رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 55 ) حملات الشتاء


محمود الورداني [email protected]
5/5/2018 1:37:03 PM

درجت أجهزة الأمن منذ وقت طويل، ربما منذ حملة رأس السنة عام 1959 ضد اليسار علي القيام بهجماتها في الشتاء، وشهدت السجون المصرية حملات اعتقال متتالية في الشتاء تحديدا، وبالنسبة لي فقد شاهدت مثلا الهجمة ضد اعتصام الطلاب واقتحام جامعة القاهرة في يناير 1972، وفي يناير أيضا عام 1975.
ففي أعقاب مظاهرات عمال حلوان في باب اللوق ، وقبل أن يستقلوا المترو في اتجاه مصانعهم، قرأ بعضهم في الصحف عن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، فبدأت شرارة الاحتجاج التي امتدت هنا وهناك.
وبعد أيام قليلة ، قامت أجهزة الأمن بحملة ضد الكتاب اليساريين واعتقلت مايزيد قليلا علي ثلاثين شاعرا وكاتبا وناقدا وفنانا تشكيليا وألقت بهم في سجن طرة. لا علاقة مباشرة أو غير مباشرة، بطبيعة الحال بين هؤلاء المعتقلين وبين مظاهرات العمال احتجاجا علي رفع الأسعار، لكن يوسف السباعي- مرة أخري- يوسف السباعي، كان قد تقدم ببلاغ ، بوصفه وزيرا للثقافة ومخبرا أيضا، إلي أجهزة الأمن يتهم فيه جمعية »كتاب الغد»‬ بأنها واجهة لتنظيم شيوعي سمّاه الوزير »‬اليسار الجديد»، وفي هذا السياق تم اعتقال كتاب وفنانين من بينهم مثلا أحمد فؤاد نجم ومحمد كامل القليوبي وابراهيم منصور وعز الدين نجيب ونجيب شهاب الدين وزين العابدين فؤاد وصلاح عيسي وعبد الرحمن أبو عوف ومحمد روميش .. وغيرهم.
أما دور يوسف السباعي فقد كشفت عنه النيابة نفسها عندما تم التحقيق مع عز الدين نجيب والقليوبي، ووفقا لكتاب الأول »‬رسوم الزنزانة» الذي أصدرته هيئة قصور الثقافة عام 2014، فإن هذا هو ماواجههما به وكيل النيابة . ولحسن الحظ أن نجيب سجّل ما جري في كتابه المشار إليه، وفي حدود علمي، فباستثناء إشارات متناثرة في كتاب صلاح عيسي: »‬مثقفون وعسكر» – مكتبة مدبولي- لا توجد هناك شهادات موثقة عن تلك الحملة.
ويشير نجيب إلي أن السبب في اعتقاله هو وغيره من المشتغلين بالكتابة يعود إلي أسباب أخري من بينها مثلا اشتراكه في حملة توقيعات لإقامة اتحاد ديمقراطي للفنانين التشكيليين ورفعها إلي مجلس الشعب عام 1974 ، وهو ما سعي يوسف السباعي لإجهاضه، ويضيف» وقد شهد عصره تفريطا ملحوظا في مصالح الفنانين حتي إنه سلّم أشهر قاعة عرض مخصصة للفنانين- وهي إخناتون بشارع قصر النيل- إلي من حوّلها إلي مطعم سياحي، وسلّم قاعة الفنون الجميلة بميدان باب اللوق إلي من حوّلها إلي بنك استثماري». كما يشير أيضا إلي أن العاملين بقاعة باب اللوق ومعهم مجموعة من الفنانين التشكيليين اعتصموا بها ليحولوا دون تسليمها حتي تم اقتحامها بالقوة.
هذا وغيره من الأمثلة مثل معركة اتحاد الكتاب، والدور الذي لعبته جمعية كتاب الغد، والمناخ الذي فرضه السباعي ممثلا للتوجهات الجديدة لنظام السادات بعد حرب أكتوبر ومد الجسور مع الولايات المتحدة والغرب عموما، وفي الوقت نفسه إنعاش الإخوان المسلمين بإخراجهم من السجون وإتاحة الفرصة كاملة للتنظيمات الجهادية.. كل هذا كان تعبيرا عن واقع جديد يراد فرضه، وبالفعل تم فرضه تمهيدا للصلح مع إسرائيل.
أما القضية الملفقة وتنظيم اليسار الجديد وكل تلك الهلفطة فسرعان ماتم كشف تهافتها، وبعد شهور قليلة لم تستطع النيابة أن تقدم للمحكمة قضية متماسكة واضطرت المحكمة للإفراج عن الجميع. ومن جانبها فإن أجهزة الأمن كانت تعلم جيدا أنه ليس هناك تنظيما جديد اسمه اليسار الجديد، لكنها كانت تريد أمرين: التنكيل بالمثقفين المناوئين واعتقالهم وتأديبهم بضعة شهور، وتريد أيضا استكمال ملفاتها وترتيب أوراقها.
كانت تريد أيضا إرباك كل المعارضين للنظام، لذلك كانت الحملة واسعة وشملت كثيرين هربوا من الاعتقال، لكن تلك قصة أخري سأكتبها في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل..