رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

«مغنواتي مشاع»


عبد الناصر علام في رحاب الأبنودى

عبد الناصر علام في رحاب الأبنودى

شعبان يوسف
4/21/2018 1:04:08 PM

منذ أن كتب الأبنودي قصائده الأولي، ونشرها في مطلع عقد الستينات من القرن الماضي، لم تكن اللهجة الصعيدية وحدها هي التي فرضت نفسها علي الحياة الشعرية المصرية، وكذلك العربية فقط، بل أصبح الشعر ناقلا لمجتمع كامل كان غائبا عن الشعر، وربما النثر، لولا طرطشات أو كتابات قليلة من كتّاب ليسوا من الجنوب مثل يحيي حقي، كتبوا عن ذلك المجتمع بعض شذرات قصصية لم تف بالغرض والمطلوب، ولم تستطع أن تنقل أو تعقل ذلك المجتمع الجواني المركب، وأصل الحضارة المصرية أو مركزها علي الأقل، وحتي الكاتب والقاص الجنوبي محمود البدوي، والقادم من إحدي قري أسيوط، جذبته أحداث المدينة والحرب العالمية الثانية، فلم يتفرغ تماما لسبر غور ذلك المجتمع المجهول في الفن والأدب، وكذلك الشاعر محمود حسن إسماعيل، خطفه ذلك الريف في عمومه، فكتب عن الكوخ وأغانيه، ثم تفرّغ لكي يكتب عن الملك فاروق، ثم جمال عبد الناصر والأحداث القومية الكبري.

عبد الرحمن الأبنودي الشاعر، ويحيي الطاهر عبدالله القاص، وحدهما لهما هذا الشرف العظيم، وهو نقل التراث الفني والأدبي الصعيدي إلي الشعر الحديث، والقصة الجديدة، ومن هنا كانت كتاباتهما مختلفة، وذات مذاقات خاصة لم تحدث من قبل، ووجدت طريقها بسرعة شديدة إلي الحياة الثقافية والشعرية والنقدية كذلك، فهما كانا يعبران عن سد نقص حاد في المعادلة الثقافية، ولن يختلف اثنان حول انتشار أشعار الأبنودي وقصص يحيي الطاهر عبدالله بجدارة، وذلك في عزّ وجود الشاعرين صلاح جاهين وفؤاد حداد من ناحية، وامبراطورية يوسف إدريس من ناحية أخري، أي أن ناصيتي الشعر والقصة كانتا شبه مغلقتين علي أسماء كبيرة وذات إنجاز عظيم.
وهذا الأمر بالطبع لا ولن يقلّل من شأن شعراء وكتّاب قصة آخرين جاءوا من الشمال أو الجنوب، ولا يشكك في مواهبهم العظيمة، مثل سيد حجاب وأمل دنقل وبهاء طاهر وعبد الرحيم منصور ومحمد البساطي وغيرهم، ولكنني أؤكد علي إنجاز خاص لم يكن موجودا من قبل، ولم يستطع أحد أن يحققه في تلك المرحلة سوي الأبنودي في الشعر، ويحيي الطاهر في السرد.
وأزعم أن الشاعر عبد الناصر علام الذي اختطفه طائر الموت  وهو مازال في الخمسين من عمره، وفي أوج عطائه الإبداعي رغم المحنة المرضية التي ألّمت به، ينتمي إلي هذه السلالة التي جاءت بعد عبد الرحمن الأبنودي، وحاول بعضهم أن ينجز في ذلك المجال ما أعتبره تطويرا للقصيد الأبنودي، ويتضمن هذا التطوير أشكالا من الأهازيج والعدودة والطرب الصعيدي وكل الأحدوثات البيئية الحديثة التي طرأت علي المجتمع الصعيدي، وتمثّل هذا كله في ديوان »مغنواتي مشاع»‬، وهو آخر ماصدر للشاعر عن مؤسسة بتانة للنشر والتوزيع، وجاءت القصائد وكأنها مرثية طويلة يوجهها الشاعر إلي ناسه ورفاقه، ويستدعي فيها كافة الآلام التي مرّ بها، ومرّت به، وتركت كثيرا من الشجن والحزن والشعور بلاجدوي، حتي غناؤه لم يأت إلا مشاعا، دون تصفيق حاد من ذويه، ودون أي احتفالات ذات معان براقة، ولذلك فهو يهدي هذا الديوان : »‬إلي من يهمهم أمري، ويهمني أمرهم، أحبكم جميعا بلا استثناء».
وفي مطلع قصيدته الأولي »‬عنّك ماحنيّتي» يقول مع سبق الإصرار والتعمد:
(صفر اليدين
طالع من الحروبات
أشباح بترفع صورتي وأنا هيكل
يقفل عليّ الغياب
بالقفل والشنكل)
هذه الفقرة تنتمي بجدارة إلي عالم العديد، والمراثي، والجديد أن الميّت الحي هو الذي يندب نفسه، فمن السائد أن الآخرين هم الذين يطلقون العدودة، ولكن الشاعر الراحل الذي مازال حيّا، هو الذي يسبق زمنه هنا، ويرثي نفسه في عدودة تكاد تكون قيلت من قبل بأشكال مختلفة، والأمر هنا ليس علي سبيل التنبؤ، ولكنه علي سبيل اليقين، والشعر ينتقل من مساحة التأمل إلي مساحة التفلسف، الموت يعني الغيّاب، ولم يقل لنا هل هو الغياب الأبدي، أم الغياب المؤقت، وهل هو الغياب الجسدي، أم الغياب الكلي؟، والميّت هنا مجرد هيكل، والمشيعون مجرد أشباح، إنها صورة تنطق بفداحة الغياب لدي الصورة وحامليها، والراحل رغم أنه خاض حروبا عديدة، إلا أنه يخرج صفر اليدين، وبلا أي مكاسب، أليست هذه هي الحكمة الدائمة، ولكنها في شكل شعري بديع.
بعد هذه العدودة مباشرة، يقدّم لنا الشاعر مايشبه تفسيرها:
(مانشفشي دمي ، ع الطريق سايل
وغريبي .. همّي ، يدوس علي اكتافي
مش سائله ليه فيّ
ولا باعته يوم »‬سايل»
واخده اعترافي بكيفي، مش بالغصب
ومعاكي ليه؟ البخت ليه مايل؟)
عبد الناصر يبني قصيدته بشكل معماري دقيق، وهندسي، علي طراز »‬المقدمة والأسباب والبرهان»، فهو بعد أن قدّم أحزانه مكثفة في مطلع القصيدة، يطرح ما اعتبرته تفسيرا لذلك الحزن، وهاهو يضع تساؤلاته حول ما قدّم به:
(ياهل تري، ياتري
ينفع لقلبي حجاب وأتوب عنّك
ولا انا »‬قيس» ولا »‬عنتره»
ولا »‬عبله» من سنّك
هاتحنّي ع القلب »‬الذبيح» شكرا
لو حنتيش .. عنّك.)
جملة مدججة بالغضب، واللوم، والتمرد، يضعها الشاعر في ذيل قصيدته، وكأنها الذروة الدرامية، والتي تعطي مبررا للبناء الهارموني للقصيدة، وكأنها كريشندو يتصاعد في مجالات مختلفة من الحزن والفلسفة، إلي الغضب والتمرد.
هذا النموذج الذي قدّمه عبد الناصر في بداية ديوانه »‬البديع» والأخير في رحلة النشر، يتكرر في القصائد التالية وربما تكون هناك دواوين أخري للشاعر لم تنشر بعد.
وفي القصيدة التي شغلت عنوان الديوان، نجده يقدّم نفسه في صورة الأضعف والأحزن:
(أنا اللي عاجز، إني أشيح باليد
أو إني أنازل حد،
وأفوز عليه بالقاضية وأتنطط
ما معايا غير حلمي العجوز
أنا مش معايا الوقت ولا ثانيه
مجرور بعطف قلوب يدوب حانيه
أخدتني دنيا الناس علي خوانه
وأنا بالأمانه ضعيف
ضربتني كف ف كسرتني
وبقيت بطل مصفوع يوماتي مذاع
ومغنواتي مشاع
نزواتي عارضاني علي الشاشات
صوتي اتنشر في الفضا
جاب لليالي صداع)
بالتأكيد بطل القصائد هنا، يكاد يحيا ويعيش ويتنفس، وربما يتأمل ليطلق تأوهاته وآلامه، فهو ليس بالمتنبي الذي يتفاخر بنفسه وبأنه مسموع ومقروء ومعروف، وليس بمحمود درويش الذي قال »‬لن تعرفوني دون معجزة»، ولا الأبنودي الذي يستطيع أن يغني ويدافع عن بلاده، فبطل عبد الناصر علام يشبهه، ويشبه عموم الشاعر المعاصر، الذي يكاد يعود إلي نفسه المحاصرة بكل أشكال وأسباب الإحباط، ويعيش كوابيس تلاحقه دائما:
(كوابيس بطعم
فوانيس بدون الضو
وآهي صرختك في الهوا
ولا حد يسمعها
ماسكه في حبل ال »‬لو»
ما يضرّش  الأطرش .. صراخ وضجيج
ولا يقلق الميت صوات ونحيب
آسف ما كانشي القصد
دوري في حياة تتلوي ك »‬الحيّة»
مايضيفشي بسمة لوش نحته الهم
حوالي أكام غربا
مرمية تذاكرهم علي الرصفان
أنا فرد لحم ودم.. »‬مهمن» كان..)
حتي في قصيدته عن القطار الحديث ، وهو بديل قطار الساعة 12 إياه، يقدم نفسه، ذلك الإنسان المقهور والمغمور والفرد الحزين في ركام جماعة متوحشة، وهنا فارق كبير بين بطل قصيدة عبد الناصر علام المطحون، والذي لا حول له ولا أي قوة سوي الشكوي، وبين أبطال الأبنودي الذين قاوموا وبنوا السد، ونادي »‬أحلف بسماها وبترابها»، البطل المهزوم المعاصر، في مواجهة البطل التقليدي المنتصر والمقاوم.