رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

دقَّ القلب


علاء رسلان
4/21/2018 12:39:00 PM

حفر صيف العام 1986 في قلبي علامة كبيرة سيظل دائما منقوشا عليها اسم عبدالناصر علام، ما زلت أذكر كل التفاصيل الصغيرة في لقائي الأول به في العريش، كان الفتي الأسمر الذي تقاسم معي حمل دلو ماء ذهابا وإيابا من أحد الآبار إلي أشجار الزيتون نسقيها معا في مزرعة من مزارع معسكرات الشباب، فاجأني يومها بسؤاله عن الكتاب الذي كنت أقرأه أثناء رحلة الأتوبيس من القاهرة للعريش ـ لا أعرف كيف لاحظ هذا – وأخبرني أنه من نجع حمادي وأنه يكتب الشعر العامي. مر اليوم بين قفشاته وهدوء صخبه الجميل وتعددت أحاديثنا طوال عشرة أيام وفي طريق العودة تبادلنا عناوين المراسلة.. ولم يكذب عبدالناصر خبرا فبعد عودتنا بأيام قلائل كانت الرسالة الأولي، وظللنا لأشهر نتبادل الرسائل حتي جاءني عبدالناصر فرحا بأول مولود له، كان صغيرا جدا لا يتعدي حجم الكف مكتوبا بالآلة الكاتبة، يحمل غلافا مرسوما بالأبيض والأسود، واثنتين وعشرين صفحة مصورة علي ماكينة تصوير ضمت تسع قصائد، كانت الفرحة ترقص في عين عبدالناصر وهو يناولني ديوانه الأول »دق القلب»‬ مكتوب عليه الإهداء ويقول لي: أول خطوة.
سافرت بعد الثانوية العامة ملتحقا بكلية دار العلوم ولم تنقطع رسائل عبدالناصر عني وكان كثيرا ما يقول لي: دار العلوم يعني حضرتك مش ها تعترف بالشعر العامي. ربما كان هذا حقيقيا لفترة وجيزة جدا لكن خلالها أيضا ما فقدت إيماني للحظة بموهبة صديقي كنت أردد له ساعتها إنك يا عبدالناصر تكتب بلهجة العامية وعقل الفصحي.. كان يضحك ويقول: دار العلوم (بوظت) دماغك. كان باستطاعته تحويل أي كلمة إلي قفشة ليضحك من قلبه.
بعد تخرجي ظللت أتردد علي عبدالناصر كان يجمعنا منزله حيث كنت أستعير منه كتبا لا أردها له، كما جمعنا المقهي ونادي الزراعيين وندوات نادي الأدب، كان كثيرا ما يأخذ مني القصائد ليفاجأني بنشرها في مجلة جماعة النيل الأدبية، كنت أراقب صديقي وهو يخطو نحو حلمه الذي لم يتعد نشر ما يكتب، والحصول علي مكانته الأدبية التي تليق بموهبته الضخمة التي كانت تفيض شعرا يخرج منه بعفوية كأنما هذا هو الطبيعي مع كل الناس.
مع نهاية التسعينيات ابتعدت أنا تاركا كل ما يخص الأدب والشعر محاولا النجاة كما تصورت من فخ قاتل، وظل عبدالناصر علام حريصا علي التواصل ليذكرني أنني لا يمكنني بكل بساطة هكذا أن أنجو، كان يصر مع كل ديوان له أن يخبرني أنه حجز لي نسختي، وكنت أصر علي شراء نسخة أخري من بائع الصحف ربما لأقول لكل من يقابلني إن هذا الكتاب لصديقي، كان كلما اجتمعنا يجد الفرصة لتوبيخي لأنني ابتعدت ويقرأ لي آخر قصائده.
ومع استخدامي الأول للفيس بوك حرصت أن أكون  ضمن المتابعين لكل شاردة وواردة من صديقي وبقدر هذا القرب زاد الابتعاد ولم أعد أقابل عبدالناصر إلا صدفة لكننا في كل مرة نلتقي كأننا لم نفترق.. لم أشعر ليوم أنني بعيد عن عبدالناصر ولا مقصر في حقه إلا حينما فوجئت بمرضه، ولم أتدارك خطئي، اعتذرت له وكعادته قابل الأمر بضحكة كبيرة وقلب يسع الكون
تفتكري ممكن نوصل المقطوع
نرجع لأول ما ابتدينا الخط
مفرد ومفرد مبقيناش مجموع
واشط أصبح فيكي مليون شط
الحلم ممكن يستمر سنين
بس الحقايق يستحيل تتمط .
آآآآآآآآآآآآآآآآآه.. سلامًا يا صديقي لروحك في العالمين.. سلامًا لدق قلبك الذي لم يحمل لأحد إلا الحب وخرج منه حرفك الذي اقتحم كل القلوب.. إلي أن ألقاك سلاما.