رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

موسوعة علمية هائلة


تكريم إسباني للراحل

تكريم إسباني للراحل

د. نسرين أحمد عبد الحميد
5/5/2018 1:44:08 PM

 »تحركوا، اقرأوا، اشتغلوا، سافروا، ابحثوا، أبدعوا في  أفكاركم وفي  عملكم ولا تكتفوا بما تدرسونه في  الجامعة، هذه كانت كلمات الدكتور علي  المنوفي  لطلابه، كلمات لا يتوقف فيها عن حثهم علي العمل الدء وب والفكر الإبداعي  والبحث عن المعلومة في  أقصي بقاع الأرض.
كان المنوفي  قدوة لكل من حوله، في  العمل والنشاط. وخلال مسيرته العملية الطويلة، شغل العديد من المناصب في  مجالات مختلفة  وكان متميّزًا فيها جميعًا. في  المقام الأول كان أستاذًا جامعيًا جليلاً كما كان مترجمًا بارعًا، وتنوع إنتاجه بين التأليف والترجمة، وإن كانت الترجمة شغفه الأول، والتأليف جزءا رئيسيا  في  عمله البحثي  بالجامعة. وكان من ضمن هذا النشاط الجامعي  المشاركة في  فعاليات ثقافية ومؤتمرات دولية عديدة والإشراف علي الكثير من الرسائل العلمية داخل جامعة الأزهر وخارجها. وعمل مترجمًا فوريًا وتتبعيًا في العديد من السفارات ومنها السفارة الإسبانية بمصر، بالإضافة إلي عمله في  السنوات الأخيرة كمترجم لقصر رئاسة الجمهورية ليكون مترجمها الرسمي  في  الشئون المتعلقة بالعلاقات المصرية الإسبانية.
وخلال مسيرته مع الترجمة، التي  امتدت لأكثر من أربعين عامًا، كان علي  المنوفي  يسعي دائمًا لبناء جسور من التواصل الثقافي  بين مصر وإسبانيا وأمريكا اللاتينية، وكان هو نفسه أحد هذه الجسور الهامة عبر الترجمة والأنشطة الثقافية بمصر وإسبانيا، وكان خير ناقل لما يربط العالم العربي  بحضارة الأندلس وتاريخها. من ناحية أخري، كان يحاول أن يقرأ تاريخ الثورات في  أمريكا اللاتينية ويجيب عن سؤال في  غاية الأهمية: كيف اكتسبت تلك الثورات ملامح هويتها؟! كان يري أن هذا الحقل التاريخي  يستحق من دارسي  اللغة الإسبانية العناية به كمترجمين وكباحثين، بجانب الاهتمام بالآداب المكتوبة بالإسبانية وكذلك التاريخ وما يتعلق بالتراث الفكري  والثقافي  سواء في  إسبانيا أو أمريكا اللاتينية.
في إحدي المناقشات العلمية، قال علي  المنوفي: »‬  عندما يولد عمل أدبي فإنه يتصل بالسياق التاريخي  والجغرافي  محل الميلاد، وهنا يصبح من الضروري  تقديمه في  هذا الإطار حتي نستطيع إدراك جوانبه التي  يمكن أن تعكس جمالية روح العصر وحتي يتمكن القارئ من ملاحظة التأثيرات الثقافية والفنية المتبادلة علي المستويين المحلي  والإقليمي. كان يؤمن، ويدافع باستمرار عن حرية التعبير عن الرأي  ويري أن الكاتب الذي  يحاول أن يكون معلمًا لقرائه هو واحد من اثنين: إما لديه ثقة زائدة عن الحد وإما أنه يقلل من شأن  قرائه. وانطلاقًا من هذا المفهوم، كان المنوفي  يعتمد علي الحوار في  تعاملاته مع الجميع، معتبرًا فرض الرأي  علي الآخر دليلًا قاطعًا علي ضيق الأفق وأحادية المنظور.
 كان أحد المثقفين القلائل الذين أمضوا حياتهم في  محراب العلم، والعارفون به لا يختلفون علي أنه كان موسوعة علمية هائلة ممزوجة بالتواضع وخفة الظل والمحبة للجميع، يعامل الطلبة والطالبات بمنتهي الرقي  والاحترام، ولا يبخل علي أحد بالنصيحة ولا بالوقت ولا بالجهد ولا بالكتب القيمة. كان مُلهمًا ولم يكن مُلَقِنًا. كان يحثهم دائمًا علي كثرة القراءة في  شتي المجالات وممارسة  الإسبانية باستمرار داخل الحرم الجامعي  وخارجه. وفي  علاقة الأستاذ/ التلميذ، كان نموذجًا للأب والمعلم الخلوق غزير العلم والمعرفة. كان يؤمن بالحوار والنقاش المصحوب بجرعة من الاستفزاز الطفيف ليتمكن من معرفة أفكارهم الحقيقية بدون زيف أو خوف أو مجاملة. كان يخاطب فكرهم ووجدانهم ويتحاور معهم في  أهم القضايا الدولية والمحلية ويقوم بتصحيح المفاهيم والآراء المغلوطة ويحثهم دائمًا علي قبول الآخر واحترام رأيه ومعتقداته، تاركًا بذلك أثرًا طيبًا في  أذهانهم قبل قلوبهم.
كما كان يصطحب تلاميذه في  رحلات ثقافية إلي الأهرامات والمتاحف المصرية المختلفة ويكشف لهم باللغة الإسبانية أسرار حضارة أجدادهم العريقة. وبعد انتهاء رحلة التعليم الجامعي، كان يبادر بتوفير فرص عمل للمتميزين منهم، سواء في  الشركات السياحية أو في  مجال الترجمة أو في  الإذاعة والتلفزيون.
كان غزير الإنتاج الأدبي  وشغوفًا بالترجمة.  من أبرز الأعمال التي  قام  بترجمتها: لعبة الحجلة، ومختارات قصصية (1947-1992)، وكيف تعد رسالة دكتوراه، وحتشبسوت من ملكة إلي فرعون مصر، وتاريخ الشعر الإسباني  خلال القرن العشرين: من الحداثة حتي الوقت الحاضر، واللاعقلانية الشعرية، وإسبانيا في  تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود، وإسبانيا بشكل جلي، ومواطنون في  العالم، ونحو نظرية للمواطنة، والأرجنتين كان يا ما كان، والترجمة ونظرياتها، والمرآة الدفينة، وشهر العسل (وقصص أخري)، ومكتبة الإسكندرية فك طلاسم اللغز، والقصة القصيرة النظرية والتقنية، وتعليم الترجمة، وهل يمكن للحاسوب أن يكتب قصيدة غزلية؟ التقنية الرومانسية والشعر الإلكتروني، وتاريخ إسبانيا الإسلامية من الفتح إلي  سقوط الخلافة القرطبية (٧١١-١٠٣١)، ورحلة إلي  السودان، ومن العالم الجديد إلي العالم القديم.
وترجم أيضًا سلسلة كتب الفن والعمارة في  الأندلس، ومنها: الفن الطليطلي  الإسلامي  والمدجن، والفن الإسلامي  في  الأندلس: الزخرفة النباتية، والفن الإسلاميفي  الأندلس: الزخرفة الهندسية، والعمارة في  الأندلس: عمارة المدن والحصون (في  جزءين)، والعمارة الإسلامية في  الأندلس، عمارة القصور (أربعة أجزاء)، وعمارة المساجد في  الأندلس طليطلة وإشبيلية، وعمارة المساجد في  الأندلس غرناطة، وباقي  شبه الجزيرة الإيبيرية، وعمارة المساجد في  الأندلس قرطبة ومساجدها، وعمارة المساجد في  الأندلس مدخل عام، والعمارة المدجنة.
في  الثاني  والعشرين من ديسمبر 2017 قرر مجلس »‬الأكاديمية الملكية للتاريخ»‬-إسبانيا- تعيينه عضوًا مراسلاً لهذه المؤسسة العريقة عن مصر. كما حصل أيضًا علي العديد من الجوائز والأوسمة، منها جائزة الشيخ حمد للترجمة، ودرع اتحاد كتاب مصر، ووصل للقائمة القصيرة بجائزة الشيخ زايد في  الترجمة، ووسام الاستحقاق المدني  من ملك إسبانيا فيليب السادس، تقديرًا وعرفانًا بجهوده العظيمة في  ربط الثقافة العربية ببعض أصولها المتمثلة في  الثقافة الأندلسية وامتدادها في  بعض ملامح المجتمع الإسباني  المعاصر.
علي الرغم من كل هذا النشاط العلمي  والأكاديمي  ومسئوليات العمل المختلفة، فقد كان متفاعلاً مع الواقع الاجتماعي  حوله من خلال السوشيال ميديا. وكان الفيسبوك وسيلته، من داخل محرابه، للتواصل مع الأصدقاء والطلاب لطرح قضية ثقافية أو انتقاد أداء مهني، ورغم أن البعض كان ينتقد حدته أحيانًا في  النقد، إلا أن طبيعته الناقدة لم تكن تقاوم أن تمر الأشياء بسلام بدون أن يوجه لها النقد، لأنه كان يري أن بالنقد وحده يمكن أن تنصلح الأمور.
 لقد رحل عنا الدكتور علي  المنوفي  جسدًا فقط وسيظل أثره الطيب عالقًا في  أذهاننا جميعًا. دُمْتَ في  قلوبنا أستاذنا العزيز.