رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي (67 ) إلي الفتوحات المكية


محمود الورداني
8/18/2018 2:01:18 PM

  أريد أن ألفت نظر القارئ هنا- خصوصا المتابع لهذه السلسلة- إلي أن عزت عامر لاينفرد وحده برسم بورتريه، فقد سبق لي أن اخترتُ من بين عشرات الشخصيات التي وردت من اعتقدتُ أن تسليط الضوء أكثر علي أدوارهم وتأثيرهم سوف يكون مناسبا، مثلما حدث مع ابراهيم منصور وخيري شلبي وإدوار الخراط علي سبيل المثال.
  علي أي حال ، بقي من الفترة التي زادت علي عشر سنوات في مركز خدمة سيارات البيجو، ديوان" الحجر الصغير" عند اندلاع انتفاضة الحجارة في فلسطين المحتلة، وهو مطبوع بطريقة الماستر التي شاعت آنذاك، والأهم في رأيي هو مجموعة " الجانب الآخر من النهر" القصصية، والتي طُبعت بعد كتابتها بعدة سنوات في هيئة الكتاب. تلك مجموعة نادرة ومهمة ووصل فيها عزت إلي ذُري غير مسبوقة في تحويل الكوابيس إلي قصائد قصصية موجعة وشفافة.
  من جانب آخر، لم يكن ممكنا له أن يستمر هكذا إلي الأبد، فتحول إلي الصحافة العلمية والترجمة دون أن يكون هناك أفق واضح أمامه، وبالمصادفة أتيحت له فرصة العمل في جريدة" الاقتصادية" السعودية، وسافر بالفعل إلي الرياض ليمضي أكثر من عشر سنوات مسئولا عن عدة أبواب، وأمكن له أن يسافر لعدد من العواصم الأوربية، واستعاد علاقته باللغة الفرنسية.. وبدأ مرحلة جديدة.
  بالمصادفة وجد عند أحد زملائه في الرياض نسخة من الفتوحات المكية لابن عربي، فعكف عليها ويمكن القول إنها استلبته..وانتهي به الأمر للتصوف لعدة سنوات أخري. وإذا كان قد تخلص من عدد كبير من أوراقه ومخطوطاته باعتبارها لم تعد منتمية له، إلا أن تلك المرحلة أو ذلك التحول أنتج  كتابين الأول" شاهد ومشهود"، والعنوان الفرعي للكتاب : آراء في الفكر والفلسفة وصدر عام 2011 ويضم تساؤلات وتأملات لرحلته الفكرية الشاقة، والثاني ديوانه" روح الروح" الذي لم ينشره..
  مازالت تحولات عزت عامر مستمرة، من قصائد يوحنا المعمدان في ديوانه الأول مدخل إلي الحدائق الطاغورية، إلي مشاركته النشطة حتي وهو يرتدي بدلة ضابط الاحتياط في الاحتجاجات الغاضبة  في الجامعات وأجران الفلاحين، إلي انتمائه للماركسية فكريا وتنظيميا، إلي خوضه واحدة من أهم المعارك الجماهيرية عندما ترشح للبرلمان عام 1976 ، إلي اعتباره المتهم الأول في قضية انتفاضة 1977 ، إلي عمله في مركز خدمة سيارات البيجو إلي سفره للسعودية، إلي وقوعه في غرام التصوف.. في كل تلك التحولات كان يبحث عن مرفأ وعن سلامه النفسي ، ولاحاجة للقول أنه كان صادقا إلي حد موجع وهو يخوض كل التجارب.
  عاد أخيرا إلي القاهرة منخرطا في إحدي الطرق الصوفية التي انضم إليها،لكنه مالبث أن انفض عنها وعن الطريقة وعن التصوف ليبحث عن مرفأ جديد. وعندما اندلعت ثورة 25 يناير، حسم موقفه بل وانضم إلي حزب يساري جديد كان قد تأسس آنذاك، وإن كان قد لفظ أنفاسه بعد وقت قصير وهو حزب العمال والفلاحين.
  وخلال سنوات قليلة عكف علي الترجمة واستهوته الترجمة العلمية وله حتي الآن نحو 60 كتابا في العلوم، كما ترأس تحرير المجلة الفصلية العلمية العلم والحياة التي تصدرها هيئة الكتاب، بينما يواصل الترجمة العلمية التي استهوته ووقع في غرامها.
  وأخيرا وقع علي كنز آخر، حيث شرع بالفعل في كتابة عمل روائي كبير وأنجز جانبا لابأس به منه، يعود فيه إلي قريته ليعيد تأملها.. لايعرف حتي الآن إلي أين تقوده هذه الرواية، وترك نفسه ليعيد اكتشافها..
  انتهي هنا بورتريه عزت عامر، وفي الأسبوع القادم أواصل الكتابة عن زمني..