رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

الجن والحيوانات في القصة القصيرة السورية


د. فاخر ميا
5/19/2018 1:26:25 PM

يبتعد الإنسان الشعبى عن واقع »سعيد»‬ يخلص به من واقعه الحالى المزري، وهو فى بحثه الشاق لا يجد خلاصه  إلا  من خلال الموروث الثقافى الذى يسعى الشعب عن طريقه إلى خلق الصورة المثالية التى تحقق له الأمل الذى يراوده فالقصة البطولية وفق ما تمتلكه من مقدرة الإنفتاح على فضاءات متنوعه تحقق له مقدرة  مضاعفة فى اختراق الواقع ذلك أن البطل يشكل صورة مثالية عن الإنسان فرغم المبالغات التى تغلف أحداثها وشخصياتها فإن أبطالها بشر عاديون يتحركون فى جوار إنسانى ولما كان الغول والحيوانات الأخرى المتوحشة تشكل مكمن الخطر الأول الذى يتعلق بالإنسان فإن التغلب على الكائن المهول غالبا ما يمثل العمل الحقيقى البطولى الحقيقى فى حكاية البطولة .
وتكشف الحكاية فى أحداثها عن محاولة لإضاءة مشاكل الإنسان فى حياته العادية فهى تحمل على عاتقه هموم الفقراء والمحرومين وتسعى إلى إيجاد حلول لمشاكلهم بطريقة مليئة بالمعجزات يدفعها إلى ذلك رغبتها فى التعبير عن إحساس العامة باستحالة وصولهم إلى العدالة فى الواقع فهاجسها الاجتماعى هو ما يميزها وموضوعاتها تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الإجتماعية والأسرية ولعل هذا ما يفسر التعلق بهذا النوع من القصص فالحكاية الشعبية تدفع أبطالها إلى عوالم غريبة وقد تدفعهم إلى عالم الموتى أو عالم الأرواح أو الشياطين والاشباح، ولكنهم عندما يخوضون  فى هذه العوالم يكونون دائما على وعى بأن هذه العوالم بعيدة عن عالمنا ومن ثم فهى تثير فى نفوسهم الفزع والرهبة. وقد كان للثقافة والحكاية الشعبية تأثير على القصة السورية، بأشكال عدة.
    فوجود الجن والغيلان والعفاريت بوصفها شخصيات لا واقعية تعكس رغبة الإنسان فى حل مشاكله التى تعجز عن حلها بطريقة سهلة، ولكن ذلك لا يعنى انعدام وجود شخصيات شريرة فى الحكاية الشعبية فالإنسان الشعبى مايزال يعتقد بوجود القوى الشيطانية تسكن عالماً قريباً من عالمه ويمكن أن تسبب له الأذى ولعل أشهر الحيوانات مكراً الذئب .
فالذئب يأتى مقتصرا وحاملاً الخطر خطر الحياة فى مجتمع متنكر للقيم....مجتمع فى طور التحول والانقسام.
يدعم ذلك صورة الذئب المرتبطة فى اللاوعى بالغدر والذكاء وامتلاك النزوات المدمرة... لترى الشخصية هواجسها وقلقها ورعبها وجها لوجه على شكل صور حقيقية بصرية »‬الذئب يقفز خلفى وأنا أصطدم بالمرايا وحين يرانى الزملاء زملائى فى الوظيفة الجديدة يفغرون أفواههم ويضحكون». »‬1»
وهنالك الأفعى المقترنة باللاوعى بالخطر العظيم الذى يهدد الإنسان فهى بلا قوائم قوية سريعة الإختفاء ولها ألوان متنوعة »‬على ماذا أبكى إذا ما لدغتنى الافعى وقصفت شجرة حياتى ؟! ابتعدت بخوف رأيتها تتحرك ببطء ثم تخلع ثوبها بهدوء شديد وتبدل لونها ...كأنها تبدل أزمنة.». »‬2»
وفى قصة »‬الجانب الآخر من الباب» لغادة السمان فهى تظهر أسطورة الشبح مخترقة الواقع الساكن
ومافيه من العادات والعلاقات المستقرة مخرجة أحداث القصة رتابتها المعهودة مستعيدة التوتر والتكثيف وفى عالم الكبار يبدو منسجما مع الثقافة الشعبية التى تؤمن بوجود العالم روحى : »‬فأنت تشبهين شبح أختى كثيرا ألا تعرفين أن للأموات الأحباب أشباحاً لا تفارقنا وتحضر حين نكون بحاجة إليها لا فى الذاكرة فحسب بل قد تتجسد أيضا؟ وسألنى جادا هل شاهدت شبحاً من قبل» ؟»‬3».
فالشبح يقدم فى حضوره اللامعقول تصوراً جديداً لإرادة الإنسان الموظفة بطريقة استثنائية فمن غير المعقول أن تحقق للانسان وجودين معاً فى وقت واحد، فلو كان الأمر يتعلق بحضور مادى لما كان هنالك مشكلة، ولكن دافع الحضور قمع قمعاً تاماً، بفعل الموت الذى تعرض له المهرج، وفى قصة »‬شائعة» »‬لاعتدال رافع» لا يبدو مختلفاً، إذ قد تستغل قدرة الجن وشرورها»‬4» »‬لإعفاء المجتمع من عقوبة الخطيئة- التى يرتكبها بحق افراده عموماً والمرأة خصوصا»ً »‬فيلة القلب مجنونة- جنونها خطر- لا تقربوها- لأنها ممسوسة يوم الخميس وهو موعد حمامها، دلقت ماءً مغلياً على الأرض دون أن تتعوذ من الشيطان الرجيم، وتبسمل وتستأذن الأسياد. تضايق الجن الذين يسكنون تحت بلاطات حمامها وغضبوا من عبثها وقلة اكتراثها ولطشوها»..
   فالقص -أياً كان-يصنف تتابع الأحداث وتسلسل أعمال عدد من الشخصيات وتجاربهم، وهو بذلك يستجيب للتغييرات التى تكشف بدورها عن بعض الجوانب الجديدة أو الخفية فى تلك الشخصيات.  فى قصة »‬خبز المغمورين» لأنيسة عبود »‬5»، تحاول الآن استعادة فعاليتها عن طريق اختراق المواقع، التى حالت دون تحقيق غايتها، لقد وجدت الفتاة فى »‬العجمي» ولى الله طريقة لإعادة قدرتها على التحكم فى مجريات حياتها »‬يا عجمي. موّت أمه وأباه واجعل أشجار قريته أفاع ودجاجات خالته جرابيع، »‬يا عجمي»، ثم مسحت دموعى ونظرت إلى الخبز فرايته يتطاير عالياً كقبرات، لماذا لم تقبل النذر يا عجمي؟».
ومن الكتاب السوريين الذين استلهموا التراث والحكاية الشعبية حسيبكى الى فى أعماله القصصية حيث استخدم الكثير من لوازم الحكاية الشعبية فى بناء قصصه مثل المصادفة والمأثورات الشعبية.. مثل مجموعاته القصصية »‬مع الناس» »‬1953م» و»‬أخبارمنالبلد» »‬1956م». وغيرها... ولعل وليد إخلاصى أحد الرواد الذى أعطى للقصة القصيرة قيمة ابداعية، فظهر اهتمامه بأسلوب الحكاية فى كتابته الأولى كما فى مجموعتيه »‬دماء فى الصبح الأغبر» »‬1968م» و»‬الطين» »‬1971م»، كذلك استخدم الكاتب حسن. م. يوسف أسلوب الحكاية الشعبية فى بناء بعض مجموعاته القصصية الساخرة حيث تضمّنت بعض العناصر من الحكاية الشعبية.
كثر استخدام الحكاية الشعبية والموروث الشعبى عند زكريا تامر فى مجموعاته الأخيرة »‬نداء نوح» و»‬سنضحك» و»‬الحصرم» و»‬تكسير ركب».
واعتمد تامر لقصة »‬ربيع فى الرماد» على اسلوب السرد الشعبى مثل »‬كان فى قديم الزمان مدينةخضراء».‏
»‬كان ناسها جميعاً يحملون فى جيوبهم قطعاً من الورق..».‏ (6) .
 فقد كان للشخصيات الواقعية الشعبية واللاواقعية التخيلية مكاناً بارزاً فى الكثير من المنجز القصصى السوري، وهذا طبيعى لانعكاس الموروث الحكائى الشعبى على ذاكرة القاص. إن انقلاب المشاعر من الحب إلى العدوانية يعكس رغبة فى تجاوز مشاعر القلق وتحويلها إلى النقيض، ولذلك فهى تستجيب استجابة هستيرية لكل ما يحقق لها النجاح. وهذه الأفكار وغيرها كان لها الأثر البارز فى الكثير من التناصات القصصية للكتاب.
المراجع:
1-أنيسة عبود-غسق الأكاسيا- اتحاد الكتاب العرب  1996 ص131.
2-أنيسةعبود- تفاصيل أخرى للعشق -اتحاد الكتاب العرب دمشق 1999 ص106.
3-غادة السمان- القمر المربع-قصص غرائبية- منشورات غادة السمان-بيروت 1994-ص157.
4-اعتدال رافع-الصفر-مجموعة قصصية دار ايبلا- دمشق 1988 ط1- ص21.
5-أنيسة عبود- تفاصيل أخرى للعشق- ص 19.
6- زكريا تامر –ربيع فى الرماد- ربيع في الرماد »‬1963»،دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط4، 2001.‏-ص81.