رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الفنان عبد السلام الشريف..صاحب فكرة معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تم تجاهله علي مدار 50 عاماً


محمد سيد ريان
9/1/2018 1:23:49 PM

ربما تساءل الكثيرون من الكتاب والأدباء والمثقفين عن صاحب فكرة معرض القاهرة الدولي للكتاب ؟! من يكون هذا العبقري الذي تنبه لأهمية ترويج وتسويق الكتاب المصري والعربي قبل نحو خمسين عاماً من الآن.
الإجابة كانت عند الدكتور ثروت عكاشة الذي قال بالحرف الواحد في مذكراته » قدم إلي الفنان عبد السلام الشريف مُقترحاً حول ضرورة إقامة معرض دولي للكتاب في مصر ، وأشرت علي المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر بتبني الاقتراح، فاتصلت بسوق الكتاب الدولي المعروف في ليبزج، وأرسلت مندوبها الأستاذ إسلام شلبي للتمهيد إلي إقامة معرض شبيه به علي النطاق العربي، ليربطها بحركة نشر الكتاب دولياً من خلال التعامل مع المشتركين في معرض ليبزج السنوي ، وكان لحماسته الفائقة وكفاءته المذهلة الفضل الأكبر في نجاح الفكرة. وبدأ نتيجة هذه الاتصالات المثمرة الإعداد لمعرض الكتاب الدولي الذي أقامته المؤسسة لأول مرة في يناير 1969 كي تتيح الفرصة أمام الجامعات والهيئات العلمية للوصول إلي حاجتها من المراجع بأسعار مناسبة. ولقد اشتركت في هذا المعرض الأول 27 دولة وأكثر من 400 دار نشر، وزاره ما يزيد علي سبعين ألف زائر خلال عشرة أيام ، وزاره ماينوف عن سبعين ألف زائر خلال عشرة أيام هي فترة إقامته»‬.
إنه الفنان العظيم عبد السلام الشريف
يعد الفنان عبد السلام الشريف رائد فنون الكتاب في عالمنا العربي ، وُلد بمدينة المنيا يوم 2 مايو عام 1910. وتوفي بالجيزة يوم 26 نوفمبر عام 1996 ، وقد اتجه في بداية حياته نحو تصميم إعلانات الأفلام أو الأفيشات واستطاع أن يلفت إليه الأنظار وسط عدد كبير من الفنانين المصريين والأجانب في هذا المجال.
وتتميز إعلانات الأفلام التي قام بها عبد السلام الشريف بالبساطة والوضوح بالإضافة للابتكار والتجديد الفني.
ومن أبرز أفيشاته أفلام »‬تيتا وونج» و»‬أجنحة الصحراء» و»‬بحبح باشا» و»‬أحب البلدي» و»‬الورشة» و»‬ليلة الفرح» و»‬شهداء الغرام» و»‬ليلي بنت الريف» و»‬ثمن السعادة» و»‬خلف الحبايب» و»‬السقا مات» وغيرها.
كما ساهم الشريف بدور كبير في ديكور عدد كبير من الأفلام المصرية المؤسسة للحركة السينمائية.
وكذلك عمل في مجال ديكورات المعارض الداخلية والخارجية ومن أبرزها المعرض المصري في الصين 1956 ، ومعرض الكتاب العربي ببيروت 1967 وجناح مصر بمعرض بروكسل الدولي 1958 و جناح الإصلاح الزراعي في 1954  وغيرها من المعارض.
وفيما يلي بعض من سيرته الذاتية :
> عمل بتدريس الرسم بالمدارس الإبتدائية والثانوية من عام 1932حتي 1937.
> مدير شركة مصر للإعلان 1933.
> أول المشتغلين بالسينما من خريجي الفنون الجميلة قام بعمل ديكور لعدة أفلام وتصميم الملصقات وأول المقدمات المتحركة للأفلام في مصر وكذلك المكياج كما قام بالتمثيل وساعد في الإخراج السينمائي 1935 : 1940.
رسام بالقسم الفني المخصوص بمصلحة المساحة لتصميم البنكنوت وطوابع البريد 1939.
> رسام ورئيس القسم الفني بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية للاشتراك مع البعثة الفرنسية لتسجيل حفائرها بالكرنك ثم سقارة 1942.
- مدرس بقسم الفنون الزخرفية بكلية الفنون الجميلة - القاهرة 1944.
أنتدب مديراً لقسم الإنتاج الفني بإدارة الشئون العامة بوزارة التربية والتعليم.
• مستشار فني للدار القومية للطباعة والنشر (الهيئة المصرية العامة للكتاب حالياً ) 1959 : 1966.
• مستشار فني لوزير السياحة 1967 - 1969.
• مستشار فني لوزير الثقافة 1969.
• عين أول عميد وأسس المعهد العالي للنقد الفني لدراسة تذوق الفنون بقرار جمهوري من الرئيس أنور السادات عام 1970.
• أستاذ الإخراج الصحفي بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الملك عبد العزيز بجدة 1976: 1981.
• مستشار فني للدار السعودية للطباعة والنشر 1981.
أما أهم أعماله في مجال الطباعة و الكتاب والنشر فهي :
• صمم وأخرج مطبوعات اليونسكو مثل رسالة اليونسكو ومستقبل التربية وديوجين والعلم والمجتمع والعلوم الاجتماعية.
• صمم شعار ومطبوعات البنك الأهلي وأسس أول متحف لمقتنيات البنك من أعمال الفنانين
• صمم وأخرج وعمل حتي وفاته مشرفاً فنياً لمجلة الفنون الشعبية ( الهيئة المصرية للكتاب.
• قام بعمل التصميم الأول لصدور مجلة الرسالة مع الأستاذ / أحمد حسن الزيات كذلك مجلة اللطائف المصورة والعروسة ومجلتي وجريدة الأخبار والأساس والجريدة المسائية والأسبوع والجمهورية والأخبار والمساء والشعب والجماهير السورية والتحرير وبناء الوطن ومجلة آراب ريفيو والشهر وبنت النيل والصرخة وجريدة الإنذار بالمنيا ومصر الفتاة ونداء الحرية ومجلة أكاديمية البحث العلمي ومجلات وجرائد دار التعاون.
• قام بالإخراج الفني لعدد كبير من إصدارات دار الشروق.
وأفضل ماقيل عن عبد السلام الشريف ذكره الدكتور/ ثروت عكاشة في مقدمة الكتالوج الخاص بمعرضه الشامل ومناسبة تكريمه في نوفمبر 1998.
»‬ الفنان عبد السلام الشريف هو الأب الشرعي والمؤسس الأول لفن التصميم الطباعي في مصر في مجال الإخراج الصحفي أو الكتب أو الإعلان أو الملصقات، هو الذي وضع في مستهل حياته الفنية الرئيسية لعدد من الدوريات الكبري تجلت فيها مواهبه المتميزة، مثل مجلة الشهر 1950 وصحيفة المساء 1956 وغيرها».
وإلي جانب اتساع أفقه الإبداعي والمفهومي كانت له دراية واسعة بالجوانب التقنية والصناعية في إنتاج المطبوعات مما مكنه من إثراء تصميماته التي بلغت الذروة في إخراجها.
لقد سعي حثيثاً إلي إحداث تغيير جوهري في المجال الفني الذي أفني حياته مستغرقاً فيه، فكان صاحب رأي واتجاه دفعاه لأن يحمل لواء التوجيه، لا يعنيه ما اعترضه من عقبات ومشاق لم يدخر وسعاً في سبيل تذليلها، فلقد كان الشريف فناناً مؤسساً ورائداً للمهنة بحق بعد ان انتزعها بجدارة وكفاءة وبراعة من أيدي الحرفيين الأجانب الذين كانوا يحتكرون السوق إلي وقت قريب، ونقلها نقلاً إلي ما يسمي فن الطباعة أو بمعني آخر إلي فن المثقفين بعد أن كانت فن الحرفيين، وإذا هو يحظي بمكانة مرموقة وغير مسبوقة في هذا الميدان، فأمام الفن الجيد يشف وجدان الإنسان ولا يعود يري إلا الجمال.
وإني شخصياً لأقف بخشوع أمام تصميمات كتب الفن التي حرصت علي أن يتولي تصميمها وإخراجها سواء لي أو لغيري، فثمة عنصر في الفن يفوق (الجمال) هو (الجلال) الذي برع فيه عبد السلام الشريف، فعلي حين يبعث (الجمال) (البهجة) في النفوس، يثير (الجلال) (الهيبة).
وعلي حين يحبو الفنان العادي مسايراً عصره يسبق خطو الفنان العظيم الموهوب خطو عصره، فإذ هو يغدو مؤسساً لمدرسة قائمة بذاتها تشمل العديد من الحواريين الذين برزوا بدورهم في هذا المجال وأمسوا بفضل تعاليمه وريادته أصحاب النقلة التالية في فن التصميم الطباعي.
ولعبد السلام الشريف محاولات هامة أيضاً في تطوير الحرف الشعبية وإضافة بعد ثقافي (جليل) إليها مثل تصميم قماش السرادقات بلوحات فنية غاية في البساطة والجمال مستلهمة من الفن الشعبي هو الفن المعروف بإسم (الخيامية) أو أسلوب النسيج المضاف.
وله أيضاً سلسلة من اللوحات الرائعة المرسومة بألوان الجواش قدم فيها تجربة تمزج تقاليد الرسم المصرية القديمة بسمات الفن الشعبي المصري ومفردات الحياة اليومية لبسطاء الناس مثل لوحة (النعمة) الخالدة الشمخاء، حيث يضم فلاح زوجته بذراعه وقد جاءت إليه في الحقل تحمل له رغيف خبز وعود فجل، ومثل لوحة (ليالي الكرنك) التي تمثل حفلات السمر في صعيد مصر
وقد لا يعرف البعض أن الشريف قد اشتغل بعد تخرجه في الفنون الجميلة في إعداد الديكور لأفلام السينما في بدايتها مثل فيلم تيتا وونج، فضلاً عن اشتغاله بإعداد ديكور بعض المسرحيات.
أما عبد السلام الشريف الإنسان فلعله أحد أفراد الصفوة الذين تصدق عليهم مقولة إن (الفن والأخلاق صنوان لا يفترقان) فعلي مدي أربع وأربعين عاماً رافقته فيها منذ تعاون معي ومع تلميذه الفنان حسن فؤاد في مجلة التحرير التي رأست تحريرها عام 1952/1953، مروراً بتعاونه الوثيق معي خلال عملي بوزارة الثقافة، ثم عكوفه علي إخراج كتبي، لمست في دماثة الخلق، واحترام الذات، وإيثار الغير، والوطنية الحقة، والتواضع الجم متمثلاً في الحكمة القائلة (رب إخفاق في حياء أنبل من نجاح في تبجح)، والتسامح إيماناً منه بأن التسامح محبة أصابها داء التعالي، والقناعة والزهد المتواشجين مع الكبرياء، فإذا هو علي الدوام يهب ما فوق قدرته، ويأخذ دون حاجته رحمه الله رحمة واسعة».
ويذكر الدكتور صبحي الشاروني أن عبد السلام الشريف كان »‬ يرفض في تواضع وانزواء أن يوضع اسمه في إعلان، أو يكتب في صحيفة أو يلتصق بقصة فاتنة مشهورة.. الحياة في قلبه احساس وتجربة ومعرفة ومغامرة، يحب فيتفاني، ويهرب من الدنيا بضجيجها وصيحات مجدها الزائلة، ليجرب الهدوء والوحدة والسكينة تحت سفح جبل أو عند مجري ماء.. يقرأ ويرحل وينتقل من مكان إلي آخر ومن عمل إلي عمل ليمتلئ معرفة».
هذا هو صاحب فكرة المعرض فما أحوجنا إلي تكريمه الآن ونحن نحتفل بالعيد الخمسيني لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.