الرسمي.. إن قيمة وعبقرية مصطفي حسين هو أنه أصبح معبرا عن الضمير الجمعي، وخاصة عندما ارتبط بالكاتب الكبير الراحل أحمد رجب، فكونا ثنائيا فذا من الصعب أن يتكرر مرة أخري.
الكتاب في مجمله هو رحلة حياة مصطفي حسين، صاغها فنان آمن بأستاذه وبرسالته، وقرر أن تظل هذه الرسالة بكل تجلياتها مفتوحة علي الدوام، وتمكن بالفعل أن يقدم عملا جديرا بالقراءة والاحتفاظ به، فهو بمثابة المعادل الموضوعي لرحلة هذا الفنان الرائد وهي رحلة غنية ومثمرة.
في هذا الكتاب تتبع المؤلف المراحل المختلفة لرحلة أستاذه، منذ مولده وتعرضه لليتم، وميوله الفنية المبكرة التي ظهرت في حبه وهو طفل للرسم، والتحاقه ــ فيما بعد ــ بكلية الفنون الجميلة، ثم المجلات والصحف التي عمل بها ، وبصمته المؤثرة فيها، قبل انضمامه للعمل في مؤسسة أخبار اليوم، وتكوينه لثنائي خطير ومؤثر مع أحمد رجب، وهي التجربة التي قال عنها مصطفي حسين: »‬أنا كرسام أعتقد أن الكاتب الساخر أحمد رجب قد أضاف كثيرا لريشتي، لأن تفكير شخص واحد يختلف بالتأكيد عن تفكير شخصين، وفي النهاية ما كنا نقدمه معا للقارئ من كاريكاتير يعد بمثابة قراءة واعية جدا لنبض وأحاسيس الشارع والمواطن البسيط».
القيمة الكبيرة لهذا العمل الذي بين أيدينا، هو التتبع الدقيق لمسيرة مصطفي حسين، وهي في قراءة أخري تمثل إطلالة علي واقع ثقافي واجتماعي وسياسي واقتصادي في أزمنة مختلفة، كما أن الكتاب يحوي مجموعة كبيرة من أعمال المحتفي به، كأننا أمام معرض استعادي لمجمل تجربة الفنان الكبير، من هنا لابد من توجيه الشكر والتحية للزميل الفنان طارق عبد العزيز، علي هذا الجهد الاستثنائي الذي يضيف الكثير للحياة الثقافية والفنية.