رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الأستاذ وسؤال المعرفة


محمود عبد الله تهامي
8/18/2018 1:57:57 PM

تظل مكتبة دار العلوم -جامعة الفيوم-علي أية حال تُلبي رغبات الطالب المعافر. لكن في مرات كثيرات حاولت البحث عن بعض المؤلفات التي أحتاج إليها،لم أجدها وكانت صدمة.وعندما رغبت في الاطلاع علي »الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ لمحمد حسن عبد الله»‬ كنت أخشي افتقاده بين رفوف الكتب، ولما طلبته في القسم الأدبي، وجدت ألفًا من الأيادي ترشدني إليه، كأنه أيقونة معروفة محفوظة.كانت خيبتي مدوية وقت رؤيته، كنت قد رسمت له في خيالي غلافًا أسطوريًا يليق بحجم نجيب محفوظ، ويليق بحجم المؤلف الذي خدم الثقافة العربية ولاسيما ثقافة الكويت بمنجزه الأدبي والنقدي فأظهر براعةً في الاستيعاب وجمالا في الأسلوب وصدقًا في العمل.

توقعت أن أجده محاطًا بالعناية والاهتمام، كانت صفحاته متهالكة، قديمة وصفراء. رأي الطالب الدرعمي أن يضع بصمته عليه بجدارة، خط بقلمه خطوطا تحت عباراته المنتقية، وعلق في الفراغات الخالية، وترك مقترحاته في الهوامش الجانبية؛ كان سيئا للغاية، وضاع اسم المؤلف بين تعليقات وخطوط الطلاب. اعتدت المجيء في مدد زمنية متلاحقة لقراءته. استطاع الكتاب أن يأسرني، ويجذبني بشدة نحوه من خلال: عمق القراءة، وبراعة التأويل، والسحر الجلي الذي يسيطر علي كل عباراته ومفرداته التي حرر بها رؤيته.
درَّسَ لنا الدكتور عبد الله ثلاثة كتب، فتح لنا به بابًا علي الحياة، وزرع بداخل الكثير من طلابه جرثومة نشطة تهتم للعلم، وتطلبه أبدا، وتدفع في سبيل المعرفة كل الأشياء الغالية. كتابه الأول »‬مداخل النقد الأدبي الحديث» أطلعنا فيه علي الأصول التاريخية للنقد الأدبي، وتطور مدارسه، وتعدد مداخله، ناقشنا حول محمد مندور ومحمد غنيمي هلال وغيرهما، وظلت نصيحته في بالي أرددها دائما عندما حاضرنا عن النقد والنقاد قائلا: والناقد الجيد يا أولادي يلزمه لغة أجنبية واحدة علي الأقل لأن العالم يتقدم من حولنا ونحن نعيش علي الترجمات، وما يترجم لنا الآن يأتي بعد عشرات السنين من تأليفه.. ويلزم الناقد جرأة وشجاعة لأنه سيقترب من مناطق محظورة.
سلط الضوء في كتابه الثاني انقد ونقاد معاصرون: القدس علي ظاهرة الشعر المعاصر في تعبيره عن مدينة القدس بكل ما ترمز إليه. وكانت قصيدة محمود درويش »‬سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا» من القصائد الممتعة التي نالت إعجاب عدد كبير من الطلاب الذين ربما يجهلون درويش!
كنا نتداول _ أنا وبعض الزملاء _ حكاية سرحان بشارة وما قام به من قتل روبرت كينيدي شقيق جون كينيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وكان مبالغا في مناصرته للصهيونية.. والمقطع الأشهر بيننا الذي يعبر عن حالة التيه (الأكثر وعيًا) التي صور بها محمود درويش المناضل سرحان، يقول درويش: ما اسمك؟ /نسيت/ وما اسم أبيك؟ / نسيت /وأمك؟ / نسيت /هل نمت ليلة أمس؟ / لقد نمت دهرا /حلمت؟ /كثيرا /بماذا؟ / بأشياء لم أرها في حياتي /وصاح بهم فجأة:/ لماذا أكلتم خضارا مهربة من حقول أريحا؟ / لماذا شربتم زيوتا مهرّبة من جراح المسيح؟
بلغ التفاعل مع أستاذنا الكبير ذروته في محاضراته »‬أساطير عابرة الحضارات» كنا بحاجة لسنوات غير معدودة لنسمع منه المزيد وما يمكن أن يقوله في هذا الباب، حدثنا عن نشأة الأساطير، المجتمعات التي تصنعها، وكونها مرحلة من مراحل نمو العقل البشري الذي بدأ بالأساطير وترقي عنها إلي الفلسفة ثم إلي الدين-أديان أرضية وسماوية- وأخيرا إلي العلم، كان هدفه في كل مرحلة الحفاظ علي الكيان الإجتماعي والإجابة علي أسئلة الإنسان عن بدء الحياة، والوجود البشري، وعن الموت وما بعد الموت..
ولم يغفل دور العرب في صناعة الأسطورة ــ وكانت قضية خاض فيها الكثير من المفكرين للرد علي إرنست رينان ــ ورد علي من ادعي أن العرب لا يملكون خيالا للأسطورة فهم يعيشون علي أرض مستوية وبيئة مسطحة تشبه عقولهم، يعرفون كل الاشياء المادية التي يرونها ويجهلون ما لا يشاهدونه، وساهم في ذلك أن معظم الأديان نشأت في بلادهم فقدمت لهم الإجابات وأغنتهم عن الأسئلة. وساق أستاذنا التعريف بعدد من الأساطير العربية، ورفع الوهم بأن العقل العربي ناضب قليل حظه من الخيال. ومن طرافة ما استوقفني كدليل علي خيال العربي أن بعض العرب وضعوا علي نبي الإسلام الكثير من الأحاديث المُختلقة التي تمثل أسطورة بالدرجة الأولي؛ فيها حكايات خيالية وأجوبة لأسئلة حول الكون وحركة الأجرام، والشمس التي تتحرك علي عجلة محاطة بثلاثمائة وستين ملكًا..
ثم مضي إلي أساطير الحب في التراث العالمي، صورة العاطفة عند الإغريق، وكيف تعامل معها العقل العربي! وكيف سما بها الصوفي ليفسر من خلالها حركة الكون وانتظام الوجود!
علاقتنا به طيبة جدا، إنسان بالدرجة الأولي، طبعه رقيق، يلقي النكات، يصنع من أحداث حياته قفشات مضحكة يقصها علينا، محاضرته بالنسبة لي تفوق شوق الطفل لمذاق الحلوي.. والحلوي في حياة أستاذنا لها دور ليس بالقليل، كانت حقيبته لا تخلو من البسكويت والشيكولاتة والبونبون، هو لا يأكلها بعد إصابته بالسكر، يحملها هدية للآخرين وبالخصوص للأطفال، وظاهرة وجود الأطفال في مدرجات الفرقة الرابعة شائعة بين الطالبات؛ لأن الكثيرات منهن أصبحن أمهات. ولقد أصر أحد الأطفال أن يزعج القاعة بصراخه وبكائه، حتي حملته أمه تحاول الهرب إلي الخارج، وهي في غاية الخجل، لكنه أصر أن تعود إلي مكانها، ومنعها من الخروج، واستمر في حديثه، وكلما بكي الطفل توقف حتي ينتهي، ثم يتابع بكل هدوء وراحة..
أخبرنا أن الكل محاصر بطريقة تعليم سيئة ولابد من الخروج من تحت وطأتها، طالب الجامعة يعتمد علي مذكرة يعدها له أستاذ المادة، ثم لا يشغل باله بشيء آخر، ساعتها نصحنا قائلا: يا أبنائي إذا ذكرت اسم كتاب أثناء المحاضرة سجله في كراستك وكل ما أرجوه منك أن تصعد للمكتبة لتري غلاف الكتاب فقط، لا أطلب منك القراءة، أطلب رؤيته. كلماته كانت تدل دلالة قوية وواضحة علي نوعية الطلاب أمامه. نحن لا نقرأ، ولا نشغل بالنا بنوع حقيقي ومثالي  للدراسة الجامعية.
محاضرته ساعة واحدة أسبوعيا، في الحقيقة ساعة واحدة لا تكفي، كنت أتردد علي مكتبه لسبب ولغير سبب، مكتبه لا يخلو أبدا إما متطفل مثلي أو طلبة الماجستير والدكتوراه. أسرق مقعدا وأندس بين طلبة الدراسات العليا، وفي أوقات أخري أكتب قائمة بأسئلة من باب »‬كم جئت ليلي بأسباب ملفقة» قراءتي لم تكن واسعة وكانت منحصرة وما عرفت السبب؛ لذلك كانت أسئلتي تدل في أوقات كثيرة علي ضيق الأفق.  أهداني مجموعته القصصية »‬فيل أبيض وحيد» وكتابه »‬الإسلامية والروحية...» في طبعة أنيقة، وكتابًا ضخما دراسة وتكريم لجهوده من الكتاب والنقاد، هذا غير الحلوي التي يحمل لها ذكري سجلها في كتابه »‬جرة قلم» عندما لاحظ شدة اضطرابه أثناء أداء الامتحانات يقول: »‬شكوت إلي الطبيب، فأخبرني أن حالة القلق التي أعانيها قرب بدء الامتحان تتسبب في هبوط نسبة السكر، ونصحني أن أحتفظ في جيبي ببعض حبات البونبون لتساعدني علي استعادة نشاطي، وبالفعل كان إذا ما انطلق جرس البدء أخرجت الحبة الحلوة وفضضت عنها ورقة السلوفان ووضعتها في فمي».
ترددت عليه في مكتبه بالكلية وقدم لي البونبون أكثر من مرة كواجب ضيافة، كنا نطرح عليه أسئلتنا في أي مكان وأي وقت، المحاضرة، في ممرات الكلية، المكتب، ويستجيب بصدر رحب. أعجبتني رواية »‬الجوع» لمحمد البساطي وقدمتها هدية له، الكتاب هو الشيء الوحيد الذي يعبر عن حبنا لهذا الرجل، مسح غلافه بكفة يده كأنه يراه من جديد، استقبله بفرح طفولي، وجاملني بكلمات لطيفات، وقال: تصور.. أن تُجالس البساطي أفضل بكثير من رواياته.. البساطي حكاية بذاته.
قلت: لدي أسئلة.
أمرني بالجلوس وقدم لي واجب الضيافة قبل كل شيء فأخذت الحبة الحلوة متظاهرا بالقناعة، وسألته عن حرية الإبداع وحرية المصادرة.
قال: لا أعني المؤسسة، نكتب بكل حرية مع الاحتفاظ بحق المصادرة للجماهير، الدولة التي تخاف أقلام الكتاب وتكتم الأنفاس بوزارة للثقافة تمشي في الطريق الخطأ.
وأذكر أني سألته عن الريادة عند المبدع.
قال: عندي الريادة تكمن في ثلاثة أشياء : السبق الزمني، وتكرار الظاهرة، وعمق تأثيرها في الآخرين.
سألته عن رأيه في كتابات السيرة النبوية عند الأدباء مثل طه حسين »‬علي هامش السيرة»، وعبد الرحمن الشرقاوي في امحمد رسول الحرية»، ومحمد حسين هيكل في »‬حياة محمد» .
قال: طه حسين حكَّاء ذكي لكنه لم يكن متعمقا في سيرته، مع وضع في الاعتبار أنه كتب كثيرا لأكل العيش، فهو رجل مشاغب ترك العمل كثيرا وله عائلة فتوجب عليه العمل لأكل العيش. والشرقاوي كتب سيرته من منظور يساري، وعلماء الأزهر طلبوا منه أن يغيرها لرسول الرحمة لكنه رفض لأن مفردة الحرية لها معني عند الشيوعية. أما هيكل ــ ضاحكا ــ بلدياتي من المنصورة، هيكل استمد السيرة من مصادرها الأصلية، نفي الكثير من معجزات النبي وقال إنها لا تليق بالنبي والمعجزة الوحيدة هي القرآن، كاتب خاطب قراء عصره، وضع الشيخ المراغي، شيخ الأزهر، مقدمة ضافية للكتاب، إن لم تقرأه فلا تفوت فرصة قراءة المقدمة.
وتَذكرَ أنني أخذت حبة حلوي واحدة فقال: لا تكن خجولا وخذ بونبون.
أخذت حبة أخري مبتسمًا، ثم سألته عن شيء قرأته في »‬جرة قلم» قلت: نبهت محمد عبد الحليم عبدالله وقلت له الحيوان المسعور لا يُؤكل تعليقا منك علي قصة »‬حافة الجريمة» التي أورد فيها جَملا مسعورا ذُبح والناس تأكله فقال لك: لا تحدث أحدا بهذا ! فلماذا ذكرته؟
قال: عبد الحليم عبد الله لم يقل لي سرا شخصيا والسبب في ذكر هذه المعلومة الأمانة العلمية.
توقف قليلا ثم قال: أنت خجول جدا لماذا لا تأخذ الحلوي؟!
ساعتها قمت وأفرغت طبق البونبون في جيبي واستأذنت بالانصراف..
ويومئذ تحتل كم الخبرية صدارة الجملة حين نقول: كم هي رحيبة صدور الكبار!