رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي ( 59 ) في الدرب الأحمر

كتابة


محمود الورداني [email protected]
6/16/2018 11:33:59 AM

  في السياق نفسه الذي كتبت فيه عن شلة المنيل، يمكن تناول الدور الذي لعبه اليسار والقوي الديمقراطية عموما في انتخابات مجلس الشعب عام 1976 والتي يمكن اعتبارها إحدي أكثر الانتخابات النيابية ديمقراطية ونزاهة علي الإطلاق، والواقع أن حكومة ممدوح سالم أجرت آنذاك انتخابات نادرة وربما غير مسبوقة سواء فيما يتعلق بالسماح بالترشيح أصلا لعشرات المستقلين غير الحكوميين بخوض الانتخابات، أو بإطلاق الحرية غير المسبوقة أيضا في الدعاية الانتخابية، أي المطبوعات والبوسترا ت والمؤتمرات علي المقاهي وفي مختلف التجمعات والمسيرات الانتخابية التي تجوب الأحياء المختلفة.
  وهكذا .. خاض انتخابات 1976 طيف واسع من المستقلين، ولا أعني فقط المستقلين الليبراليين بالمعني الواسع مثل ممتاز نصار والقاضي وغيرهما بل أيضا ممثلين لقوي يسارية ، سواء كانوا من الماركسيين المرتبطين بتنظيمات غير مسموح لها بالتواجد أصلا، أو اليساريين الدولتيين أو أطياف اليسار المختلفة.
  فعلي سبيل المثال خاض الانتخابات علي برنامج المنظمة غير المسموح بها، و التي انتميتُ لها آنذاك شاعران .. نعم .. شاعران. الأول هو عزت عامر عن دائرة مصر القديمة ، والثاني محمود الشاذلي عن دائرة الدرب الأحمر، ورجل محترم آخر لا أتذكر اسمه للأسف عن دائرة حلوان، إلي جانب أبو العز الحريري ابن الترسانة البحرية بالإسكندرية وآخرون لا أتذكر أسماءهم للأسف.
  ولا أتذكر أيضا ما إذا كنت شاركتُ في النشاط المصاحب للدعاية الانتخابية للمرشح محمود الشاذلي بترتيب خاص مع المنظمة أم بتكليف منها، لكنني أشهد بذلك الجهد الخارق الذي بذله الشاذلي ومعه عدد من أبناء الدرب الأحمر الذين كشفت عنهم الانتخابات، ومن خارج الحي مثل الشاعر محمد سيف وفريد زهران وعبد الخالق فاروق وكاتب هذه السطور وغيرهم ممن غابت أسماؤهم عني للأسف.
  وكنت قد تعرفت علي الشاذلي حين تزاملنا في معهد الخدمة الاجتماعية، وربطت بيننا صداقة وثيقة مازالت مستمرة حتي الآن. وهنا لا أشهد علي جسارة الشاذلي والدور البطولي الذي لعبه فقط, بل أشهد أيضا علي ذلك الجهد المذهل لأعضاء حملته الانتخابية، بقروش قليلة كانوا يجمعونها من أهل الحي ، و حوّلوا حواري وشوارع الدرب الأحمر إلي خلية لا تهدأ من العمل المتواصل : لقاءات المقاهي وتجمعات الحواري والمسيرات والجولات وتوزيع البرنامج الانتخابي المحترم، والذي كان يدعو مثلا فيما أتذكر إلي حرية تكوين الأحزاب وحرية إصدار الصحف وإسقاط أي اتفاقات مع العدو الإسرائيلي وعدم الاعتراف به.. وغيرها من النقاط البرنامجية التي كانت آنذاك تتجاوز أي سقف ممكن تخيله.
  أذكر تلك الوقائع هنا في ارتباطها بما التزمتُ بالكتابة عنه في زوايا زمن القليوبي بغرض استحضار أو استعادة ما هو  مسكوت عنه في تاريخنا الثقافي و الأدبي، ربما لأن ذلك النشاط » الانتخابي»‬ بين قوسين طبعا، من جانب شباب الكتاب والأدباء تحديدا، كاد يشكل ظاهرة، ومافعله مثلا الشاعر عزت عامر في دائرة مصر القديمة، ثم في سائر الدوائر التي تصدر برنامجنا نشاطها، لم يكن يقل عما جري في الدرب الأحمر.
  ما أقصده بوضوح أن كثيرا وكثيرا جدا من شباب الكتاب والفنانين شاركوا في  ذلك النشاط  بكل جدية ونكران ذات، ليس طمعا ولا وهما بإمكانية  الفوز، علي الإطلاق، فقد كان خصم الشاذلي علي سبيل المثال هو علوي حافظ من الضباط الأحرار صاحب الكاريزما كضابط حر ونائب الدائرة لعدة سنوات..كانوا إذن، هم وغيرهم في الدوائر المماثلة يستهدفون أمرا آخر، وهو ما سأواصل الكتابة عنه في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل..